التعليق على تقريب التدمرية 27

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 27، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الأصل الأول: إلزام المثبت للنفي والعكس في الصفات

يقرر ابن عثيمين أن من أثبت صفة لله ألزم بإثبات سائر الصفات، ومن نفى صفة ألزم بنفي ما أثبته تجنباً للتناقض. ويضرب مثالاً بالأشاعرة الذين يثبتون الإرادة وينفون الغضب فيلزمهم إما إثبات الغضب أو نفي الإرادة.

الرد على منهج الأشاعرة في إثبات الصفات بالعقل

يناقش المقطع تناقض الأشاعرة في إثبات الإرادة بالعقل ونفي صفات كالرحمة والحكمة مع دلالة العقل عليها. ويؤكد أن صفات الله تثبت بالوحي لا بالعقل فقط، ونفيها لعدم الدليل العقلي لا يسقط ثبوتها بالسمع.

الأصل الثاني: القول في الصفات كالقول في الذات

يشرح الشيخ أن القول في صفات الله كالقول في ذاته؛ فمن أثبت ذاتاً لا تشبه المخلوقات لزمه إثبات صفات لا تشبه صفات المخلوقات. ويضرب مثلاً بالاستواء: كما نجهل كيفية الذات نجهل كيفية الاستواء والإيمان به واجب.

الختام بالصلاة على النبي والشكر للحضور

يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. ثم يوجه الشكر للحضور بشكل متكرر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "تقريب التدمرية": قال رحمه الله: "فصل: فأما الأصلان فأحدهما أن يقال لمن يثبت بعض الصفات دون بعض: القول في بعض الصفات كالقول في بعض". أي أن من أثبت شيئا مما أثبته الله لنفسه من الصفات ألزم بإثبات الباقي، ومن نفى شيئا منه ألزم بنفي ما أثبته، وإلا كان متناقضا. مثال ذلك: إذا كان المخاطب يثبت لله تعالى حقيقة الإرادة وينفي حقيقة الغضب، ويفسره إما بإرادة الانتقام وإما بالانتقام نفسه، فيقال له: لا فرق بين ما أثبته من حقيقة الإرادة وما نفيته من حقيقة الغضب. فإن كان إثبات حقيقة الغضب يستلزم التمثيل، فإثبات حقيقة الإرادة يستلزمه أيضا. وإن كان إثبات حقيقة الإرادة لا يستلزمه، فإثبات الغضب لا يستلزمه أيضا، لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر. وعلى هذا يلزمك إثبات الجميع أو نفي الجميع. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع من كتابه أصلين: الأصل الأول أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، والأصل الثاني أن القول في الصفات كالقول في الذات، وأن القول في الذات كذلك كالقول في الصفات، ومن فرق بينهما فقد تناقض. فلابد في حق من أثبت شيئا أن يثبت ما نفى. فذكر رحمه الله تعالى الأصل الأول، وهو أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، وذكر رحمه الله تعالى أن من أثبت شيئا ألزم بإثبات الباقي، ومن نفى شيئا ألزم بنفي الذي أثبته، وإلا وقع في التناقض. وذكر مثالا فيمن يثبت صفة الإرادة لله جل وعلا، وهم الأشاعرة والماتريدية. فهؤلاء يثبتون صفة الإرادة وينفون صفة الغضب، ويفسرون صفة الغضب إما بإرادة الانتقام؛ لأنهم يثبتون الإرادة لله جل وعلا، فلا يقولون: لله جل وعلا صفة غضب تليق بجلاله جل وعلا، وإنما يفسرون الغضب بإرادة الانتقام، أي إرادة الرب جل وعلا الانتقام، أو يفسرونها بالمفعول المنفصل عن الله جل وعلا، وهو الانتقام حين يحصل العذاب وحين يحصل البلاء على هؤلاء المخالفين. نعم، فانتقم الله جل وعلا منهم، هذا الانتقام الحاصل هو الذي يفسرون صفة الغضب به. يقولون: الغضب هو الانتقام، الانتقام حين ينتقم الرب جل وعلا من هؤلاء