الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 44، ألقاها
يناقش المقطع خطورة الإفراط في استخدام القياس دون الرجوع للنصوص الشرعية، ويحذر من الوقوع في الخطأ نتيجة لذلك. يُظهر آراء بعض العلماء في ضرورة الحذر عند استخدام القياس وتغليب جانب النصوص عليه.
يتناول المقطع تحذيراً من تقديم العقل والرأي على نصوص الكتاب والسنة، ويبين خطر ذلك في تحليل المحرمات. يشير إلى أهمية الاعتماد على الأدلة الشرعية في إصدار الأحكام.
يناقش المقطع تحذير السلف من كثرة المسائل والاعتماد على الآراء دون النظر إلى النصوص. يستشهد بآثار صحيحة عن السلف في التحذير من مجالسة أصحاب الآراء.
يُظهر إبراهيم النخعي تواضعه عندما قال إنه لن يكون فقيهًا لأهل الكوفة، مع أنه كان إمامًا في زمانه. يُعتبر هذا القول من باب التواضع، حيث كان إبراهيم مؤهلاً للفتوى والتعليم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف من الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب تغير الزمان وما يحدث فيه: «قال أخبرنا عمر بن عون، قال حدثنا أبو عوانة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن مسروق أنه قال: إني أخاف أو أخشى أن أقيس فتزل قدمي». وهذا الأثر صحيح، يقول مسروق رحمه الله: إني أخاف أو أخشى أن أقيس فتزل قدمي، يعني أن أقع في الخطأ والزلل. وهذا منه من باب التورع والبعد عن استعمال الأقيسة وتغليبها على جانب النصوص. فإن أكثر خطأ الفقهاء -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله فيما نقله عن إمام أحمد- قال: أكثر خطأ الفقهاء من باب المجمل والقياس. من باب المجمل والقياس يأتي إلى اللفظ الذي فيه إجمال فيبينه من عنده قبل أن يبحث في النصوص الدالة على بيان هذا المجمل، فيقع في الخطأ. وفي باب القياس يستعجل في القياس فيقيس مع وجود النص، مع وجود النص، لكنه ما علم به أو ما بحث عنه، فيقع في الخطأ. فهذه الآثار وما كان بمعناها محمول على هذا المعنى من التعجل في القياس مع وجود النصوص الدالة على حكم هذا الشيء، فيقع صاحب القياس في الخطأ. لكن من كان عنده معرفة والاطلاع بأدلة الكتاب والسنة، ويعلم أن هذه المسألة ليس فيها دليل صحيح أو صريح في الكتاب والسنة، وليس عليها إجماع، فحينئذ له أن يقيس. قال رحمه الله: «وأخبرنا صدقة من الفضل، قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن إسماعيل عن الشعبي قال: والله لئن أخذتم بالمقاييس لتحرمن الحلال ولا تحلن الحرام». وهذا الأثر صحيح وحسن، يقول الشعبي رحمه الله -عامر بن شرحبيل- يقول: والله لئن أخذتم بالمقاييس لتحرمن الحلال ولا تحلن الحرام، يعني إذا أخذتم بالقياس وغلبتم باب القياس وجانب القياس، لوقعتم في الضلال والزلل. فبسبب ذلك ستحرمون الحلال وتحلون الحرام بالقياس. وهذا محمول -كما سمعنا- على القياس الفاسد، القياس الخاطئ، القياس مع وجود النص أو القياس مع وجود الفارق. فهذه المقاييس -بهذه الاعتبارات- نعم توقع صاحبها في الخطأ، توقع صاحبها في الخطأ. يعني يترك النص ويذهب يقيس بعقله وبرأيه: هذا حكمه كذا، وهذا حكمه كذا، برأيه وعقله، لا شك أنه سيقع في مثل هذا الزلل، سيحرم الحلال ويحل الحرام بعقله ورأيه وقياسه الفاسدة. وهذا يعني يبقى فيه كثير من الناس، خاصة من يغلب جانب العقل، من يسمون بأصحاب المدرسة العقلانية، أصحاب المدرسة العقلانية الذين هم أتباع محمد الغزالي ومحمد عبده وأمثال هؤلاء، ومن كان على شاكلتهم من الإخوان المسلمين ومن سار على دربهم. هؤلاء الذين يغلبون جانب العقل والرأي، فيردون النصوص بعقولهم، يردون النصوص بعقولهم ويحكمون على الأشياء بآرائهم وقياسهم الباطلة الفاسدة. ولهذا تجد الكثير منهم أحلوا الحرام: هذا يحل الغناء، وذاك يحل الاختلاط، وذاك يحل الربا، وهكذا. تجد أمثال هذه الأشياء المحرمة يأتي من يقول بأنها حلال. ما هو الدليل؟ قياسه الفاسد ورأيه الذي يقدمه على نصوص الكتاب والسنة، فيقدم عقله ورأيه وقياسه الباطلة على كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فيقع في مثل هذا الزلل العظيم. قال رحمه الله: «أخبرنا الحسن بن بشر، قال حدثنا أبي -وهو بشر بن سليم، وهو منكر الحديث- عن إسماعيل ومن أبي خالد عن عامر -هو الشعبي- أنه كان يقول: ما أبغض إلي أرأيت، أرأيت». يسأل الرجل صاحبه فيقول: أرأيت. وكان لا يقايس. الأثر بهذا السند ضعيف، لكنه صح من طرق أخرى. هذا أيضا الأثر: الإمام الشعبي رحمه الله كان يقول: ما أبغض إلي أرأيت، أرأيت، يعني استعمال هذا اللفظ، واستعمال لفظ الرأي أو السؤال عن الرأي والإجابة بالرأي. يقول: ما أبغض إلي أرأيت، أرأيت، يعني كأنه يقول: متى رأيت؟ ما هو قولك؟ ما رأيك في هذه المسألة؟ فكان يبغض ذلك. ما أبغض إلي أرأيت، أرأيت يسأل رجل صاحبه فيقول: أرأيت. الواجب أن يقول: ما حكم الشرع في هذا؟ ما حكم الشرع في هذه المسألة؟ فيكون الجواب بدليل من الكتاب والسنة، لا بالقياس والرأي، إلا المسألة التي ليس فيها دليل -كما سمعنا- صريح، صحيح، فهنا يحتاج أن يجتهد المفتي إذا كان من أهل الاجتهاد، فينظر في دلائل الكتاب والسنة وما يدل على حكم هذه المسألة، فيقول فيها برأيه. لكن ليس الرأي المجرد عن الدليل، ولا هو بالظنون والأوهام، ولكن بالعلم والقرائن والنظر في أدلة الكتاب والسنة. قال: وكان لا يقايس، يعني لا يقول بالقياس. وذكرنا من قبل أن القول بالقياس الصحيح: أنه القياس يعني في المسائل التي ليس فيها دليل من كتاب أو سنة أو إجماع، أنه يعمل به إذا كان القياس صحيحا. وهذا قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم: أن القياس يعمل به عند عدم وجود النص من كتاب أو سنة، أو كذلك أيضا عدم وجود إجماع، فإنه يعمل به إذا كان القياس صحيحا. خلافا لمن رده، كالظاهرية الذين ردوا القياس، وهكذا بعض الأئمة كالشافعي رحمه الله وغيره ممن غلوا في إنكارهم القياس. وكثير من هؤلاء الذين أنكروا القياس من الظاهرية وغيرهم عملوا به باسم آخر، عملوا به باسم آخر، وخاصة القياس الجلي، فيسمونه: عموم نص، فيقول مثلا: عموم نص يدل على كذا. وهذا هو القياس، لكن استعملوه بلفظ غير لفظ القياس. فالقياس الجلي الصحيح -كما مر معنا- أنه معتبر ويعمل به، بخلاف ما إذا كان القياس ضعيفا أو علته خفية غير ظاهرة، أو كان مصادما للنص، فهذا قياس فاسد لا يعمل به. قال رحمه الله: «وأخبرنا صدقة من الفضل، قال حدثنا يحيى بن سعيد عن الزبرقان عن أبي وائل، قال: نهاني أبو وائل أن أجالس أصحاب أرأيت». وهذا الأثر صحيح، يقول الزبرقان: نهاني أبو وائل -وهو عبد الله بن الشقيق، تلميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- يقول: نهاني أن أجالس أصحاب أرأيت، يعني احذر من هؤلاء أصحاب أرأيت، أصحاب الآراء، أن تجالسهم. لأن هؤلاء يعني ممن تركوا النصوص -الكتاب والسنة- وعملوا بآرائهم وأقيستهم وعقولهم. وهذا باب من أبواب الضلال والانحراف أن يغلب جانب القياس والرأي، فيتكلم برأيه ويتكلم بعقله ويترك النصوص، لا شك أن هذا باب مزلة. فكان أبو وائل رحمه الله يحذره من مجالسة أمثال هؤلاء. قال رحمه الله: «قال أخبرنا صدقة من الفضل، قال أخبرنا ابن عيينة عن إسماعيل عن الشعبي قال: لو أن هؤلاء كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنزلت عامة القرآن يسألونك». وهذا الأثر صحيح، لو أن هؤلاء يعني أصحاب المسائل الذين يسألون ويكثرون من السؤال: أرأيت وأرأيت، لو كانوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لكان عامة الآيات تنزل في القرآن «يسألونك» يعني عن كذا، فيأتي الجواب. وهذا فيه ذم لهؤلاء لهؤلاء السائلين الذين يكثرون الأسئلة والمسائل والسؤال عن الآراء. وكأنه يقول: ما كان هذا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان الصحابة رضوان الله عليهم -وهم خير هذه الأمة- يسألون مثل هذه المسائل. ولهذا مر معنا في أثر ابن عباس: أن مسائل الصحابة كانت قليلة، حتى أن الآيات التي نزلت فيها «يسألونك» معدودة، آيات معدودة، قدر سبع أو عشر آيات التي نزلت فيها «يسألونك». فهو يقول: لو كان هؤلاء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لانزلت أكثر القرآن «يسألونك». وهذا ذم لهم لكثرة مسائلهم. قال رحمه الله: «وأخبرنا إسماعيل بن أبان، قال أخبرني محمد بن طلحة عن ميمون أبي حمزة -واسمه سلمة، وهو متروك الحديث- قال: قال لي إبراهيم: يا أبا حمزة، والله لقد تكلمت ولو وجدت بدلا ما تكلمت، وإن زمانا أكون فيه فقيه أهل الكوفة زمان سوء». هذا الأثر ضعيف، بل شديد الضعف؛ لأن ميمون أبي حمزة متروك الحديث، كما قال الحافظ رحمه الله في التقريب. وإذا صح هذا الأثر، فهو محمول على من باب التواضع، يعني قال هذا تواضعا، وإلا فإبراهيم النخعي إمام. وقول إبراهيم: «إن زمانا أكون فيه فقيها أهل الكوفة زمان سوء»، هذا من تواضعه، وإلا فهو أهل لذلك أن يكون فقيها لأهل الكوفة وإماما من أئمة أهل العلم في زمانه رحمه الله. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.