الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 64، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
ينقسم الاختلاف في المسائل العلمية الخبرية إلى اختلاف تنوع سائغ واختلاف تضاد مردود، وقد وقع أهل التعطيل في التضاد الباطل عند فهمهم لآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فأنكروا صفات الكمال ظنا أن إثباتها تشبيه. وهذا الخطأ غير معذور لمخالفته إجماع السلف والأدلة الشرعية والعقلية الصحيحة.
يتميز أهل الحق بالاستدلال بالكتاب والسنة ثم الاعتقاد، بينما يتبع أهل الزيغ أهواءهم ثم يتشبثون بالمتشابه لتأييد بدعهم كتعطيل الصفات. ونفي المثلية في الآية يثبت كمال الصفات لله لا ينفيها، وخطأ مجتهد السنة معذور بخلاف تمسك أهل البدع بضلالهم.
ضلت الخوارج باتباع المتشابه من الآيات فأكفروا المسلمين بالذنوب مخالفين منهج أهل السنة في التفريق بين الكفر والذنوب. وفي المقابل يوجد اشتباه نسبي معذور في المسائل العملية كعدد ركعات التراويح، حيث يدل حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» على الكيفية لا الكمية.
تجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في قيام الليل، لكن الصواب والأفضل الاقتصار على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة استناداً لحديث «مثنى مثنى». وهذه المسائل الخلافية الفرعية لا تستوجب الإنكار ولا التشنيع لوجود أدلة معتبرة لكل قول.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: ولهذا النوع أمثلة كثيرة في المسائل العلمية الخبرية والمسائل العملية الحكمية، وغالب المسائل التي اختلف الناس فيها أو كلها من هذا النوع. فمن أمثلة ذلك في المسائل العلمية الخبرية: قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، حيث اشتبه على النفاة أهل التعطيل، ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، ظنا منهم أن إثباتها يستلزم مماثلة الله تعالى للمخلوقين، فنفوا عن الله تعالى ما وصف به نفسه أو بعضه، وأعرضوا عن الأدلة السمعية والعقلية الدالة على ثبوت صفات الكمال بالله عز وجل، وغفلوا عن كون الاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة. ثم لو أمعنوا النظر في هذا المنفي: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، لتبين لهم أنه يدل على ثبوت الصفات لا على انتفائها؛ لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى لكن لكماله تعالى لا يماثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته. ولولا ثبوت أصل الصفة لم يكن لنفي المثل فائدة. ذكر هنا رحمه الله تعالى قوله: «ولهذا النوع آي»، المراد به التشابه النسبي الذي يحصل فيه الاشتباه على بعض الناس وعلى طوائف من الناس. هذا النوع أمثلته كثيرة، التشابه الذي يحصل فيه قد يحصل في المسائل العلمية الخبرية، وقد يحصل في المسائل العملية الحكمية، وغالب المسائل التي حصل فيها الاختلاف بين الناس أو في كلها من هذا النوع، من اختلاف التشابه النسبي. لكن هذا الاختلاف: فمنه ما هو اختلاف أفهام، ومنه ما هو اختلاف تنوع، ومنه ما هو اختلاف تضاد. فالاختلاف الحاصل بين أهل السنة والجماعة في هذا التشابه النسبي هو اختلاف إما اختلاف أفهام وإما اختلاف تنوع، وهذا معذور فيه إذا كان الخلاف معتبرا. فليس كل خلاف معتبر، ليس كل خلاف معتبر، فهناك خلاف غير معتبر لعدم ظهور دليله ولبعده عن الحق ووضوح ذلك، نعم، فذلك يرد ولا يعتبر. فالخلاف الذي يحصل بين أهل الحق هو خلاف أفهام أو خلاف تنوع، ومنه ما هو معتبر ومنه ما هو غير