الماكرين والمذنبين والمجرمين، هذا هو الغضب، هو ذلك الانتقام الحاصل، يعني المفعول الذي حصل من بلاء وهلاك ودمار. نعم، هذا الانتقام هو الغضب، أو بإرادة الانتقام. يفسرون صفة الغضب بإرادة الانتقام، فيقولون: إرادة الانتقام من رب جل وعلا غضبه، أي إرادة الانتقام منه لهؤلاء، إرادة الانتقام منه لهؤلاء أي المجرمين المعتدين، إلى غير ذلك. فإما يفسرون الغضب بالإرادة، إرادة الانتقام، وإما بالمفعول المنفصل وهو الانتقام الذي حل بهؤلاء من الدمار والخراب والهلاك وغير ذلك. لماذا لم يثبت صفة الغضب وأثبت صفة الإرادة؟ لأنهم يقولون: إن إثبات صفة الغضب يستلزم التمثيل، يستلزم التمثيل لصفات المخلوقين. فماذا يقال لهم؟ يقال له: لا فرق بين ما أثبته من حقيقة الإرادة وما نفيته من حقيقة الغضب. فإن كان إثبات حقيقة الغضب يستلزم التمثيل، فإثبات حقيقة الإرادة يستلزمه أيضا. فأنت لما لم تثبت صفة الغضب بزعم أن صفة الغضب تستلزم التمثيل، وبالمقابل أثبت صفة الإرادة، يقال لك: كذلك صفة الإرادة تستلزم التمثيل. لماذا أثبتت الإرادة ولم تثبت الغضب؟ الأمر سواء، القول في إثبات الإرادة هو القول في إثبات الغضب، لا فرق. كما أثبت إرادة لا تستلزم التمثيل لله جل وعلا، فاثبت الغضب لله جل وعلا وهو كذلك لا يستلزم التمثيل، لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر. وعلى هذا يلزمك إثبات الجميع أو نفي الجميع. فإما أن تثبت الغضب وبقية الصفات الأخرى وأنها لا تستلزم التمثيل، وإما تنفي: إذا نفيت صفة الغضب وغيرها من الصفات لأنها تستلزم التمثيل، لنقول لك: إن في إذن الإرادة... إن في إذن أن في إذن صفة الإرادة لأنها كذلك تستلزم التمثيل، لأنها كذلك تستلزم التمثيل. وهذا لازم واضح في حق من أثبت شيئا من الصفات ونفى أخرى فرارا من التمثيل. فعلى قوله كذلك يقال له: إنما أثبت يستلزم التمثيل أيضا. لماذا أثبت ونفيت ذلك؟ فهذا إن كان يستلزم التمثيل الذي نفيته، هكذا كذلك الذي أثبت يستلزم التمثيل. قال: فإن قال: الإرادة التي أثبتها لا تستلزم التمثيل، بأنني أعني بها إرادة تليق بالله عز وجل لا تماثل إرادة المخلوق. قيل له: فأثبت لله غضبا يليق به ولا يماثل غضب المخلوق. هذا واضح. قال: أثبت الإرادة لأنها على ما يليق بالله، أعني بها إرادة تليق بالله. ونقول: كذلك أنت حين تثبت الغضب، ما نريدك أن تثبت الغضب لله جل وعلا كغضب المخلوق، لا نريد منك أن تثبت غضبا يليق بالله عز وجل، ونريد منك كذلك أن تثبت الصفات الأخرى التي نفيتها على ما يليق بالله جل وعلا، كما أثبت صفة الإرادة. قال: فإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا لا يليق بالله تعالى. قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى. ردّ إثبات الغضب بزعم أن الغضب غليان دم القلب، فسر الغضب بأنه غليان دم القلب. هذا تفسير غير صحيح. الغضب شيء وغليان دم القلب شيء آخر. نعم، إنما الغضب ينتج عن هذا: إذا غلا دم قلب الإنسان غضب، نعم، طلع عنده الضغط كما يقال، طلع عنده الضغط صار يغضب، يقول: طلعت لي الضغط. فغليان دم القلب إذا غلا دم القلب، نعم، حصل الغضب. فليس هو الغضب، ليس هو غليان دم القلب. الغضب شيء وغليان دم القلب شيء آخر، هذا ينتج بسبب هذا، أحدهم ينتج بسبب الآخر، وليس الغضب وغليان دم القلب سواء. لكن من باب التنزل، من باب التنزل معه على تفسيره بأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام. نعم، قالوا: هذا لا يليق بالله تعالى. طيب، قيل: أولا الإرادة ميل النفس لجلب منفعة ودفع مضرة، وهذا لا يليق بالله تعالى. ما هي الإرادة؟ إذا أراد أحد شيئا، إذا أراد أحد شيئا مال إلى ذلك الذي أراده، مالت نفسه إلى ذلك الشيء الذي أراده. فإذا أراد خيرا، بمعنى أن نفسه مالت إلى ذلك الخير ليحصل، أو الشر أو غير ذلك. نعم، فيقال له: الإرادة ميل النفس لجلب منفعة ودفع مضرة، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى. كيف أنت أثبتت الإرادة، نفيت الغضب، وقلت هو جريان أو غليان دم القلب، وأثبتت الإرادة، والإرادة هي ميل النفس، ميل النفس إلى ما يلائمها من جلب منفعة ودفع مضرة عنها، أو حصول خير أو غير ذلك؟ لماذا أثبتت الإرادة وتفسيرها كذلك لا يليق بالله جل وعلا؟ تفسير الإرادة: ميل النفس إلى ما تهوى وإلى حصول ما ينفعها وغير ذلك، هذا لا يليق بالله تعالى. لماذا أثبت الإرادة ونفيت الغضب؟ قال: فإن قال: هذه إرادة المخلوق. حين يقال له ذلك: الإرادة ميل النفس نعم إلى جلب منفعة ودفع مضرة، قال: لا، هذه إرادة المخلوق. إرادة المخلوق أن تميل نفس المخلوق إلى ما يلائمها، إلى جلب منفعة أو دفع مضرة عنها، أو حصول خير. هذا تفسير لإرادة المخلوق. فسرت الإرادة أنت الآن بإرادة المخلوق، وهي ميل نفس المخلوق إلى ما يريد. نعم، فماذا يقال له؟ يقال له: والغضب بالمعنى الذي قلت، غضب المخلوق. أنت لما قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، هذا التفسير للغضب بغضب المخلوق، تفسير لغضب المخلوق. المخلوق هو الذي إذا غضب غلى دمه وأراد أن ينتقم من خصمه، أراد أن ينتقم من خصمه إما بالضرب أو بالقتل أو بالاعتداء أو غير ذلك. هذا تفسير لغضب المخلوق. نعم، فهو قال: أنتم الإرادة التي فسرتموها هي تفسير لإرادة المخلوق. قلنا له: والغضب الذي فسرته هو تفسير لغضب المخلوق، لغضب المخلوق. وأما غضب الله فيليق به. وهكذا القول في جميع الصفات التي نفاها، يقال له فيها ما يقول هو فيما أثبته. فإن قال: أثبت ما أثبته من الصفات بدلالة العقل عليه. إذن هذا الذي تقدم واضح. هذا الذي تقدم واضح. فالإرادة تفسر بما يليق بالله جل وعلا، والغضب يفسر بما يليق بالله جل وعلا، وبقية الصفات. فمن رد شيئا، يفسر هذه الصفة بتفسير، فأعلم أنه تفسير لصفة مخلوق. فيلزم بأن ذلك الذي... فيلزم بما أثبت من صفات بتفسيرها أيضا بتفسير لا شك أنه لا يليق بالله جل وعلا. فسيقول: هذا التفسير لصفة مخلوق. فيقال له: أنت كذلك حين فسرت هذه الصفة إنما فسرتها بمخلوق، تفسير لصفة مخلوق، وليست تفسيرا لصفة الخالق جل وعلا، لأن صفات الخالق جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى. قال: فإن قال: أثبت ما أثبت من الصفات بدلالة العقل عليه. أجبنا عنه بثلاثة أجوبة سبق ذكرها، آخر الرد على الطائفة الأولى. يعني هذه الأجوبة الثلاثة التي تقدم ذكرها. الوجه الأول والجواب الأول: أنه لا يصح الاعتماد على العقل، لا يصح الاعتماد على العقل في إثبات الصفات وفي هذا الباب، لأن هذا الباب توقيف، يتوقف في إثباته على الكتاب والسنة، لا مجال للعقل في إثبات شيء في هذا الباب. والجواب الثاني: أن يقال لهم: هذه الصفات التي زعمتم أنكم أثبتتموها بالدليل العقلي، كذلك يمكن إثبات تلك الصفات التي نفيتموها بالدليل العقلي. حين أثبتتم الصفات السبع نعم بالدليل العقلي، كذلك بالدليل العقلي يمكن أن نثبت الصفات أنتم نفيتموها. وقد تقدم المثال بصفة الإرادة. فالأشاعرة يثبتون صفة الإرادة لله جل وعلا بالدليل العقلي، كيف؟ قالوا: الله جل وعلا خص بعض المخلوقات بأشياء دون البعض الآخر، خص الإنسان بصفات، خص الحيوان بصفات، هذا التخصيص بين المخلوقات يدل على إرادة، وأن الله جل وعلا أراد ذلك وأراد هذا التباين بين المخلوقات والاختلاف في خصائصها. قلنا لهم: ما يفيد الله جل وعلا على العباد من النعم والإحسان والإكرام يدل على رحمة الله جل وعلا بالعباد، يدل على رحمة الله جل وعلا بالعباد. أرسل إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، وأدر لهم الأرزاق، وأنزل عليهم الأمطار، إلى آخر ذلك من النعم، هذا يدل على ماذا؟ يدل على رحمة الله جل وعلا بعباده. فالآن أثبتنا بالدليل العقلي صفة الرحمة لله جل وعلا. لماذا أنتم لم تثبتوا صفة الرحمة؟ أثبتتم صفة الإرادة بالدليل العقلي ونفيتم صفة الرحمة، مع إمكان إثبات صفة الرحمة بالدليل العقلي. لماذا لم تثبتوا صفة الرحمة لله جل وعلا وهي ممكن أن تثبت بالدليل العقلي؟ هذا من الأجوبة. وهذه مثل الحكمة: حين ننظر إلى ملكوت الله جل وعلا، فنرى هذا النسق العظيم الذي عليه هذا الكون، نعم، كل يجري في موضع، وكل شيء قد وضع في موضعه، يدل على ماذا؟ يدل على إحكام، يدل على إحكام، ويدل على حكمة، حكمة الخالق الذي خلق هذا الخلق. لماذا لم تثبت صفة الحكمة؟ الدليل العقلي يدل على إثباتها. بل الدليل العقلي يدل على إثبات صفة الرحمة وصفة الحكمة أظهر، أظهر من غير تكلف، بخلاف الإرادة، الإرادة تحتاج إلى نظر أكثر وتمع أكثر في إثباتها بالدليل العقلي. خلاف الرحمة، الرحمة حتى العامي، العامي حين يرى نعم رب العالمين جل وعلا تترى عليه وعلى عباد الله، جل وعلا يعلمنا الله جل وعلا رحيم. لكن قلت له: هذا التخصيص الذي جعله الله جل وعلا، خصص بعض المخلوقات عن بعض الآخر بخصائص، يدل على إرادة، نعم يدل على إرادة، يفهمها لكن بشيء، نعم. لكن قلت له: هذه النعمة النازلة على عباد الله التي تترى تدل على رحمة الله مباشرة، من غير... واضح. فإن إثبات الرحمة بدلالة العقل أوضح وأبين من إثبات دلالة الإرادة بالتخصيص. الأشاعرة أثبتوا الإرادة بالدليل العقلي ونفوا صفة الرحمة، مع أن الدليل العقلي يدل على ثبوتها، بل أسهل وأوضح وأبين وأظهر. الجواب الثالث: يقال لهؤلاء: سلمنا لكم مثلا أن الدليل العقلي لم يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتموها، وإنما دل الدليل العقلي فقط على إثبات الصفات التي أثبتتموها أنتم فقط السبع، ولم يدل الدليل العقلي على إثبات تلك الصفات التي نفيتموها، ولذلك نفيتموها. الجواب: أن يقال: حتى أن الدليل العقلي لم يدل على ذلك، فهذا لا يلزم منه انتفاء المدلول. هذا لا يلزم منه انتفاء المدلول. لماذا؟ لأن هذا المدلول قد يثبت بدليل آخر غير الدليل العقلي. فالأشياء لا تثبت فقط بالدليل العقلي، لا تثبت بأدلة بدلالة السمع، ودلالة الشرع، بدلالة الحس. نعم، وإن لم يدل الدليل العقلي، إذا انتفى الدليل العقلي، بقية دلائل قد تدل على المدلول، بقية دلائل قد تدل على هذا المدلول. فهنا نقول لهم: الدليل السمعي قد دل على إثبات هذه الصفات التي زعمتم أن الدليل العقلي لم يقم بإثباتها. هذا الكلام نقوله تنزلا، وإلا فالدليل العقلي كذلك قائم، الدليل العقل قائم على إثبات صفات كثيرة، نعم، هم عطلوها ونفوها، مثل الحكمة، ومثل الرحمة، ومثل الرضا، ومثل كذلك الغضب، إلى آخر ذلك من الصفات