كتاب الحج 6

الدرس في كتاب الحج 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فدية الأذى وقتل الصيد في الإحرام

شرح تفاصيل فدية الأذى للمحرم الذي يرتكب محظورات الإحرام مثل لبس المخيط أو تغطية الرأس، وفدية قتل الصيد. توضيح الأحكام والخيارات المتاحة للمحرم في كل حالة.

أحكام الصيام للمتمتع والقارن

إذا لم يجد المتمتع أو القارن الهدي، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. يمكن صيام الثلاثة أيام في أيام التشريق، ويجوز صيامها بعد العمرة إذا لم يجد الهدي.

أحكام الهدي والدم في الحج والعمرة

الدم الواجب لفعل المحظور أو ترك الواجب يجب أن يذبح في الحرم ويوزع لفقراء الحرم. بينما يجوز الأكل من دم النسك كالمتعة والقران والهدي المستحب.

حكم أكل الكفارات والدماء الواجبة

لا يجوز لمن أدى كفارة الظهار أو ذبح دم الجبران أن يأكل منها شيئًا، بل يجب التصدق بجميعها على المساكين. هذا الحكم ينطبق على كلتا الكفارتين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "منج السالكين" في كتاب الحج: "وأما فدية الأذى إذا غطى رأسه أو لبس المخيط أو غطت المرأة وجهها أو لبست القفازين أو استعمال الطيب، فيخير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاه". نعم، يقول: فدية الأذى يعني إذا فعل شيئًا من المحظورات، قال: يخير بين ثلاثة أشياء: إما صيام ثلاثة أيام، وإما إطعام ستة مساكين، وإما ذبح شاه، كما جاء في حديث كعب بن عجرة في الصحيحين، الذي أصابه القمل وكثر حتى تأذى منه، فلما أتى النبي عليه الصلاة والسلام ورأى ما أصابه، قال عليه الصلاة والسلام: "ما كنت أرى أو أذن وجعًا بلغ مبلغه أرى". فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه، وأن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة. وكان يعني قصة كعب بن عجرة سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. أمر الله عز وجل فيمن حلق رأسه قبل أن يبلغ الهدي محله، أي قبل أن يتحلل أو يأتي وقت التحلل، فإنه يفدي بهذه الفدية، وهي الصيام. فدية من صيام أو صدقة أو نسك، أطلق الله سبحانه وتعالى الصيام يعني كم أيام لم يذكر، لكن جاء بيانه في حديث كعب بن عجرة أنه يصوم ثلاثة أيام. هذه الثلاثة الأيام يعني هل يلزم أن يصوم في الحرم؟ الجواب: لا، ما يلزمه ذلك، له أن يصوم في أي مكان؛ لأن الله عز وجل أطلق ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "فصم ثلاثة أيام" ولم يقل: "صمها في الحرم"، فيجوز أن يصوم في أي مكان. طيب كذلك أيضًا إما أن يصوم ثلاثة أيام وإما أن يطعم ستة مساكين، في الآية: ﴿من صيام أو صدقة﴾ لم تقيد الصدقة بشيء معين، لكن جاء في السنة في حديث كعب بن عجرة أنه يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، سواء كان من البر أو غيره، يعطي لكل مسكين نصف صاع. فدية من صيام أو صدقة أو نسك، النسك الذبيحة، وأقله شاة، أقل الذبح شاة، فإن شاء يذبح أكثر من شاة، فالأمر إليه. قال: يذبح بقرة أو يذبح ناقة. نعم، فالأمر إليه، أقل شيء عليه شاة، وهو مخير بين هذه الثلاثة الأشياء، إن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء أطعم ستة مساكين، وإن شاء ماذا؟ ذبح شاة. نعم، أيضًا الشاة إذا ذبحها يذبحها في أي مكان، يعني لم يأت في الحديث ولا في الآية تقييد الذبح بمكان معين، فلا هو أن يذبحها في أي مكان، سواء في الحرم أو في غيره. إذن هذه فدية الأذى، ما نظر في الآية وفي الحديث هي خاصة بحلق الرأس، الآية جاءت بذكر هذا الحكم فيمن حلق رأسه، لكن أهل العلم ألحقوا بقية المحظورات بحلق الرأس، قالوا: إذا كان هذا حكم من حلق رأسه، فكذلك أيضًا ما ارتكب محظورًا من محظورات الحج، كالتطيب وهو محرم، أو لبس المخيط، لبس الثياب المفصلة على العضو، أو