الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 76، ألقاها
يتناول هذا الفصل تحذير السلف من مجادلة أهل الأهواء والبدع، حيث يروي عن مسلم بن يسار رحمه الله قوله: 'إياكم والمراء، فإنها ساعة جهل العالم'. كما يوضح أن مجادلة أهل الأهواء قد تؤدي إلى الزيغ والضلال.
يروي هذا الفصل مواقف للسلف الصالح مثل أبي بكر الصديق وأيوب السختياني وسعيد بن جبير الذين رفضوا الاستماع لأهل الأهواء والبدع، خشية الانحراف والزيغ، مستندين في ذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم باجتنابهم. كما يبين تحذيرهم من مجالسة أهل الأهواء.
يشير هذا الفصل إلى أهمية الرجوع إلى كتب السنة التي تتناول أصول الاعتقاد وآثار السلف، مثل كتب الإمام اللالكائي والإمام الآجري، للحصول على معلومات موسعة حول اعتقاد أهل السنة والجماعة ومفاهيم الشريعة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب اجتناب أهل الأهواء والبدع والخصومة: «أخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي، وهو قد كذب، قال: حدثنا جرير عن ابن شبرمة عن الشعبي، وهو الإمام عامر بن شرحبيل، قال: إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه». وهذا الأثر ضعيف. وصح عن غيره من السلف ذكر نحو هذا المعنى في بيان معنى الهوى أو الأهواء أنها سميت بذلك لأنها تهوي بأصحابها إلى الزيغ والضلال والهلاك. قال رحمه الله: «وأخبرنا عفان، وهو من ثقات الحديث، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا محمد بن واسع، قال: كان مسلم بن يسار يقول: إياكم والمراء، فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته». وهذا الأثر صحيح. يقول مسلم بن يسار رحمه الله: إياكم والمراء -يعني احذروا من المراء، وهي الجدال والخصومة- فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته. يعني أن الإنسان قد يجادل ويخاصم، فقد يأخذه الحصومة بسبب إرادة الانتصار على الخصم، فيقع في شيء من الزيغ والجهل والضلال، أو ربما كذلك تقع الشبهة في قلبه فيتأثر بها، فتكون ذلك سببًا في وقوعه في الزيغ. فلهذا كان السلف رحمه الله يحذرون من مجادلة أهل الأهواء ومن الخوض معهم في الخصومات؛ لأن ذلك -كما سمعنا- من الأسباب التي توقع الإنسان في الزيغ. والأسلم له أن يبتعد ويسلم، أن يسلم له قلبه ودينه، إلا إذا طرأ الإنسان إلى ذلك وكان من أهل العلم، ومن عنده قدرة علمية ومعرفة بشبه القوم، ويستطيع أن يردها وأن يفندها، فهذا لا بأس إذا اضطر إلى ذلك، كأن يأمره ولي الأمر بمجادلة بعض أهل الأهواء. فإذا اضطر إلى ذلك وعنده الاستطاعة لذلك، فهنا يجادل ويخاصم لبيان الحق وإظهاره، كما حصل لكثير من الأئمة، كالإمام أحمد رحمه الله، عندما كان يجادل إمام أبي داؤد وغيره من المعتزلة والجهمية الذين كانوا يقولون بخلق القرآن، فكان يجادلهم بكتاب الله وبسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا اضطره إليه الإمام أحمد رحمه الله من قبل أولي الأمر. فإذا كان الأمر كذلك، فلا بأس أن يجادل لإظهار الحق ورد الباطل، أو كذلك أيضًا قد يكون في مجلس، فيأتي أحد أهل الأهواء ويلبس على الحاضرين بإلقاء الشبه، ويكون عنده استطاعة لبيانها وبيان الحق، فهنا لا بأس أن يجادل هذا المبطل لإظهار الحق وإبطال الباطل. أما أن يجعل ديدنه مجالسة أهل الأهواء، يذهب لهذا ويذهب لهذا ويذهب لهذاك، فليس هذا من طريقة السلف. قال رحمه الله: «وأخبرنا سعيد بن عامر عن أسماء بن عبيد، قال: دخل رجلان من أصحاب الأهواء على ابن سيرين -أي الإمام محمد بن سيرين- فقال: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا. قال: فنقرأ عليك القرآن، أو فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟ قال: لا، لتقوموا عني أو لا، قوموا. قال: فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما كان عليك أن يقرأ عليك آية من كتاب الله؟ قال: إني خشيت أن يقرأ علي آية من كتاب الله فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي». يعني يقر هذا التحريف في قلبي، فأتأثر بذلك وأزيغ بسبب ذلك. فلهذا امتنع رحمه الله من أن يسمع منهم شيئًا، لا من الحديث، ولا كذلك أيضًا أن يسمع منهم شيئًا من القرآن. وهذا الأثر صحيح. وهذا عملًا بقول النبي عليه الصلاة والسلام حين قرأ قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم هؤلاء القوم فاحذروهم، أو فهؤلاء الذين سمى الله فاحذروهم». والحديث في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. فهكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب أهل الأهواء، وأن هؤلاء الذين سماهم الله جل وعلا، وصفهم بهذا الوصف ممن يبتغي أو يتبع متشابه القرآن ابتغاء تأويله وتحريفه، إما في قلبه من الزيغ والضلال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باجتنابهم والابتعاد عنهم والحذر منهم. وهذا -كما سمعنا- لأجل أن يسلم المرء من أن يزيغ كزيغهم. قال رحمه الله: «وأخبرنا سعيد عن سلام بن أبي مطيع أن رجلًا من أصحاب الأهواء قال لأيوب -أي ابن أبي تميم السختياني-: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ قال: فولى وهو يشير بأصبعه: ولا نصف كلمة». وأشار لنا سعيد بخنصره اليمنى. وهذا صحيح. يعني كذلك رفض أيوب بن أبي تميم السختياني رحمه الله أن يسمع من هذا الرجل من أهل الأهواء، فقال له: أسألك عن كلمة؟ فأبى أن يسمع منه، ثم أشار بأصبعه: ولا نصف كلمة، لا أسمع منك ولا نصف كلمة. قال رحمه الله: «وأخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر أن رجلًا سأل سعيد بن جبير عن شيء، فلم يجبه سعيد بن جبير -تلميذ عبد الله بن عباس، إمام في الحديث والتفسير- قال: فقيل له، فقال: أزيشان وأزيشان». -كلمة فارسية بمعنى أنه من أهل الأهواء والبدع- أن هذا الرجل من أهل الأهواء والبدع، فأبى أن يجيبه رحمه الله. قال: «وأخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا فضيل بن عياض وابن أبي سليم -وهو مختلط- قال: عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإنهم الذين يخوضون في آيات الله». وهذا الأثر ضعيف بهذا السند، لكن معناه صحيح. معنى هذا الأثر صحيح في قوله: «فإنهم الذين يخوضون في آيات الله». يعني هم المقصودون في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. فهذه الآية فسر غير واحد من السلف بأن المراد بها أهل الأهواء، فهم الذين يخوضون في آيات الله بالجهل والهوى، فأمر الله جل وعلا بعدم مجالستهم والابتعاد عنهم. قال رحمه الله: «وأخبرنا أحمد، قال: حدثنا زائدة عن هشام عن الحسن وابن سيرين -أي الحسن البصري ومحمد بن سيرين- أنهما قالا: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم». وهذا الأثر صحيح. فالإمام الحسن البصري رحمه الله -إمام أهل البصرة- وهكذا الإمام محمد بن سيرين ينهيان عن مجالسة أصحاب الأهواء ومجادلتهم والسماع منهم. قال: «ولا تسمعوا منهم». وذلك -كما سمعنا- لأجل أن يسلم المرء من الوقوع في الزيغ والضلال، وأن يتأثر بكلامهم، فتقع الشبهة في قلب الواحد، فينحرف بسبب ذلك، ويغتر بكلام هذا المتكلم من أهل الأهواء. فلذلك كان السلف يحذرون من مجالستهم والسماع منهم. وهذا الخير الذي عندهم قد يقول قائل: أليس أولًا عندهم خير يتكلمون بقال الله وقال رسوله؟ الجواب: نعم، هم قد يتكلمون بقال الله وقال رسوله، لكن لا يفهمون ماذا قول الله ورسوله بفهم السلف، ولكن بأفهامهم. ولهذا يقعون في الزيغ والضلال. وهذا الخير الذي معهم فيه ما فيه من الكدر، فيه ما فيه من الكدر. ولا شك أن الإنسان إذا وجد خيرًا صافيا نقيا سالما من الشوائب والأكدار، فهذا أولى وأسلم من خير فيه ما فيه من الكدر، وكذلك أيضًا ما فيه من الشوائب. فلو جئ لك بكأسين أحدهما ماء أو عسلًا صافيا نقيا، وآخر عسلًا فيه شيء من الشوائب، فلا شك أنك ستقدم الصافي النقي. وهكذا حال الدعاة، فمن كان داعيًا إلى الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، بعيدًا من الأهواء والبدع والضلالات، فهذا لا شك أنه أولى أن يسمع منه ويجلس له ويستفاد منه. وآخر قد يكون عنده شيء من علم الكتاب والسنة، لكن قد خلطه بشيء من الأهواء والبدع والضلالات، فهذا وإن كان عنده هذا الخير، لكنه قد شابه ما شابه من الزيغ والضلال، فيبتعد ويحذر منه. وما عند أهل السنة والجماعة من الخير يغني عن ماذا أخذه والسماع لغيرهم. قال رحمه الله: «وأخبرنا أحمد، قال: حدثنا شريك -وهو النخعي، وشريك النخعي فيه ضعف- قال: عن أبي ربيعة عن الشعبي، قال: إنما سموا أصحاب الأهواء لأنهم يهون في النار». وهذا الأثر كذلك ضعيف. فهذا آخر ما ذكره رحمه الله في هذا الباب، في باب اجتناب أهل الأهواء والبدع والخصومة. ومن أحب الزيادة على ذلك، فيرجع إلى بعض كتب السنة المؤلمة بذلك، أو التي ذكرت آثارًا كثيرة، كالإمام اللالكائي رحمه الله في كتاب «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، وكذا الإمام الآجري بكتابه «الشريعة».