الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 11، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يقرر المؤلف أن اشتراك الأسماء والصفات بين الله وخلقه لا يقتضي تماثل المسميات، مستدلاً بالنصوص الشرعية والعقل الذي يحكم باختلاف الذوات وصفاتها. فالله يثبت لنفسه ما يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل.
يبين المقطع أن اشتراك المخلوقات في أسماء الصفات لا يستلزم تماثل حقيقتها، لأن لكل ذات كيفية تليق بها كاختلاف اللين والنطق بين الحديد والحرير والقلب. والعقل يحيل تشابه المسميات مع اختلاف الذوات.
يقرر النص أن الله يثبت لنفسه الصفات الواردة في الكتاب والسنة على ما يليق بجلاله دون تكييف، مستدلاً بامتناع التماثل بين المخلوقات فضلاً عن الخالق والمخلوق. وعدم علمنا بذات الله يستلزم عدم علمنا بكيفية صفاته.
يتضمن المقطع الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، ويختتم بتكبير الله ثلاث مرات تعظيماً وإجلالاً. وهذا الذكر من السنن المستحبة في افتتاح المجالس والخطب.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فنتذكر في الدرس الماضي هذا الفصل الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، والذي خلاصته أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، بدلالة الشرع والعقل والحس. قد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعض النصوص الدالة على اشتراك الأسماء بين الخالق والمخلوق، وبعض الأوصاف التي يشترك فيها المخلوق مع الخالق، ولم يلزم من ذلك، ولم يستلزم تماثل تلك المسميات ولا تلك الموصوفات. وذكر من ذلك العلم، وأنه ثبت لله جل وعلا أنه العليم، ومن صفاته العلم، وثبت ذلك للمخلوق أنه متصف بهذا الوصف. وهكذا السمع والبصر: الله جل وعلا سمى نفسه سميعاً بصيراً، وسمّى كذلك الإنسان سميعاً بصيراً، ولم يلزم من ذلك تماثل سمع الله جل وعلا وسمع المخلوق، فكل يليق بذاته. وهكذا النصوص في هذا كثيرة، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعضاً منها. وإلا ففي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، ذكر في التدمرية ما يقارب ستين نصاً، ما يقارب ستين نصاً فيه اشتراك بين الخالق والمخلوق في الأسماء أو الأوصاف، في الأسماء أو الأوصاف، ولا يقتضي ذلك مماثلة المسميات، مماثلة المسميات. يعني أن تسمية الرب جل وعلا بهذه الأسماء، ووصف الرب جل وعلا بهذه الأوصاف، لا تستلزم مماثلة المخلوقين ممن تسموا بهذه الأسماء أو اتصفوا بهذه الصفات، لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ومن ذلك أن الله جل وعلا من أسمائه الحي سبحانه وتعالى، وهكذا سمى المخلوق حياً: {يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ}، والمراد بالحي هنا المخلوق، فسماه بهذا الاسم، بالحي، وهو مخلوق، والله جل وعلا من أسمائه الحي. فهل هذا يقتضي تماثل هذه المسميات؟ لا، فالله جل وعلا هو الحي، ومتصف بصفة الحياة التي تليق به جل وعلا، وهي حياة غير مسبوقة بعدم، غير مسبوقة بعدم، وحياة لا يلحقها موت. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: «أنت الحي الذي لا تموت، أنت الحي الذي لا تموت»، والإنس والجن يموتون، ولو كانوا أحياء، لكن حياتهم مسبوقة بعدم، وأيضاً حياتهم مسبوقة إلى موت. وحياة الرب جل وعلا حياة كاملة غير مسبوقة بعدم، وكذلك لا تزول، فهي حياة باقية، وحياة كذلك كاملة لا يلحقها نقص ولا عيب. وهكذا كذلك سمى الله جل وعلا بعض عباده بالجبار والمتكبر، كما قال جل وعلا: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}، فسماهم بهذين الاسمين: المتكبر والجبار، ومن أسمائه جل وعلا الجبار والمتكبر. وهذا لا يقتضي تماثل المسميات، فالله جل وعلا هو الجبار وهو المتكبر، تليق بجلاله جل وعلا، تليق بجلاله هذه الأسماء وهذه الأوصاف، وأما المخلوقون فتليق بهم هذه الأسماء، تليق بذواتهم الضعيفة، وهذه الأوصاف كذلك تليق بهم. وهكذا الحليم: سمى الله جل وعلا بعض عباده بذلك، ووصفهم بالحلم: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}، فسماه حليماً، سماه حليماً، والله جل وعلا من أسمائه الحليم. وهكذا كذلك سمى الله جل وعلا نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، فسماه رءوفاً رحيماً، والله جل وعلا سمى نفسه رءوفاً رحيماً: {الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ}، ولا يقتضي ذلك المماثلة، مماثلة المسميات والموصوفات. وهكذا أسماء كثيرة وأوصاف كثيرة في الكتاب والسنة ثبتت للخالق جل وعلا، وهكذا سمى بها عباده، أي بتلك الأسماء، ووصفهم بتلك الأوصاف، كل ذلك لا يقتضي المماثلة في المسميات وفي الموصوفات، لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، هو السميع البصير، ولأن الله جل وعلا هو الخالق وخلقه مخلوق، وخلقه مخلوق، والخالق ليس كالمخلوق، الخالق ليس كالمخلوق، والفاعل ليس كالمفعول. قال رحمه الله تعالى: وأما العقل، فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها، فإنها كذلك مختلفة في صفاتها، وفي المعاني المضافة إليها. فإن صفة كل موصوف تناسبه، لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه. ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى حسب ما أضيف إليه. ذكر رحمه الله تعالى دلالة العقل على أن الاشتراك في الأسماء والألفاظ لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، دل على ذلك دلالة الشرع، ودل على هذا أيضاً دلالة العقل. فالعقل يدرك هذا، بل يوجب هذا، أنه إذا اختلفت الذوات صارت الذوات مختلفة، فهذا يستلزم الاختلاف بينها في الأوصاف. فإذا اختلفت في ذواتها اختلفت في أوصافها. فذات السماء ليس كذات الأرض، وذات الإنسان ليس كذات الحيوان، وهكذا ذات الجماد ليس كذات الحيوان. فالذوات مختلفة، اختلفت الذوات، والعقل يدل على أن الأوصاف ستختلف، يدرك هذا بل يوجبه، أنه إذا اختلفت الذوات يترتب على هذا اختلاف الأوصاف والصفات. فالقلم له ذات، هذه هي ذات القلم، والمخلوق له ذات، وهذه هي ذات المخلوق، هذه هي ذات المخلوق. هذه التركيبة التي يتركب منها المخلوق: عندنا ذات قلم، وعندنا ذات مخلوق. اختلفت الذوات: ذات قلم، وذات مخلوق، فهذا يستلزم اختلاف ماذا؟ الأوصاف، يستلزم اختلاف الأوصاف. ولذلك كانت ذات القلم وأوصاف القلم تختلف عن أوصاف المخلوق، تختلف عن أوصاف المخلوق. وهذا واضح بين، مشاهد. من يقول أن ذات القلم كذات المخلوق، وصفة القلم كصفة المخلوق؟ لماذا اختلفت الصفات والأوصاف؟ اختلافها. وهكذا ذات القلم ليس كذات الحيوان، وذات كذلك الإنسان ليس كذات الحيوان، وذات كذلك الأشجار، وذات الأسماك، وذات الطيور، وغير ذلك من هذه المخلوقات. لما اختلفت في ذواتها اختلفت في صفاتها، لما اختلفت في ذواتها اختلفت في صفاتها. فأنتم تعلمون صفات الطيور مثلاً، صفات الطيور تختلف عن صفات الحيوانات الأخرى، المخلوقات الأخرى، تختلف عن صفات الأسماك، تختلف عن صفات كذلك الحشرات وغير ذلك، تختلف كذلك عن صفات الإنسان، عن صفات البهائم، وهكذا. فاختلاف هذه المخلوقات في ذواتها لزم منه اختلاف هذه المخلوقات في صفاتها، وهذا بدلالة العقل، والعقل يدرك ذلك بل يوجبه، ويلزم ذلك أن الاختلاف في الذوات يدل على الاختلاف في الأوصاف. ومثل هنا المؤلف رحمه الله تعالى بالحديد، فالحديد يوصف بأنه لين، وهكذا الإنسان يوصف بأنه لين، وبأنه كذلك لين القلب. فهل اللين الذي في الحديد، وصف به الحديد، كاللين الذي وصف به الإنسان، وصف به قلبه؟ لا، لماذا اختلفت الذوات؟ لين الحديد ليس كلين قلب الإنسان، ليس كلين قلب الإنسان. وهكذا كذلك الشدة: الحديد يوصف بالشدة، الحديد شديد، ويوصف بالشدة، وهكذا كذلك قلب الإنسان يوصف بالشدة، ومع ذلك تختلف الكيفية. فلين الحديد وشدة الحديد ليست كلين الإنسان ولين كذلك قلبه وشدته. وهكذا لين الحرير: فالحرير يوصف باللين، الحرير لين، الحرير لين، والحديد يوصف باللين كذلك، والإنسان كذلك يوصف باللين، قلب الإنسان يوصف باللين. هل لين الحرير كلين الحديد؟ لا، لين الحرير ليس كلين الحديد، وليس كلين كذلك المخلوق. مع أن هذه أسماء كلها، وذوات وصفت باللين: الحديد وصف باللين، والإنسان وصف باللين، والحرير وصف كذلك باللين، لكن باختلاف هذه الذوات اختلفت في الأوصاف، فكان لين الحرير ليس كلين الحديد، ليس كلين الحديد. هذا لما يوضع في النار يكون ليناً، حيث يستطيع الحداد أن يستعمله كيف شاء، أن يجعله دائرة، أو أن يجعله على هيئة عصا، أو أن يجعله على شكل مربع، أو على شكل مستطيل، على أي شكل أراد. إذا ماذا؟ إذا لان الحديد، إذا لان الحديد، خلاف إذا كان شديداً، لا يستطيع أن يشكله على ما أراد إلا بعد وضعه في النار، فتضربه الحرارة حتى ماذا يصير؟ ليناً، حتى يصير ليناً. فهذا الوصف للحديد باللين. والحرير هو لين، لا يحتاج أن يدخل في نار حتى يصير ليناً، هو لين في شكله هكذا، لين عليه نعومة، فلين الحرير تلك النعومة التي عليه، ويشعر بها الإنسان إذا لبس ذلك الحرير، وهو لا يجوز لبسه، محرم للرجال، لكن يدرك الإنسان ذلك اللين إذا لمسه، وإذا رآه يراه ليناً ناعماً. فهذا لين الحرير. لين الإنسان كيف؟ لين الإنسان هو كلين الحرير؟ يعني إذا رأيت الإنسان تقول له: الله، هذا إنسان لين؟ يعني هل هو مثل ذلك اللين الذي في الحديد، أو هو مثل هذا اللين الذي في الحرير، نعومة وغير ذلك؟ لا، وإنما اللين بمعنى عدم شدة، عنده رفق، وعنده يعني تأنٍ وتمهل وبسط في كلامه، طيب الكلام، وهكذا يعرف بذلك الوصف إذا كان في أفعاله ما يدل على لينه في كلامه ورقته وعدم كذلك شدته. ولذلك وصف النبي عليه الصلاة والسلام أهل اليمن بأنهم: «أرق الناس قلوباً، وألينهم أفئدة»، أرق الناس قلوباً وألينهم أفئدة، يعني أفئدتهم لينة، لماذا؟ لأنهم أهل رفق وأهل الحكمة وعدم تعجل وطيش وغير ذلك. فإذا وصف الحديد باللين، ووصف الحرير باللين، وصف كذلك الإنسان باللين، لا يستلزم ذلك عقلاً تماثل هذه المسميات والموصوفات، لا يلزم ذلك تماثل المسميات والموصوفات. فلين الحديد غير لين الحرير، وغير لين قلب الإنسان، وهكذا لين قلب الإنسان ولين الإنسان غير لين الحديد، وغير كذلك لين الحرير. وهكذا في أوصاف كثيرة، إذا نظرت فيها في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، تجد أن المخلوقات تشترك في هذه الأوصاف، ومع هذا لا يلزم ذلك تماثل هذه المخلوقات في أوصافها، وفي كذلك مسمياتها، بحيث أن تكون مماثلة، بل كل مخلوق ماذا يليق به؟ ذلك الوصف الذي وصف به، ويختلف عن المخلوقات الأخرى. وهذا مشاهد وواضح، يراه الإنسان. وهكذا نظرنا مثلاً في أوصاف بعض المخلوقات بالنطق: مثلاً الإنسان حيوان ناطق، حيوان ناطق، يعني بأنه حي، حي ناطق، ليس حيوان بمعنى حيوان، يعني هذه الحيوانات يقال: حيوان ناطق، يعني ينطق وله حياة. وهكذا الحمار حيوان ناطق، الحمار حيوان ناطق، وينطق وهو حي كذلك. وهكذا الطير: الطير حيوانات ناطقة، نعم. فهنا وصفت هذه المخلوقات بالنطق: فالإنسان وصف بالنطق وأنه ينطق، والطيور وصفت بالنطق وأنها تنطق، وهكذا الحيوانات وصفت بالنطق وأنها تنطق. فهل اشتراك هذه المخلوقات في هذا الوصف وهو النطق استلزم منه، ولزم منه تماثل هذه المسميات؟ فصار الطير مثل الحمار، وصار كذلك الحمار مثل الإنسان؟ لا، لم يلزم ذلك. فنطق الطير يليق به، وله كيفية معروفة، منطق الطير الذي علمه سليمان عليه الصلاة والسلام، يعلم نطق هذه الطيور وما تتكلم به، فالطيور لها نطق، تنطق وتتكلم وتسبح: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}، فهذه الطيور تنطق وتسبح، وصفت بالنطق، ووصفت بالتسبيح، لكن على كيفية تختلف، على كيفية تختلف عن كيفية تسبيح الإنسان ونطق الإنسان. نطق الإنسان هذا الكلام الذي يتكلم به، فهل هذا الكلام هو نطق الإنسان ككلام الطيور ونطق الطيور؟ لا. وهكذا نطق الحيوانات الأخرى: الحمار ينطق وينهق، نعم. وهكذا الثور له خوار، والبقر له خوار، وهكذا وغير ذلك من هذه الحيوانات، فيثبت لها النطق على ما يليق بها. وهكذا الإنسان ينطق ويتحدث. حتى الأرض: الأرض تتكلم يوم القيامة، تتكلم يوم القيامة، وتحدث يوم القيامة بما حصل فيها، بما حصل فيها: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}، كيف تحدث بهذه الأخبار؟ كيف تنطق؟ ما نعلم كيف تنطق، ما عندنا علم بكيفية نطق هذه الأرض يوم القيامة، وهذا التحديث كيف تحدث؟ لكن أثبت الله جل وعلا لها نطقاً وتحديثاً، وأنها تنطق وتحدث، فهذا حق، والكيفية لم نعلم الكيفية. ومع هذا وصفت بالنطق والتحديث، ولم يلزم من ذلك أن نطقها وحديثها هو كحديث المخلوق، كحديث الإنسان، أو كحديث الحيوان، أو كحديث الدواب، الطيور إلى غير ذلك. فلما اختلفت في ذواتها اختلفت في صفاتها، وفي أوصافها. والأعضاء تنطق، والأعضاء تنطق يوم القيامة: الجلود تنطق، والألسن تنطق، والعيون تنطق، نعم، والأسماع تنطق. {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}، الذي أنطق كل شيء، فالله جل وعلا في ذلك اليوم أنطق كل شيء، فكل شيء ينطق، فكل شيء ينطق. وهذه الأشياء التي تنطق في ذلك اليوم العظيم، هل نطقها سواء؟ وهل نطقها واحد؟ الجواب: لا، يختلف نطق الأعضاء عن نطق الأرض وحديث الأرض، لماذا؟ لاختلاف ذواتها. والأعضاء نطقها كذلك تختلف، ويختلف. وهكذا نطق الإنسان. فالله سبحانه وتعالى وصف نفسه جل وعلا بأوصاف في كتابه العزيز، ووصفه نبيه محمد، صادق الأمين، الذي هو أمينه على رسالته وعلى دينه، وهو الصادق المصدوق، أثبت لربه جل وعلا الصفات. فلذلك نثبت نحن تلك الصفات وتلك الأسماء التي ثبتت لله جل وعلا في الكتاب والسنة، ونقول: على ما يليق بالله جل وعلا، كما قلنا: تلك الأوصاف تليق بتلك الموصوفات التي وصفت بها، سواء كانت مخلوقات، أو كانت جمادات، أو كانت حيوانات، أو كانت غير ذلك، كل على ما يليق به. ولله المثل الأعلى، فهو على ما يليق به جل وعلا، تلك الأسماء وتلك الأوصاف التي ثبتت له جل وعلا في الكتاب والسنة، على ما يليق به سبحانه وتعالى. وهذا دلالته كما تقدم: شرعية وسمعية، ودلالته كذلك عقلية، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وأما الحس، فإننا نشاهد للفيل جسماً وقدماً وقوة، وللبعوضة جسماً وقدماً وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما وقدميهما وقوتيهما. فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة، مع كون كل منها مخلوقاً