الذاتية المعنوية، إلى آخر ذلك من الصفات الذاتية المعنوية التي هي صفة الذات، ولكن قيل فيها معنوية لأن العقل يمكنه إثباتها وإدراكها، بخلاف الصفات الذاتية الخبرية التي لا مجال للعقل في إدراكها، وإنما هو الخبر المحض، ولو لم يأتِ الخبر المحض عنها لما أثبتها العبد لربه جل وعلا. فهذه أجوبة ثلاثة يرد بها على الأشاعرة الذين قالوا: إنما أثبتنا من الصفات لأن الدليل العقلي قد دل على إثباتها، وما نفينا من الصفات لأن الدليل العقلي لم يدل على إثباتها، فيرد عليهم بهذه الأجوبة الثلاثة التي قد تقدم ذكرها. قال رحمه الله تعالى: الأصل الثاني: أن يقال لمن يقر بذات الله تعالى ويمثل في صفاته أو ينفيها أو ينفيها: القول في الصفات كالقول في الذات. يعني أن من أثبت لله تعالى ذاتا لا تماثل ذوات المخلوقين، لزمه أن يثبت له صفات لا تماثل صفات المخلوقين، لأن القول في الصفات كالقول في الذات. وهذا الأصل يخاطب به أهل التمثيل وأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم. فيقال لأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم: ألستم تقولون بوجود ذات لا تشبه الذوات؟ فكذلك نقول بصفات لا تشبه الصفات. مثال ذلك: إذا قال: إن الله استوى على العرش، فكيف استواؤه؟ فيقال له: القول في الصفات كالقول في الذات، فأخبرنا كيف ذاته. فإن قال: لا أعلم كيفية ذاته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية استوائه. وحينئذ يلزمه أن يقر باستواء حقيقي غير مماثل لاستواء المخلوقين، ولا معلوم الكيفية، كما أقر بذات حقيقية غير مماثلة لذوات المخلوقين، ولا معلومة الكيفية. كما قال مالك وشيخه ربيعة وغيرهما في الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. هذا الأصل الثاني ذكره رحمه الله تعالى، يقال لمن يقر بالذات، وهؤلاء هم المعتزلة، وكذلك أهل التمثيل، الممثلة الذين مثلوا صفات الخالق بصفات المخلوقين. أثبتوا الذات لله جل وعلا، فحين أثبتوا الذات لله جل وعلا، نعم، هل استلزم ذلك تمثيل ذات الخالق بذوات المخلوقين؟ الجواب: لا. فإذا هم أثبتوا ذاتا لا تماثل ذات المخلوقين، فيلزمه أن يثبتوا صفات لا تماثل صفات المخلوقين. فيرد على أهل التمثيل بهذا: نقول لهم: كما أثبتتم الذات لله جل وعلا وهي لم تستلزم التمثيل، فأثبتوا الصفات، فأثبتوا الصفات التي نفيتموها، أو فأثبتوا الصفات التي أثبتتموها ولا تمثلوا تلك الصفات بصفات المخلوقين، لا تمثلوا تلك الصفات التي أثبتتموها بصفات المخلوقين، كما أثبتتم صفة الذات لله جل وعلا لا تماثل ذوات المخلوقين. ويقال لأهل التعطيل كذلك من المعتزلة وغيرهم: أنتم أثبتتم الذات لله جل وعلا وعطلتم بقية الصفات. طيب، أثبتتم الذات لله جل وعلا، فيلزمكم أن تثبتوا الصفات لله سبحانه وتعالى. كما أثبتتم ذاتا لله جل وعلا لا تماثل ذوات المخلوقين، فيلزمكم أن تثبتوا صفات لله جل وعلا لا تماثل صفات المخلوقين، لا تماثل صفات المخلوقين. وهكذا يقال للأشاعرة وغيرهم ممن أثبتوا بعض الصفات وعطلوا الصفات الأخرى، فيقال لهم: إثبات ذات الله جل وعلا لا تماثل ذوات المخلوقين يستلزم إثبات صفات لا تماثل صفات المخلوقين. هذا يقال لأهل التمثيل، ويقال لأهل التعطيل. يقال لأهل التمثيل، ويقال لأهل التعطيل. يقال لأهل التمثيل: أعيد لأن أهل التمثيل أثبتوا ذاتا لله جل وعلا لا تستلزم مماثلة المخلوقين، ومع هذا أثبتوا الصفات لكن جعلوها مماثلة لصفات المخلوقين. نقول لهم: كيف أثبتتم ذاتا لله جل وعلا ولم تجعلوها مماثلة لذوات المخلوقين، وحين أثبتتم الصفات الأخرى جعلتموها مماثلة لصفات المخلوقين؟ القول في الذات كالقول في الصفات، كما أنكم أثبتتم الذات لا تماثل ذوات المخلوقين، كذلك أثبتوا الصفات. وأنتم أثبتتموها لكنكم مثلتم، لا تمثلوا، كما لم تمثلوا حين أثبتتم الذات لله سبحانه وتعالى. وأهل التعطيل من المعتزلة وغيرهم يقال لهم: أنتم أثبتتم ذاتا لله جل وعلا، أثبتتم ذاتا لله جل وعلا وعطلتم الصفات الأخرى. لماذا عطلتم؟ هم عطلوا لأنهم زعموا أن إثبات هذه الصفات تستلزم التمثيل، فلذلك لا نثبت هذه الصفات. نقول لهم: كما أثبتتم الذات لله جل وعلا وأنها لا تستلزم التمثيل بصفاتي أو بذاتي المخلوقين، فعليكم أن تثبتوا الصفات وأنها لا تستلزم التمثيل، لأن القول في الصفات كالقول في الذات. وذكر مثالا رحمه الله تعالى بالاستواء، قال: إذا قال: إن الله استوى على العرش، كيف استواءه؟ الآن إذا قيل لنا: كيف استواء الرب جل وعلا على العرش؟ نقول له: القول في الصفات كالقول في الذات، أخبرنا أنت أولا، أنت يا أيها السائل الذي تسأل عن كيفية صفة استواء الرب جل وعلا على العرش، أخبرنا كيف ذات الرب جل وعلا. يقول: لا أعلم. نقول: نحن إذا لا نعلم. إذا لم نعلم ذات الرب جل وعلا، كيف نعلم كيفية الصفة؟ نعم، لأن العلم بكيفية الصفة إنما هو فرع عن العلم بكيفية الذات. من علم ذات الشيء علم كيفية صفاته، ومن لم يعلم ذات الشيء لم يعلم كيفية صفاته. قد ضربنا أمثلة في دروس سابقة على هذا. نقول في الذي لا يعرف ذات الفيل، والذي لا يعرف ذات الجمل، والذي لا يعرف ذات كذا وكذا، الأسد: إذا قيل له: صف لي كيف يعني وجه الأسد، ما يستطيع أن يقول: وجه الأسد كذا. لماذا؟ ما السبب؟ لأنه لا علم له بذات الأسد، كيفية ذات الأسد. وإذا قيل له: صف لنا يد الأسد، ما يستطيع، لماذا؟ لأنه لا يعلم كيفية ذات الأسد، ما يدري كيف، ما يدري كيف. إنسان أعمى على سبيل المثال، خلق وهو أعمى، لم ير شيئا، لا يعرف الجمل، ولا يعرف... يعني الزرافة، ولا يعرف الأرنب، ولا يعرف شيئا. أعمى، قيل له: يا فلان، كيف يد الجمل؟ إيش يقول؟ ما يعرف، والله يا سيدي، أنا ما شفت الجمل، ما أعرف ذات الجمل، كيف هو الجمل؟ صف لي كيف الجمل، هو أنا ما أعرف كيف هو، أنا ما أعرف كيف ذات الجمل، كيف أعرف صفة يده ولا صفة وجهه؟ فلله المثل الأعلى. لا يعلم أحد بذات الرب سبحانه وتعالى، لا يعلم أحد بذات الرب جل وعلا، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. فإذا جهلنا كيفية ذات الرب جل وعلا، فإننا لا نستطيع أن نعرف كيفية صفاته جل وعلا. ولذلك إنما هو علينا أن نثبت الصفات، أن نثبت الصفات على ما يليق بالله جل وعلا. نعم، وإثبات الصفات إنما يكون عن طريق... القياس إذا عرف شيئا، ربما يقيس. أعمى مثلا، كما يضرب المثل، يقولون: فتح وشاف ديك، مثل عامي يقولون: فتح وشاف ديك فقط، فتح مرة واحد شاف ديك وخلاص، وعامي مرة أخرى فتح على ديك وعامي، فكان كل ما قيل له: تعرف كذا؟ يقولون: كيف مثل ديك؟ هل هو مثل ديك؟ الآن يعرف، إذا كان مثل ديك سيعرف كيفية الصفات. نعم، فالشاهد، بارك الله فيكم: العلم بكيفية الصفات لا يعلم إلا بكيفية الذات. والكلام في الاستواء ومعانيه في لغة العرب، وتفسير أهل البدع به بغير تفسير الصحيح، هذا سيأتي إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا لكم. شكرا لكم، شكرا لكم، شكرا لكم، شكرا لكم.