معتبر. لكن الخلاف خلاف التضاد، هذا الذي هو بين أهل السنة وأهل البدع، وبين أهل الحق وأهل الباطل، خلاف تضاد، فهذا مذموم وهذا باطل، خلاف تضاد لا يعذر صاحبه. ولا يقال: إنه مجتهد معذور في ذلك، نعم، إذا كان من أهل البدع لسوء قصده ونيته. نعم، فتشابه يحصل، ولذلك يحصل الاختلاف بسبب هذا الذي يشتبه. لكن منه ما هو ما يتعلق بمسائل علمية خبرية تتعلق بالاعتقاد، عليها إجماع أهل السنة وفهم السلف الصالح، فيأتي شخص ويخالف، نعم، فهذا خلافه خلاف تضاد مردود. وهناك خلاف سائغ، نعم، خلاف سائغ قد يكون لأجل اختلاف الأفهام واختلاف التنوع، وهكذا، وهذا هو غالب الاختلاف. نعم، والسائل الاختلاف بين أهل السنة والجماعة في مسائل الفقه، نعم، وفي العبادات، في المعاملات، وفي غير ذلك، فهو إما اختلاف أفهام أو اختلاف تنوع. لكن كما تقدم قد يكون الخلاف معتبرا وقد لا يكون كذلك. أما خلاف التضاد فهذا هو خلاف أهل البدع لأهل السنة، فهو خلاف مردود. ولذلك مثل المؤلف رحمه الله تعالى هنا فيما يتعلق بالاشتباه الذي يحصل، في اشتباه النسبي الذي يحصل في المسائل العلمية الخبرية، في مثل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾. هذه الآية اشتبهت، اشتبهت على أهل التعطيل، نعم، ففهموا من هذه الآية انتفاء الصفات عن الله تعالى، وأن الله جل وعلا غير موصوف بصفات كمال تليق به جل وعلا، وظنوا أن إثبات هذه الصفات يستلزم مماثلة صفات المخلوقين، أن صفات الرب جل وعلا تماثل صفات المخلوقين، فنفوا عن الله تعالى ما وصف به نفسه أو بعضه، يعني كالجهمية والمعتزلة الذين نفوا سائر الصفات، أو كالأشعرية والماتريدية الذين نفوا بعضها، أي بعض الصفات، ولم يثبتوا إلا الصفات السبع، وهم الأشعرية والماتريدية، زادوا صفة ثامنة وهي التكوين. وأعرضوا عن الأدلة السمعية في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الدالة على أن الله جل وعلا متصف بصفات الكمال اللائقة به جل وعلا. فهل هذا الاشتباه الذي حصل عند هؤلاء يُعذرون عليه، ويقال: هذا خلاف وهم مجتهدون؟ نعم، لا، هذا خلاف تضاد، خلاف تضاد. أهل السنة والجماعة في هذا الباب على إثبات الصفات، صفات الكمال لله جل وعلا، ونفي صفات النقص والعيب، نعم، فهذا اعتقاد عند الصحابة، واعتقاد عند التابعين، وعند أهل الحق، فيأتي هؤلاء يخالفون، فيتشتبه عليهم هذه الآية، ويستفيدون منها أن الله جل وعلا لا يتصف بصفات كمال تليق به جل وعلا، وأن إثبات هذه الصفات لله جل وعلا يستلزم مماثلة صفات المخلوقين. فهذا من خلاف التضاد، ومن خلاف أهل البدع، وهو خلاف مردود، لماذا؟ لأن هذا لا دليل عليه، نعم، ولا وجهة له حتى يُعذر أصحابه. إن كانوا جاهلين في أول أمرهم، وأن هذه الآية اشتبهت عليهم، كان عليهم أن يسألوا الراسخين في العلم فيزول ذلك الاشتباه عنهم. نعم، لكن لما كانوا أهل زيغ واعتقاد باطل أصلا في هذا الباب، فإنهم أخذوا هذه الآية، أخذوا هذه الآية دليلا لهم على تأييد زيغ قلوبهم الذي اعتقدوه. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، فأهل التعطيل أهل زيغ، الجهمية والمعتزلة أهل زيغ وضلال، فاتبعوا هذا المتشابه. وهكذا أهل الزيغ والضلال هم الذين يقعدون القواعد، يقعدون القواعد غير المستنبطة من الكتاب والسنة، نعم، فيعتقدون أولا ثم يذهبون يستدلون، ثم يذهبون يستدلون، وهؤلاء أهل الزيغ والضلال، فإذا ذهبوا يستدلون، نعم، إنما يذهبون ليستدلوا بما يوافق أهواءهم وعقيدتهم التي قد اعتقدوها قبل أن يعرفوا دليلها. بخلاف أهل الحق فإنهم يستدلون أولا ثم يعتقدون، وأما أهل الباطل