غطى المحرم رأسه، أو غطت المرأة وجهها، كما مر معنا أنه لا بأس به إذا لم يكن بالنقاب أو البرقع، وإنما جعل الخمار على وجه، ذا لا بأس به، لكن لو غطته بالخمار بالبرقع، فيكون هذا محظورًا. طيب هذه الأشياء الحقوها بحلق الرأس، وهذا قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم أن تلحق بحلق الرأس إذا فعلها المحرم، وجبت عليه هذه الفدية. وإن كان هناك من أهل العلم من يقول: ليس في هذه الأشياء فدية، وإنما الفدية خاصة بحلق الرأس. لكن قول الجمهور أقرب إلى الصواب، ونحن نعلم أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، ولا تجمع بين المفترقات، فكونه أمر بالفدية لحلق رأسه، وحلق الرأس محظور، دل هذا على أن أي محظور يفعله المحرم يجب عليه هذه الفدية. قال: "وإذا قتل الصيد، خير بين ذبح مثله إن كان له مثل من النعم، وبين تقويم المثل بمحل الإتلاف، فيشتري به طعامًا فيطعمه لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا". نعم، قتل الصيد مرة معنا أن من محظورات التي تحرم على المحرم قتل الصيد، والمراد بالصيد كل حيوان بري. ما أقول وحشي أصلا، لا يجوز للمحرم أن يصيد الصيد، فإن صاده خطأ أو نسيانًا فليس عليه شيء، وأما إن صاده متعمدًا فعليه هذا الجزاء. فالله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوو عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا﴾. فأوجب الله جل وعلا هذا الجزاء في قتل الصيد، أنه إذا قتل الصيد متعمدًا، أن عليه ذبح المثل إن كان له مثل من النعم، يعني من الإبل والبقر والغنم، من يحكم بهذا ذوو عدل، يحكم ذوو عدل أن مثل هذا الصيد كذا وكذا من النعم. هناك أشياء يعني حكم فيها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، مثل أن النعم قضوا أن مثلها البدن، الإبل المشابهة في الرأس، كبر طول الرأس أو العنق، كذلك أيضًا الزرافة مثلها الإبل، بقر حمار الوحش مثله البقر، الضبع مثله الشاة، وجاء فيه حديث الضبع صيد وفيه شاة لصاده المحرم. مثلًا الأرنب والحمامة الصغير من الغنم، الغزالة كذلك يعني فيها الشاة، ونحو ذلك. طيب الآن إذا قتل الصيد، مثلًا نقول بأنه صاد حمارًا وحشيًا وهو محرم قتله، نقول: عليك ذبح مثل هذا الحمار الوحشي من النعم، ما هو مثله؟ قالوا: بقرة. إذن عليك أن تذبح بقرة وتوزع لفقراء هذا أولًا، إما ذبح المثل إذا وجد. طيب يقول: المثل هي البقرة، أو لك أن تقوم المثل بمحل الإتلاف، المحل الذي قتلت فيه هذا الصيد البقرة، ومثله كم يساوي؟ كم قيمته؟ قالوا: البقرة مثلا قيمتها 500 ريال سعودي مثلًا. طيب إذن يقوم هذا المثل 500 ريال، ويطعم بها المساكين. طيب 500 ريال كم تطعم من المساكين؟ مثلا تطعم 50 مسكينًا لكل مسكين نصف صاع، تطعم 50 مسكينًا. إذن تقوم المثل وتطعم بهذه القيمة ما تستطيع أو ما تطعمه هذه القيمة من المساكين، تطعم مثلا 50 مسكينًا، أو بدل الإطعام إذا أردت أن تصوم، ستصوم عن كل مسكين يومًا. هذه القيمة الآن تطعم 50 مسكينًا، إذن إذا أردت أن تصوم فإنك ستصوم خمسين يومًا. واضح هذا معنى الآية: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قول جل وعلا: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوو عدل منكم هديا بالغد الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا﴾. فخير هو على التخيير، إن شاء ذبح المثل، وإن شاء قوم المثل وأطعم به مساكين، وإن شاء صام بهذه القيمة عن كل مسكين يومًا. واضح. هذه خلاصة ما يتعلق بجزاء الصيد، ما يتعلق بجزاء الصيد. قال: "وأما دم المتعة والقران، فيجب فيهما ما يجزئ في الأضحية". يعني من السن أن تكون ملغاة السنة، السن المحدد في الأضحية أن تكون سالمة من العيوب، كما سيأتي بشروط الأضحية. قال: "فإن لم يجد صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، ويجوز أن يصوم أيام التشريق عنها، وسبعة إذا رجع". الآن المتمتع والقارن علمنا أن عليهما هدي، قال الله عز وجل: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾. إذا لم يجد الهدي، كيف لم يجد؟ ما عنده قيمة الهدي، مثلا ما عنده قيمة الهدي، أو عنده القيمة لكن هذه القيمة يحتاج لها في طريقه وسفر إلى الحج، هنا يكون عادمًا للقيمة. أو لم يجد هديا عنده المال لكن الهدي غير موجود مثلا. طيب ففي هذه الحال وما كان مثلها يكون عادمًا أو غير قادر على الهدي، فينتقل إلى الصيام، فيصوم عشرة أيام: ثلاثة أيام في الحج، يصوم ثلاثة أيام في الحج. اختلف أهل العلم في هذه الثلاثة أيام هل يجب أن يصومها إذا شرع في الحج؟ متى يشرع الحاج في الحج؟ في اليوم الثامن. في اليوم الثامن إذا كان متمتعًا هو سيعتمر ويتحلل من العمرة، ثم يهل بالحج في اليوم الثامن، سيكون أول أيام الحج، واليوم الثامن وآخر أيام الحج هو يوم الثالث عشر من ذي الحجة. إذا قلنا بأنه يجب أن يكون الصيام في أيام الحج، إذن سيصوم في أيام الحج، وأفضل هذه الأيام أيام التشريق، أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاز لمن لم يجد الهدي أن يصوم هذه الأيام، في حديث عائشة وعمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص في أيام التشريق أن يصمنها إلا لمن لم يجد الهدي؛ لأن هذه الأيام أيام عيد، الأصل لا يصومها إلا من لم يجد الهدي. فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم له أن يصوم. إذن يصوم أيام التشريق، خلافًا لمن منع من أهل العلم، استدل بحديث نبيشة الهدى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله". نقول: نعم، الأصل أنه يجوز صيام أيام التشريق، لكن أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يجد الهدي أن يصومها، فيكون حديث نبيشة عام، وحديث إجازة الصيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي خاص، والخاص مقدم على العام. طيب هنا قول آخر: أنه يجوز أن يصوم الثلاثة الأيام بعد عمرته، بعد العمرة إذا اعتمر في أشهر الحج وهو لا يجد الهدي، ما عنده قيمة الهدي ويغلب على ظنه أنه لن يجد الهدي، هل له أن يصوم الثلاثة الأيام بعد عمرته؟ في هذا خلاف. الصواب أنه يجوز، يجوز له أن يصوم الثلاثة الأيام بعد عمرته، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة، إذن يجوز حينئذ أن يصوم الثلاثة الأيام؛ لأن عمرته متعلقة بالحج. فعلى هذا يجوز له أن يصوم هذه الثلاثة الأيام بعد اعتماره. طيب أين يصوم هذه الثلاثة الأيام؟ يصومها في أي مكان، يصومها في أي مكان. الثلاثة الأيام في الحج يصومها في أي مكان. طيب وسبعة إذا رجع، سبعة إذا رجع. فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، هنا أطلق الله في الآية لم يقيد هذا الرجوع إلى أين، لكن جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر من لم يسق الهدي بالعمرة، وأن يتحلل ثم يهل بالحج، ثم أخبر بأن من لم يسق الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، قيد هذا الرجوع إلى الأهل. وهذا قول جمهور أهل العلم أن صيام السبعة الأيام إذا رجع إلى أهله، إذا رجع إلى أهله. إذن ثلاثة أيام يصوم في الحج، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله. طيب إذا ترك صيام الثلاثة الأيام، لم يصم الثلاثة الأيام في الحج حتى رجع، كيف يفعل؟ يصوم عشرة أيام، يصوم عشرة أيام. وإذا عجز عن الصيام، ما عنده هدي ولا يستطيع الصيام، هنا قال بعض أهل العلم: يسقط عنه الصوم. وقال بعضهم: يبقى في ذمته، وهذا هو الصحيح أنه يبقى في ذمته، متى ما استطاع الصيام واجب عليه أن يصوم، وإذا لم يستطع فهو معذور. طيب تأتي مسألة: إذا لم يجد الهدي وصام ثم وجده، هل يلزمه أن يهدي أو يكفيه الصيام؟ إذا لم يجد الهدي فصام ثم وجد الهدي بعد ذلك، هل يلزمه أن يهدي أو يكتفي بصيامه؟ الجواب: إن كان وجده بعد ما انتهى من الصيام، فهذا لا يلزمه باتفاق، لا يلزمه باتفاق. إنسان صام ثلاثة أيام طيب ثم بعد ذلك تيسر له الهدي، هل يلزمه أن يهدي أو يكتفي بصيامه؟ الجواب: أنه يكتفي بصيامه، وأن صيامه مجزئ، هذا باتفاق أهل العلم. الصورة الثانية: إذا وجده في أثناء الصيام، صام اليوم الأول أو الثاني ثم وجد الهدي، هل يقطع الصيام ويهدي أو يستمر في صيامه؟ هذه الصورة فيها خلاف، والصحيح كذلك أنه يستمر في صيامه؛ لأنه شرع في الصيام بإذن من الشرع، وأجاز له الشرع أن يصوم إذا لم يجد الهدي، فهو قد صام بإذن من الشرع، فيستمر في صيامه. قال: "وكذلك حكم من ترك واجبًا أو وجبت عليه الفدية لمباشرة". لما ذكر وجوب دم المتعة والقران، وأن المتمتع والقارن عليهما هدي، فإذا لم يتيسر لهما الهدي فعليهما الصيام، عليهما الصيام كما قال الله جل وعلا: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾. فيقول: وكذلك حكم من ترك واجبًا، يعني من ترك واجبًا من الواجبات وجب عليه الهدي في قول جمهور أهل العلم. واستدل العلماء بأثر ابن عباس أنه قال: "من نسي واجبًا أو تركه فعليه دم" رواه مالك في الموطأ وهو صحيح. أما قوله: "من نسي" بالنسبة للنسيان، فلا يواخذ الإنسان على ما نسيه؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. فالإنسان ليس عليه شيء. لكن بالنسبة للمتعمد الذي يترك واجبًا من واجبات الحج، فهذا عليه عليه دم. فهذا الدم هو الهدي، هو هدي يذبحه في الحرم، ويوزع لفقراء الحرم. فإن لم يتيسر ما عنده هدي، يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. هذا معنى قوله: "وكذلك حكم من ترك واجبًا"، يعني أنه يجب عليه الهدي، فإن لم يجد هديا أو يتيسر له الهدي، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. كمن ترك مثلا لم يحرم من الميقات، أو لم يقف بعرفة إلى غروب الشمس، أو لم يبيت بمزدلفة، أو كذلك لم يرمي الجمار أيام منى إلى آخر ذلك من الواجبات. فهذا عليه دم، إن لم يكن عنده هذا الدم فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. قال: "أو وجبت عليه الفدية لمباشرة". أو وجبت عليه الفدية لمباشرة، يعني كذلك المباشرة أن يباشر أهله وهو محرم، وهي مقدمات الجماع من الضم أو التقبيل إلى آخر ذلك. فهذا في قول جمهور أهل العلم أن عليه الفدية، أن عليه فدية، يعني يذبح شاة وتوزع لفقراء الحرم، وحجه صحيح. حجه صحيح، لكن قالوا: عليه فدية. هذه الفدية إذا لم تتيسر، لم تتيسر له، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. هذا معنى قوله: "وكذلك حكم من ترك واجبًا أو وجبت عليه الفدية لمباشرة". قال: "وكل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام فلمساكين الحرم من مقيم وأفقي". يقول: كل هدي أو إطعام، هدي كهدي التمتع، هدي القران، أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام، يتعلق بحرم أو إحرام يعني كهدي كإطعام الفدية، هذا يتعلق بالإحرام، كونه يعني ارتكب محظورًا إلى آخره. يقول: فلمساكين الحرم، يعني يكون هذا الهدي وهذا الإطعام لمساكين الحرم، يوزع عليهم من مقيم ممن يقيم في الحرم، والأفقي غير المقيم الذي نزل وأتى إلى الحرم، كمن جاء لعمرة أو حج ونحو ذلك. يقول: فإن كذلك يطعم من هذا الهدي. نعم، فذكرنا كما قلنا هدي التمتع وهدي القران، وكذلك أيضًا جزاء الصيد، قال الله عز وجل: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾، يعني يكون في الحرم. وألحق به أهل العلم بقية يعني أنواع الهدي، كحلق الرأس. وكذلك أيضًا الإطعام، إن أطعم يعني بدل الهدي في جزاء الصيد، إذا أطعم فيكون لمساكين الحرم. وهذا هو الأحوط، أنه يجعله لمساكين الحرم، يعني أخذًا من قول الله عز وجل: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾. ولو ذبح في الحرم يعني مما يجب ذبحه في الحرم كهدي التمتع والقرآن، هل يجوز أن يخرج لحمه إلى خارج الحرم؟ الجواب: نعم يجوز، يعني لأن هؤلاء المساكين اكتفوا واللحم فائض، لو ترك سيفسد وينتن، لا بأس بإخراجه، يخرج إلى خارج الحرم، يذهب به إلى جدة أو إلى الطائف أو إلى المدينة أو إلى خارج المملكة، لا مانع من ذلك. لكن يذبح في مكة، يذبح في مكة، ويعطى لمساكين الحرم، وما زاد أو فاض عن ذلك فيخرج إلى خارج الحرم. أيضًا كذلك مما يذبح في الحرم هدي. نعم، نذكرنا هدي التمتع والقرآن. المهم أنه يجوز يعني أنه يخرج خارج الحرم، وإن كان الذبح يكون في الحرم، لكن لا مانع من إخراج اللحم إلى خارج الحرم. نعم، قال: "ويجزئ الصوم بكل مكان". نعم، الصوم لا يجب أن يكون في الحرم، بل يصوم في أي مكان، مثل صوم بدل الهدي، صيام ثلاثة أيام، هذا الصوم يكون في أي مكان. أو كذلك أيضًا الصوم في فدية حلق الرأس وما كان بمعناه من فعل المحظورات، فإنه يصوم في أي مكان، ولا يشترط أن يصوم في الحرم. قال: "و" دم "النسك كالمتعة والقران". قال: "كالمتعة والقران والهدي المستحب يؤكل منه ويهدى ويتصدق". ودم النسك كالمتعة والقران، والهدي المستحب يعني الذي يهدى إلى الحرم، وإن كان يعني زائدًا على هدي المتعة والقران، يعني يجوز ويستحب أن يهدي الإنسان شيء من البدن إلى الحرم، فهذا الهدي المستحب يؤكل منه ويهدى ويتصدق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر هديه أمر بكل بضعة من كل بدن ببضعة، ثم طبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها، فهو يعامل معاملة الأضحية في الأكل والإهداء والتصدق. قال: "والدم الواجب لفعل المحظور أو ترك الواجب ويسمى دم جبران لا يأكل منه شيئًا". الدم الواجب لفعل محظور مثل حلق الرأس أو الطيب أو تغطية الرأس إلى آخره من المحظورات، أو الجماع. قال: "أو تركه واجبًا"، إذا ترك واجبًا فعليه دم في قول جمهور أهل العلم، واستدل أهل العلم بأثر ابن عباس أنه قال: "من نسي شيئًا من نسكه أو تركه فعليه دم". وهذا الأثر صحيح موقوف عليه، أرواه الإمام مالك في موطئه بسند صحيح. فجمهور أهل العلم قالوا به، أن من ترك واجبًا من واجبات الحج فعليه دم. وإن كان هذا الحكم ليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن القول به يعني يجعل واجبات الحج لها حرمة، وكذلك أيضًا يمنع من التساهل في تركها. لو قيل: إن من تركه واجب ليس عليه شيء، عليه أن يتوب فقط، سيتساهل كثير من الناس بسبب الجهل في ارتكاب في ترك الواجبات ويقول: "سهل أتوب". لكن لو قيل: "عليك دم"، هنا يعني يمنعه ذلك من التساهل في ترك هذه الواجبات. يعني القول بأنه ليس عليه دم عليه التوبة، قول قوي، لكن القول بالدم وقول الجمهور أهل العلم هو الأحوط سدًا لباب التلاعب في ترك الواجبات في الحج، فيستانس حينئذ بأثر ابن عباس. هذا نقول: من ترك واجبًا، لكن إذا كان متعمدًا أم إذا كان ناسيًا فهو معذور: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾. لكن إذا تركه متعمدًا فعليه فعليه دم. هذا الدم يسمى دم جبران؛ لأنه يجبر النقص الذي حصل بفعل المحظور أو بتركه الواجب. قال: "لا يأكل منه شيئًا"، هذا المهدي لهذا الدم لا يأكل منه شيئًا، ويتصدق بجميعه؛ لأنه يجري مجرى الكفارات. كما أن الإنسان لا يأكل من الكفارة، لو أن الإنسان عليه كفارة يمين إطعام عشرة مساكين، وما يأكل منها، لا يأكل منها شيئًا. طيب أو كفارة يعني ظهار، إطعام ستين مسكينًا، فإنه لا يأكل منها شيئًا. كذلك هذا الدم دم الجبران هو منزلة الكفارة، فلا يأكل منه شيئًا، بل يتصدق بجميعه للمساكين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.