ممكناً، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأحرى. بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع. وهذه جلالة الحس: فنحن نرى في ملكوت الله جل وعلا هذه المخلوقات، هذه المخلوقات التي نشاهدها. نعم، نحن نعرف الفيل، إلا من لم ير الفيل، الذي لم ير الفيل لا يعرف كيفيته. ونحن إنما رأينا الفيل صورة، رأينا الفيل صورة، ولم نره حقيقة، لم نر الفيل حقيقة، وإنما رأيناه في الصور، رأيناه في الصور، عرفنا ذات الفيل من خلال الصور. نعم، له خرطوم طويل، وهكذا له جسم عظيم، وعليه جلد خشن، وغير ذلك. ومن لم يعرف ذات الفيل لا يمكن أن يعرف صفات الفيل، لا يمكن أن يعرف صفات الفيل. إذا قيل له: صِف لي الفيل، قلت لشخص: صِف لي الفيل، ولم ير الفيل، لا في الشاهد، ولا في المحسوس، ولا في صورة، ولا كذا، فأي شيء يقول؟ ما أعرف، ما أدري، ما هي أوصافه؟ قلت له: كيف رأسه؟ قال: لا ما أعرف. كيف رجله؟ ما أعرف. كيف يداه؟ ما أعرف. كبير ولا صغير؟ ما أعرف. سمين ولا نحيف؟ ما أعرف. ما يمكن. الشيء الذي لا تعرف ذاته لا يمكن أن تعرف صفاته. الشيء الذي لم تعرف ذاته لا تعرف صفاته. هل نحن نعرف ذات الله سبحانه وتعالى؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. لا نعرف ذاته. فإذا إذا لم نعرف ذاته جل وعلا، فإن لم نعرف صفاته، لم نعرف صفاته سبحانه وتعالى. لكن نثبت له ما ثبت له في كتابه، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، من معنى دال عليه تلك الألفاظ، تلك الأسماء، على مقتضى لغة العرب. فهكذا التماثل، التباين في المخلوقات هذه المحسوسة، بين الفيل والذرة والبعوضة. البعوضة معلومة معروفة، فلها قوة لا شك، ولها قدم، ولها أرجل، والفيل له أرجل، والبعير له أرجل، والحمار له أرجل، وله قوة. فهذه الأشياء محسوسة نراها، لما اختلفت في ذواتها اختلفت في أوصافها، ولم يلزم من ذلك تماثلها في ذواتها. فالفيل أرجله ليست كأرجل البعوضة، وهكذا ليست كأرجل البعير، وليست كأرجل الأرنب، وليست كأرجل كذلك الذباب، وهكذا. وهكذا كذلك البعوض مثلاً: له جناح، له أجنحة، والذباب له أجنحة، والطائر له أجنحة، والصرصار له أجنحة، نعم، والطائر لها أجنحة، الطائر لها أجنحة. إذن عندنا هنا هذه الأشياء وصفت بهذا الوصف: الأجنحة. الملائكة لها أجنحة، الملائكة لها أجنحة: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}. هل اشتراك هذه الموصوفات بالأجنحة لزم منه تماثلها وأنها مماثلة؟ الجواب: لا. الطائر وإن وصفت بالجناح، فجناحها معروف، هذا الذي نشاهده: هذان الجناحان، هذا في جهة وهذا في الجهة. جناح البعوض: من نظر فيه علم ذلك، وإن كان لا يستطيع النظر إليه بالعين المجردة، بالأجهزة المكبرة، ما يسمى بالميكروسكوب. وهكذا كذلك جناح الطائر يختلف عن جناح البعوضة. جناح الصرصار: الصرصار يطير، له جناحان، وهكذا الملائكة لها أجنحة. كيف أجنحة الملائكة؟ الله أعلم. رأى النبي عليه الصلاة والسلام رأى جبريل، وعليه ستمائة جناح، كل جناح قد سد الأفق. إذن نحن ما علمنا كيفية أجنحة الملائكة، لأننا لم نرى ذات الملائكة، لكن من رأى ذات الملائكة علم كيفية أجنحة هذه الملائكة. فإذن اشتراك المخلوقات في هذه الأسماء وفي هذه الأوصاف لم يستلزم من ذلك التماثل، وهي مخلوقات، وهي مخلوقات، وامتنع التماثل فيما بينها، فكيف بين الخالق والمخلوق يكون التماثل؟ وأن الاشتراك في الأسماء والأوصاف بين الخالق والمخلوق يستلزم التماثل في المسميات والموصوفات، فلا شك أن ذلك ممتنع غاية الامتناع، من باب أولى وأولى. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.