فيعتقدون ثم يستدلون، ولذلك يبحثون في الأدلة لعلهم يجدون شيئا يوافق أهواءهم، ولذلك يجدون هذا المتشابه، يجدون هذا المتشابه في كتاب الله جل وعلا أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويجعلونه دليلا لهم. فأهل التمثيل لما اعتقدوا أصلا أن إثبات الصفات يستلزم المماثلة، ذهبوا يستدلون لهذا، فأخذوا المتشابه هذا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، فعطلوا. نعم، وهكذا أهل التمثيل، وهكذا كذلك للأشعرية، نعم، لأنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يوهم التشبيه، يوهم التشبيه، هذه قاعدة عندهم قعدوها، ولذلك صاروا يسيرون عليها، فإذا جاء النص فهم بين أمرين: إن استطاعوا أن يؤولوا، والحقيقة يحرفوه، لكن سموه تأويلا لأن التحريف مذموم وينفر منه الناس، وإن لم يستطيعوا تأويله فإنهم فوضوه، كما قالوا: وكل نص أوهم التشبيه أولوه أو فوضوه، زعموا تنزيها. فلتقعيدهم هذه القواعد الفاسدة صاروا يستدلون لها، فيجدون المتشابه في كتاب الله جل وعلا فيستدلون به. وهذا هم أهل البدع وأهل الباطل، ما اشتبه عليهم إنما بسبب زيغ قلوبهم وما قدموا العقل لأجله والقواعد التي قعدوها. بخلاف أهل الحق، فإنهم إذا اشتبه عليهم شيء ردوه إلى المحكم وسألوا الراسخين في العلم، ولذلك عرفوا الحق والصواب في ذلك وسلكوه. ومن اجتهد منهم في مسائل كان معذورا، ربما لم تقم عليه الحجة، لم تقم عليه الحجة، ك بعض العلماء من وقع مثلا في تأويل بعض الصفات، وقال بقول بعض الأشاعرة، وقال بقول الأشاعرة، نعم، لأنه لم يتبين له الحق، لم يجد هناك من يبين له الحق، فان هذا خلاف الصواب، ولذلك عذرهم أهل السنة، وجعلوهم من أهل السنة، ما جعلوهم من أهل البدع، وذلك لحسن قصدهم، ولأنهم أئمة أعلام قواعدهم على وفق الكتاب والسنة، لكن زلت بهم القدم، إما في باب الأسماء والصفات، أو في باب الإيمان، أو في غير ذلك، وعذروا لعدم قيام الحجة عليهم، ولأن قصدهم هو ما يوافق الكتاب والسنة. بخلاف أهل البدع الذين هم أصلا على بدع وضلال وزيغ وانحراف، فيستدلون بأدلة من الكتاب والسنة، من المتشابه الذي جعله الله جل وعلا ابتلاء واختبارا وامتحانا. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن هؤلاء غفلوا عن كون الاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة. نعم، فكون الرب جل وعلا يتصف بصفة الحياة والعظمة والعزة، نعم، وسائر الصفات، لا يلزم من ذلك أن اتصاف المخلوقين بهذه الصفات يكون ممثلا، لأن الاشتراك في اللفظ كما تقدم، نعم، في أصل المعنى، في اللفظ، في أصل المعنى الذي هو من الاشتراك الكلي في المعنى، وهو الذهني الذي يكون قبل الإضافة والتخصيص وقبل وجوده في الواقع، فهذا اشتراك في المعنى الكلي الذهني. لكن إذا حصلت الإضافة والتخصيص حصل الاختلاف بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، نعم، وبين صفات المخلوقات فيما بينها. قال رحمه الله: ثم لو أمعنوا النظر في هذا المنفي: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، لتبين لهم أنه يدل على ثبوت الصفات لا على انتفائها، لأن في نفي المثل يدل على ثبوت أصل المعنى. الله جل وعلا ما قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، ليس كمثله شيء، نفى المثلية عنه جل وعلا، نعم، وعن صفاته، هذا يدل على ماذا؟ يدل على ثبوت صفات لله جل وعلا ليس كمثلها شيء. لو لم يكن له جل وعلا صفات حقيقية تليق به جل وعلا، لما كان هناك فائدة من نفي المثل. ما فائدة نفي المثل عن شيء وهو أصلا غير موجود؟ نعم، ما فائدة نفي المثل عن شيء وهو غير موجود؟ لا فائدة هناك. فلما نفى الله جل وعلا المثل عن نفسه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، عن ذاته وعن صفاته، دل هذا أنه جل وعلا متصف بذات تليق به وبصفات تليق به، لكن هذه الذات وهذه الصفات لا يماثلها شيء من الذوات ولا الصفات، لا يماثلها شيء من الذوات ولا الصفات. وإلا إذا لم يكن له جل وعلا ذات ولا صفات تليق به، لكان نفي المثل من باب اللغو الذي تنزه الرب جل وعلا عنه. ولكن هؤلاء لعدم صدقهم في الوصول للحق، ولعدم طلب الحق، فإنهم ضلوا وأضلوا، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: ولولا ثبوت أصل الصفة لم يكن لنفي المثل فائدة، كما سمعتم. قالوا: من أمثلة ذلك في المسائل العلمية، في المسائل العملية الحكمية: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: « صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ». طيب، في باب المسائل الاعتقادية والتشابه النسبي، فيما يتعلق اختلاف تضاد كثير، وانظروا الخوارج والمرجئة، نعم، والجهمية وسائر الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة، اشتبهت عليهم نصوص، اشتبهت عليهم نصوص في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، هي من التشابه النسبي، لكنه تشابه تضاد، من اختلاف التضاد. فالخوارج خرجوا على أهل الإسلام، نعم، خرجوا على أهل الإسلام، واستدلوا: « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ »، وإلى آخر ذلك، وكذلك كفروا المسلمين بالخطايا وبالذنوب، نعم، قالوا: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 81]، فجعلوا كل من فعل خطيئة، كل من فعل خطيئة، فإنه كافر وأنه خالد في نار جهنم. وهذا من الاشتباه الذي يحصل، لكن هل الاشتباه يُعذرون فيه؟ لا، بما أنهم خالفوا منهج أهل السنة والجماعة، نعم، وتركوا المحكم الذي عليه أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهو أن الكافر إنما هو الذي وقع في الكفر، نعم، وأقيمت عليه الحجة فحكم عليه بالكفر، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48]، فما دون الشرك والكفر من الذنوب والخطايا فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه، وإن شاء الله غفر له. وأحاديث كثيرة فيها بيان أن الزاني مؤمن، وأن شارب الخمر مؤمن، وأن القاتل كذلك مؤمن، في نصوص كثيرة، يعني هو قد ارتكب كبائر، كبائر من الذنوب، لكن ليس معنى ذلك أنه وقع في الكفر، ولذلك تشملهم الشفاعة يوم القيامة. لكنهم أخذوا نصوص الوعيد، نصوص الوعيد، والمرجئة أخذوا نصوص الوعد، نعم، فأدخلوا في الإيمان من لا يستحق الإيمان، والخوارج أخرجوا من الإيمان من لا يستحق الخروج، وكل هذا بسبب اتباع المتشابه. وهكذا تأملت في أحوال الفرق التي خرجت، القدرية والمعتزلة، نعم، وسائر الفرق، تجد أنهم اتبعوا المتشابه من كتاب الله جل وعلا، فخرجوا عن منهج أهل الإسلام، ومنهم من كفر، والعياذ بالله، ومنهم من لم يحكم عليه بالكفر لكن حكم عليه بالخروج من دائرة أهل السنة والجماعة. فمثل هذا التشابه وأصحابه لا يعذرون فيه، لأنهم من خلاف التضاد الذي يلزم من وقع فيه أن يرجع ويتوب، وتقوم عليه الحجة، وإلا يحكم عليه بما يستحق، كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة. قالوا: من أمثلة ذلك في المسائل العملية الحكمية: قولوا: « صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي »، حيث اشتبه على بعض الناس، فهموا منه أنه شامل الكمية والكيفية، وبنوا على ذلك أنه لا تجوز زيادة في صلاة الليل على العدد الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم به، فلا يزاد في التراويح في رمضان على 11 أو 13 ركعة. ولكن من تأمل الحديث وجده دالا على الكيفية فقط دون الكمية، إلا أن تكون الكمية في ضمن الكيفية كعدد الصلاة الواحدة. ويدل لذلك ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: « مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا صَلَّى ». وفي رواية أن السائل قال: كيف صلاة الليل؟ ولو كان عدد قيام الليل محصورا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لهذا السائل. ولهذا كان الراجح أن يقتصر في قيام الليل على 11 أو 13، وإن زاد على ذلك فلا بأس. وأمثال ذلك كثيرة تعلم من كتب الفقه المعنية بذكر الخلاف والترجيح بين الأقوال، والله المستعان. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مثالا لما يحصل من الاشتباه النسبي في المسائل الحكمية، العملية الحكمية، وهذا كثير، مسائل اختلاف كثيرة تعلق بالصلاة، أو كذلك في الزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو المعاملات، نعم، تجدون الخلاف بينها، يحكيه العلماء، مثلا: الشافعي قال كذا، والإمام أحمد قال كذا، والإمام مالك قال كذا، وأبو حنيفة قال كذا، كل هذا من الاختلاف النسبي، لماذا؟ لحصول الاشتباه، وهذا معذور فيه، لأن الاختلاف فيه سائغ، الاختلاف فيه سائغ، وهم فيه بين الأجر والأجرين. فذكر مثاله ما يتعلق بصلاة التراويح، بصلاة التراويح، كم صلاة التراويح؟ كم عدد الركعات؟ منها من قال: لا عدد لها، يصلي ما شاء، نعم، ولو إلى وقت طلوع الفجر، من أول الليل لو يصلي إلى قبل طلوع الفجر فأوتر، فلا شيء عليه مهما صلى من الركعات. ومنها من قال: 11 ركعة. فهذه مسألة خلافية بين أهل العلم. فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: اشتبه هذا على بعض الناس، ظنوا أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام: « صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي »، يعني: صلوا 11 ركعة كما أنا أصلي، وهكذا، صلوا على الكيفية التي أنا أصليها. وبين أن المراد إنما هو في الكيفية، في كيفية الصلاة، لا في الكمية. وذكر دليلا على هذا: حديث عبد الله بن عمر، أن النبي عليه السلام لما سئل عن صلاة الليل قال: « مَثْنَى مَثْنَى »، فإذا خشي أو ترى، فإذا خشي الصبح، فقالوا: هذا الحديث يدل على أنه لا عدد لصلاة الليل، وجاز أن يزاد في صلاة التراويح على 11 ركعة. ومنها من قال: 11 أو 13 ركعة. وهذه مسألة خلافية كما سمعتم، والذي يظهر والله أعلم، كما بين المؤلف رحمه الله تعالى، أن الزيادة جائزة، أن الزيادة على 11 ركعة وعلى 13 ركعة جائزة، لكن الأفضل أن يقتصر على ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وخير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام، لأن عائشة قالت: ما زاد النبي عليه الصلاة والسلام على 11 ركعة، وعمر أمر أبي بن كعب أن يقوم بالناس بـ 11 ركعة، وهي الرواية الثابتة الصحيحة كما في موطأ الإمام مالك رحمه الله. لكن لا ينكر على من زاد على 11 ركعة، هذا جائز، هذا جائز، لكن الحق والصواب في هذه المسألة أن يكتفي الإنسان على 11 ركعة، وحديث « مَثْنَى مَثْنَى » يقيد بـ 11 ركعة أو بـ 13 ركعة كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والخلاصة أن هذه المسائل الخلافية من العلم فهي لا تستلزم الإنكار والتشنيع، وإنما هذه المسائل الخلاف لها وجهتها ولها دلالتها. وبهذا ينتهي هذا الفصل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.