الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 80، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
ينتقد مذهب الأشاعرة والماتريدية في نظرتهم للأسباب والمسببات، ويبين تناقض قولهم بوجود قدرة للعبد بدون تأثير حقيقي. يُقارن بينهم وبين الجهمية الجبرية الغلاة في عدم إثباتهم قدرة حقيقية للعبد.
يناقش مفهوم الكسب عند الأشاعرة ويبين بطلانه، حيث يعتبرون العبد مجبورا في الباطن ومختارا في الظاهر. يُظهر أن هذا المفهوم يؤدي إلى نسبة الظلم إلى الله تعالى ويتناقض مع العقل والنصوص الشرعية.
يُبيّن أن الغلو في إثبات الأسباب يؤدي إلى الشرك، حيث يعتقد الغلاة أن الأسباب مؤثرة بذاتها. يُشير إلى أن الحق هو الوسط بين التفريط والغلو في الأسباب، ويخالف اعتقاد الغلاة الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
يتضمن المقطع صيغة للصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر فيه الدعاء بالنعم والبركة والتسليم على النبي.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بأحوال الناس في الأسباب، وأن الناس في الأسباب طرفان ووسط. وذكر الطرف الأول، وهم المفرطون الذين فرطوا فلم يجعلوا للأسباب تأثيرا في حصول المسبب، وأن الأسباب لا أثر لها في حصول المسبب. وهؤلاء هم الأشاعرة والماتريدية الذين هم جبرية في حقيقة أمرهم، لأنهم لم يثبتوا للعبد قدرة حقيقية، وإنما أثبتوا قدرة لا تأثير لها ولا أثر لها. قالوا: العبد يفعل وعنده قدرة على الفعل، ولكن هذه القدرة وهذا الفعل لا أثر له. فما فائدة إثبات قدرة لا أثر لها؟ هذا وجودها كعدمها. قدرة لا أثر لها، وجودها كعدمها. ما الفائدة أن تكون عندك قدرة وهذه القدرة لا أثر لها؟ عندك قدرة على الفعل أن تفعل، وهذا الفعل لا أثر له في حصول ما أردت. فهذا عبث أن توجد قدرة لا أثر لها، عبث؛ لأنها تكون معطلة، قدرة معطلة لا تستطيع أن تفعل بها ما شئت، ولا يترتب على فعلك بهذه القدرة خير أو شر. فإذا هذه القدرة شكلية. فحقيقة قول الأشاعرة والماتريدية مثل قول الجبرية الغلاة الجهمية؛ لأن الجهمية لم يثبتوا قدرة للعبد، فقالوا: العبد لا قدرة له، لا قدرة له، وإنما هو مجبور، مجبور على فعله، لا قدرة عنده أن يفعل أي شيء، وإنما هو مجبور على فعله. الأشاعرة قالوا: عنده قدرة، خالفوا الجهمية. طيب، ما هي هذه القدرة التي عند العبد؟ قالوا: عنده قدرة لا تأثير لها. طيب، أثبتتم قدرة لا تأثير لها، إذن ما فائدة القدرة؟ فصار قول الأشاعرة والماتريدية هو قول الجهمية الجبرية الغلاة؛ لأنهم إن أثبتوا قدرة للعبد أثبتوها قدرة جوفاء، قدرة لا حقيقة لها في الواقع، قدرة معطلة، قدرة وجودها كعدمها. إذا فعلت، بماذا فعلت؟ هل بقدرتك وبفعلك فعلت الصلاة، فعلت الصيام، بقدرتك فعلت الطاعة، بقدرتك فعلت المعصية، أم بماذا؟ هل فعل الطاعة والمعصية بقدرة العبد ترتبت على فعل العبد وعلى القدرة التي فعل بها؟ يقولون: لا، قدرة العبد وفعل العبد لا أثر له. سبحان الله، وكيف حصلت الطاعة والمعصية؟ يقولون: عند المباشرة، كما تقدم. وعند التقارن، كالسكين التي تقطع عند المباشرة. فجعل العبد كالسكين حين تقطع بها الخبز، فإذا قطعت السكين الخبز، وكتبت بالقلم، قالوا: كتب القلم، وقالوا: قطعت السكين. والحقيقة أن السكين إنما قطعت عند المباشرة؛ لأنها مجبورة على ذلك القطع باطنا، فلا أثر لما قامت به من القطع لعدم وجود أثر لها، وإنما قطعت لما أجبرت على القطع بيد القاطع الذي قطع بها. والخلم كذلك. فكأنهم يقولون: العبد الآن حين يفعل الصلاة، ويفعل الصيام، ويفعل الطاعة، ويفعل المعصية، هو الذي يفعل، يصلي ويصوم ويتحرك ويركع ويسجد، هذا في الظاهر. لكن في الحقيقة أن هذا الفعل ليس فعله، نعم، وإنما هو فعل الله جل وعلا، فهو مجبور، أجبر على هذا الفعل باطنا. ولذلك إذا قيل لهم: كيف نسبتم ذلك إليه؟ قالوا: لأنه هو الذي اكتسب، كما قلنا: قطعة السكين، نقول: العبد صلى، وكما نقول: كتب القلم، نقول: العبد عصى. والحقيقة أن القلم ما كتب إلا لأنه أجبر على ذلك الكتاب، وهكذا السكين ما قطعت إلا لأنه أجبرت على القطع. فإذا ليس القطع من فعل السكين حقا، ولا من فعل القلم حقا، وإنما السكين والقلم أجبرا، السكين أجبرت على القطع، والقلم أجبر على الكتابة. وهكذا عندهم العبد أجبر على الطاعة أو المعصية، لكن في الباطن، وليس في الظاهر. وهذا لا يمكن، هذا محال أن يكون مختارا في الظاهر، مجبرا في الباطن. ما يمكن، إما مختار، وإما مجبر. أما أن يكون مختارا مجبرا، ما يمكن. هل يمكن أن يكون العبد مختارا مجبرا؟ إما أن يكون مختارا، وإما أن يكون مجبرا. فالجهمية الجبرية الغلاة خرجوا وقالوا: مجبرا مباشرة، قالوا: مجبور، نعم. والقدرية قالوا: مختار، مستقل باختياره. والأشاعرة يتوسطوا، قالوا: مجبور مختار، مجبور مختار، مختار في الظاهر، ومجبور في الباطن. وهذا لا وجود له في الواقع، لا وجود له في الواقع. وكل هذا باطل. ولذلك، كما ذكر المؤلف هنا، مثلا بالزجاج، إذا رمي الزجاج بالحجر كسر الزجاج. طيب، إن كسر الزجاج الآن، إن كسر الزجاج، يقولون الأشاعرة: إن كسر الزجاج عند الإصابة، عند الإصابة، وعند الالتقاء. لما التقى الحجر بالزجاج اكتسب ذلك. ما يقولون: إن كسر الزجاج بسبب رمي الحجر عليه. ما يقولون: فلان مات بسبب رمي الرصاص عليه. وإن مات فلان، وإن مات فلان، عند تقاء الرصاص، وعند مباشرة الرصاص لجسده، نعم، ليس برمي الرامي، ليس برمي هذا الرصاص، ولا برمي ذلك الحجر، وإنما عند الالتقاء. وهكذا العبد إذا صلى، اكتسب الصلاة، واكتسب هذا الأمر من صلاة وصيام وطاعة ومعصية عند المباشرة. وهذا كلام، كما سمعتم، غير معقول، ولا وجود له في الواقع، وإنما هو وجود في الذهن. يمكن في الذهن يعني يفرض هذا ويقول: صح، ممكن. لكن هذا في الذهن، ليس في الواقع. في الواقع غير موجود. الذهن الآن يمكن أن يفرض، لا، لا أن يفرض أن مثلا التقاء الماء والنار الآن، تخيل بدهنك ماء مع نار مخلوط، ماء ونار مخلوط مع بعض، ممكن، ولا غير ممكن؟ ممكن في الذهن. ممكن تخيل نار وماء مخلوط مع بعض، ممكن. ليش؟ ماء، وممكن، مدام في الذهن، ممكن يكون ماء مخلوط مع النار. هكذا ما شاء الله، ماء ونار اختلطا، الماء بالنار في الذهن، ممكن. لكن هذا في الواقع، ممكن؟ هذا أن يوجد نار مع ماء مخلوط في الواقع، موجود؟ رأينا ماء ونار قد اختلطا؟ لا يمكن في الواقع. في الذهن أي شيء، السماء هذه والأرض، ممكن أن تقول: السماء تتخيلها مع الأرض هكذا، السماء فوق الأرض مع بعض هكذا، السماء فوق الأرض، ممكن. هذا في الذهن، ممكن في الذهن. في الذهن ممكن أي شيء. لكن هل في الواقع هذا ممكن؟ تكون السماء مطبوقة على الأرض، هذا غير موجود. ممكن البحر هذا أن يكون منفصل عن الأرض، بينه وبين الأرض هو بحر، وبينه ثم أرض، وبين البحر والأرض هو، ممكن تنظر بين البحر والأرض، هو، نعم. ممكن. الشاهد من هذا الكلام أنه في الذهن يمكن الإنسان أن يتوقع شيئا. هؤلاء الأشاعرة، نعم، يعني ظنوا أن هذا ممكن أن يكون العبد مثلا عنده قدرة واختيار، نعم، في الظاهر، وفي الحقيقة أنه غير مختار في الباطن، ممكن. هذا نقول: هذا ممكن في الذهن، كما قلنا لكم، هذا مثل أن يكون البحر فوق الأرض وبينهما هوى. وهكذا قولكم، نقول: ممكن. لكن مثل هذا في الذهن غير ممنوع، أي شيء ممكن. لكن في الواقع، لا، ما في شيء في الواقع. نعم، أن عبدا موجودا صار عنده اختيار في الظاهر، وجبر في الباطن، هذا ما يمكن، هذا مستحيل. وكما تقدم معنا أن كسب الأشعري من المحالات التي لا حقيقة لها، تدنو لذي الأفهام، تدنو لذي الأفهام. وهي الكسب عند الأشعري، والحال عند البهشمي، وطفرة النظامي. فذكر مؤلفنا رحمه الله تعالى هذا الطرف الأول، وهم المفرطون الذين أنكروا تأثير الأسباب، وأنها لا أثر لها في حصول المسببات. وهكذا لأنهم يقولون: العبد مجبور في الباطن، مختار في الظاهر. فإذا فعل الصلاة، نسبت إليه كسبا، لا بسبب فعله، لا بسبب فعله وقدرته، كانت أثرا لصلاته، ولا لصيامه، ولا لطاعته، ولا لمعصيته. وإنما نسبت إليه كما سمعتم، كما نسبت الفعل للسكين، ونسب الفعل للقلم. والحقيقة أن الفعل ليس فعل القلم، والقطع ليس فعل السكين، وإنما فعل الذي أجبرها. وعندهم العبد أن الله أجبره، الله أجبره على فعل الصلاة، وعلى فعل الطاعة، وعلى فعل المعصية، وهو فعلها، وقام، فلما باشر، اكتسب ذلك، ونسبت إليه، كما باشرت السكين القطع، وكما باشر القلم الكتابة. وهكذا العبد، لما باشر الصلاة، وباشر الصيام، نسبت إليه هذه الأفعال، وأنه الذي صلى، وأنه الذي صام. وكما تقدم، قلنا لهم: إذا كان يفعل مجبورا في الباطن، فكيف يثاب، وكيف يعاقب على فعل قد جبر عليه؟ يقولون: أثيب، وعوقب؛ لأنه باشر، لأنه ماذا؟ باشر. مدام هو المباشر لهذا الفعل الذي أجبر عليه، فيثاب ويعاقب. كيف يثاب ويعاقب وقد أجبر؟ قالوا: خلص، هكذا. ما يمكن أن يثاب ويعاقب على شيء قد جبر عليه، نعم. هل أنت الآن إذا أتيت بشخص، نعم، ودفعته فوق شخص آخر، هذا شخص قائد، ما يدري عنك، ولا شيء، شخص أمامه، فأنت جيت من الخلف، ودفعت هذا الشخص بقوة فوق الشخص الثاني، صدم به، سبحان الله، إيش دم بهذا؟ هل هذا يعاقب؟ المسكين، هل هذا يعاقب؟ يقول: أنت تعال، قتلت الرجل، لا، قتلت الرجل، قتلت الرجل. كيف قتلت الرجل؟ يا جماعة، أنا ما اعتديت عليه، ولا تحركت، هذا الرجل دفعني، دفعه، دفعه من غير ما أشعر، فاصطدمت بهذا الرجل، فمات، إيش دم بي؟ أنا، شاء، يقول: دمه؛ لأنه ماذا؟ باشر. مدام حصلت بمباشرته، وهو الذي صدم بالشخص، فكأنه. كذلك إذا فعل المعصية، نعم، يعاقب؛ مدام باشر المعصية، ولو كان مجبرا. وهذا فيه نسبة الظلم إلى الله جل وعلا، الذي تنزه عنه، لا يعاقب الله جل وعلا شخصا فعل معصية مجبرا عليها، حاشا وكلا، نعم. بل ربنا سبحانه وتعالى، الإنسان المكره، رفع عنه الإثم، الإنسان المكره والمجبور، رفع عنه الإثم، كما قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فقال: «قد فعلت»، وقال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فإذا أكره على شيء، لا يؤثم، نعم. إذا قبض ثلاثة نفر على الشخص هذا، برجليه، هذا بيديه، وجاءوا بقارورة الخمر، وسكبوا، سكبوا الخمر على فمه، وجعله يشرب قهرا، يؤثم؟ ما يؤثم؛ لأنه مجبور، نعم، ما شرب باختياره، وبإرادته. وعلى هذا عند الأشاعرة، هؤلاء يعني شرب الخمر، نعم، إذن ماذا يعاقب؟ كيف يعاقب؟ يعاقب؛ مدام الخمر قد دخل بطنه، ومدام قد باشر شرب الخمر، فيكتسب ذلك، ويعاقب على ذلك. وهذا باطل، هذا باطل. والإنسان يميز بين الحركات اللاإرادية والحركات الإرادية. حركات اللاإرادية، هذه يفعلها من غير إرادة، من غير إرادة يفعلها، بغير اختياره. أحيانا يدك هكذا تتحرك، تتحرك، ما هو أن تتحركها الآن، إذا أردت أن أحرك يدي، حركتها، هذا بإرادتي واختياري، ولذن أحرك يدي، حركتها. لكن أحيانا تتحرك يدك من غير إرادة منك، من نفسها، تتوقفها؟ ما تستطيع، ترتعش، هذا هو، نعم، بغير إرادتك واختيارك. فهم عندهم العبد كالمرتعش اللاإرادي، نعم، يفعل أفعال هكذا من غير إرادة واختيار منه في الباطن. طيب، شيء يدفعه، ويعنون به فعل الله سبحانه وتعالى الذي جبر عليه في الباطن. وهذا ضلال، ويراجع في هذا بزيادة الإيضاح والبيان: «شفاء العليل» لابن القيم، تراجع كذلك «التألية القدرية» لشيخ الإسلام ابن تيمية، مع شرحها للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله؛ فقد بين في هذا الباب بيانا عظيما، ورد قول هؤلاء وغير هؤلاء. منها: العلم من ألف في ردي هذا الباطل الذي عليه الأشاعرة في ما يسمى بالكسب، وأن العبد إنما يكتسب الفعل عند المباشرة، ولا فعل، ولا تأثير لفعله، ولا تأثير لقدرته. كل هذا باطل، ترده النصوص من كتاب الله، وسنة رسوله، ويرده العقل، ويرده الواقع. كل هذا يرد، الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، والواقع، يرد هذا، ويبطله. قال رحمه الله تعالى: «والطرف الثاني: غلاة أثبتوا تأثير الأسباب، لكنهم غلوا في ذلك، وجعلوها مؤثرة بذاتها». وهؤلاء يوقعوا في الشرك، حيث أثبتوا موجدا مع الله تعالى. وخالفوا السمع والحس؛ فقد دل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالشاهد المحسوس أن الأسباب قد تتخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما في تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين ألقي فيها، فقال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، فكانت بردا وسلاما عليه، ولم يحترق بها. هذا الطرف الثاني من الناس في الأسباب، وهم الغلاة. الناس في الأسباب، كما سمعتم: مفرطون، وغلاة. المفرطون: الأشاعرة والماتريدية، وهم الجبرية غير الغلاة. وغلاة في الأسباب هم القدرية المعتزلة. القدرية المعتزلة، هؤلاء غلاة، ماذا قالوا؟ جعلوا الأسباب، وجعلوا قدرة العبد من خلقه، يعني العبد هو الذي خلق قدرته، نعم، التي فعل بها، وفعله مخلوق له، أي للعبد. فإذا فعل العبد فعلا، يجعلون هذا الفعل من خلق العبد، أي العبد هو الذي خلق هذا الفعل، وهذا السبب الذي فعل به الطاعة أو المعصية، هو الذي خلق فعل نفسه من طاعة أو معصية. فجعله خالقا لأفعاله. وهذا غلو في إثبات القدرة، غلو في إثبات القدرة، وغلو في الأسباب. كما فرط الأشاعرة والماتريدية، وعطلوا أثر الأسباب، غلا القدرية المعتزلة في الأسباب، وجعلوها مؤثرة بذاتها. هناك يقولون: لا تأثير للأسباب. وهنا يقولون: مؤثرة بذاتها. والصواب لا قول الأشاعرة الذي نفى تأثير الأسباب، ولا قول القدرية المعتزلة الذين جعلوا الأسباب مؤثرة بذاتها. وإنما الحق هو الوسط، كما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى. فأولا، القدرية المعتزلة جعلوا مع الله جل وعلا موجدا، أوجد الأسباب. والله جل وعلا هو الخالق وحده للأسباب. فمن الذي خلق الأسباب الكونية؟ الله جل وعلا. ومن الذي خلق الأسباب الشرعية؟ الله جل وعلا. ومن الذي خلق العباد؟ الله جل وعلا. ومن الذي خلق أفعال العباد؟ الله جل وعلا. فالعبد وأفعاله مخلوقة لله جل وعلا. وهذا لا ينافي أنه عنده إرادة واختيار يفعل بها. لا ينافي أن عنده إرادة واختيار يفعل بهما، وفعله من خلق الله جل وعلا. هذا معتقد أهل السنة والجماعة: العباد وأفعالهم مخلوق لله جل وعلا. وأفعال العباد التي يفعلونها باختيارهم، باختيارهم. فالله جل وعلا خالق العباد، وخالق أفعالهم، وخالق الأسباب. والعباد إذا فعلوا، وإذا أخذوا بالأسباب، سواء كانت أسبابا لحصول خير، أو أسباب لحصول شر، فقد فعلوها باختيارهم، غير مجبرين عليها، غير مجبرين عليها. بل فعلوها بإراداتهم واختياراتهم، بإرادتهم واختيارهم. وهذه الإرادة والاختيار التي فعلوا بها هذه الأسباب من خلق الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا خالق كل شيء. فلا يخرج شيء عن خلق الله جل وعلا، لا العباد، ولا أفعالهم. وهذا لا ينافي وجود الإرادة والاختيار التي جعلها الله جل وعلا في عباده. وهناك الفضل منه جل وعلا: الإعانة والتوفيق. قال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. وهذا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم، في آية سورة الحجرات: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. فزين الإيمان في قلوب أهل الإيمان، ففعلوه باختيارهم. وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فتركوه باختيارهم. وأما الذين خذلهم الله لتجردهم، ولعلمه سبحانه وتعالى بكبرهم، والركون إلى أنفسهم، وكلهم إلى أنفسهم، فاختاروا الخير أو اختاروا الشر بإرادتهم واختيارهم. وما ظلمهم الله سبحانه وتعالى. والإعانة فضل محض منه جل وعلا، محض فضل منه جل وعلا لعباده. وذكر هنا رحمه الله تعالى أن هؤلاء جعلوا مع الله جل وعلا موجدا؛ مدام جعلوا أن العبد يخلق فعل نفسه، فقد جعلوا العبد خالقا مع الله جل وعلا. وهذا يعارض النصوص الكثيرة في كتاب الله، وسنة رسوله، التي فيها بيان أن الخلق لله جل وعلا وحده، لا شريك له. فلا يخلق مع الله جل وعلا أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، نعم. والعباد من باب أولى أنهم لا يخلقون مع الله جل وعلا شيئا. ولم يخلقوا الأسباب التي فعلوا بها، ولا القدرة التي فعلوا بها. وإنما لهم قدرة واختيار خلقها الله جل وعلا فيهم، فعلوا بها ما يختارون من خير أو شر. وذكر رحمه الله تعالى المثال الذي فيه تعطيل السبب الكوني، وهو أن النار سبب للاحتراق. لكن هل هذا السبب عند المعتزلة أن السبب موجد للمسبب، موجد للمسبب حتما، لا تعلق له بمشيئة الله؟ لا تعلق للسبب بمشيئة الله عند القدرية المعتزلة. فبين رحمه الله تعالى مثالا يبين ضلالهم. نقول: النار أليست سببا للاحتراق؟ يقولون: نعم. طيب، هل سبب مستقلا خارجا عن مشيئة الله؟ يقولون: نعم، لا تعلق لمشيئة الله في هذا. معنى أن الاحتراق لابد سيحصل، لابد سيحصل. النار سبب الاحتراق، ولابد. طيب، كيف عطل الله النار عن الاحتراق، عن احتراق إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؟ هذا نستفيد منه ماذا؟ أن السبب إنما هو لا يخرج، لا يستقل بنفسه، وإنما تابع لمشيئة الله جل وعلا الكونية القدرية. فإذا أراد جل وعلا وقوع المسبب بأثر هذا السبب، حصل ذلك. وإلا عطل السبب والمسبب؛ بأن الجميع من خلق الله جل وعلا. وسيأتي ذكر الطرف الوسط، وهم أهل السنة والجماعة، في باب الأسباب، في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. صلى الله عليه وسلم، مبارك، عمين، محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.