الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 187، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان عمر بن الخطاب يدعو الله أن يتوفاه مع الأبرار، وقد وافق القرآن رأيه في عدة مواضع. هذا يدل على فضل عمر واهتمامه بطاعة الله.
الأبرار هم الطائعون لله الذين يقومون بأوامره ويجتنبون نواهيه، ويشمل ذلك الأنبياء وأتباعهم. أبو بكر الصديق هو من أعظمهم.
دعا أبو بكر الصديق الله ألا يكون مع الأشرار وأن يلحق بالأخيار من الأنبياء والصديقين. الجنة درجات ويرجو أبو بكر المنزلة العالية فيها.
دعاء الفردوس الأعلى من الجنة مهم، وقد ورد في قول النبي وأحد أدعية عمر بن الخطاب. هذا يدل على أهمية السعي لنيل الدرجات العلى في الجنة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عمر بن عبد الله، وهو ابن حنش الأودي الصدوق، أبو معاوية -يعني كنيته-، عن أبي معاوية، أبو معاوية، طيب، عمر بن عبد الله، أبو معاوية النخعي، قال: حدثنا مهاجر أبو الحسن، وهو التيمي الصاغ، ثقة، عن عمر بن ميمون الأودي، وهو أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى، وهو من المخضرمين. قال فيه الحافظ رحمه الله في التقريب: ثقة عابد، عن عمر -وهو من القطاب الصحابي الجليل، ثاني الخلفاء الراشدين، واحد العشرة المبشرين بالجنة- وهم قد جمعوا في قول القائل للمصطفى: خير صحب نص أنهم في جنة الخلد نصا، زادهم شرفا هم طلحة وابن عوف والزبير مع أبي عبيدة والسعدين والخلفاء، قال: أنه كان فيما يدعو: "اللهم توفني مع الأبرار، ولا تخلفني في الأشرار، وألحقني بالأخيار". وهذا الأثر صحيح، فكان هذا من دعاء عمر رضي الله تعالى عنه. وعمر -كما هو معلوم- قد وافق القرآن في عدة مواضع، في نزول آية الحجاب حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الحجاب، وهكذا في أخذ الفداء حين أخذه النبي عليه الصلاة والسلام من الأسرى يوم بدر، وقد أشار إليه عمر رضي الله تعالى عنه أن يقتلوا، فنزل القرآن موافقا لرأي عمر رضي الله تعالى عنه. وهكذا أيضا حين حصل ما حصل من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، لما تمالأنا وأردنا زيادة في النفقة، فقال عمر: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن الآيات، فنزلت موافقة لقول عمر رضي الله تعالى عنه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن يكن في هذه الأمة ملهمون فعمر ابن الخطاب". فكان من دعائه رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: "اللهم توفني مع الأبرار، ولا تخلفني في الأشرار، وألحقني بالأخيار". اللهم توفني مع الأبرار، هذا دعاء يسأل من الله سبحانه وتعالى أن يتوفاه وأن يميته مع الأبرار، والأبرار جمع بار، والبار هو الطائع المطيع لله سبحانه وتعالى، القائم بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ويدخل في ذلك جميع أمور الإيمان والطاعة. كما قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ إلى آخر الآيات. فأخبر الله عز وجل أن البر والطاعة يشمل الإيمان بالله عز وجل، وهو كذلك شامل لجميع أركان الإيمان، وهكذا أيضا الإتيان بالفرائض والواجبات من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر عند الشدة وغير ذلك من أمور الطاعة. فكان يقول رضي الله تعالى: "اللهم توفني مع الأبرار"، يعني أن يميته مع أهل البر والطاعة. وهذا اللفظ العام يدخل فيه دخولا أوليا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أعظم الناس برا لله سبحانه وتعالى، ثم كذلك يدخل بعده أتباع الأنبياء وأعظمهم متابعة، وكذلك اقتداء بهم، وهم أصحابهم، ومن كان ممن هو متبعا لهم، ومن أولئك يدخل فيهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فهو خير هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا قوله: "ولا تخلفني في الأشرار"، يعني لا تجعل وفاتي وموتي أو مصيري مع الأشرار، وهم عكس الأبرار، الأشرار الذين تركوا طاعة الله سبحانه وتعالى وارتكبوا معصية الله وخالفوا أمر الله عز وجل، فهو يدعو رضي الله تعالى عنه ألا يكون معهم، وكذلك أن يكون مصيره كمصيرهم، ويدخل في ذلك جميع الأشرار، وأولهم الشيطان، فهو أول من يدخل في ذلك، ثم كل من كان متبعا لشيطان. قال: "وألحقني بالأخيار"، يعني اجعل مصيري ومنزلتي في الآخرة مع الأخيار، والأخيار كذلك يدخل فيه دخولا أولي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم خير خلق الله سبحانه وتعالى، ومنزلة الأنبياء في المنازل العالية في الجنة. وهكذا أيضا من كان متبعا لهم مقتديا بهم، فإن مصيره كذلك أن يكون في المنازل العالية في المنازل الأنبياء، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾. فكان يدعو رضي الله تعالى عنه أن يلحق بهم، مع أنه قد بشر رضي الله تعالى عنه بالجنة، وفي الدنيا بشره النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، كما في حديث سعيد بن زيد حين قال عليه الصلاة والسلام: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة". وفي حديث أبي موسى كذلك في الصحيح، حين دخل عليه وكان على الباب أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام حين سمح له بالدخول: "إذن له وبشره بالجنة". لكن أراد رضي الله تعالى عنه المنزلة العالية في الجنة، لأن الجنة منازل ودرجات، وأعلاها الفردوس الأعلى. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "إذا سأل أحدكم الجنة فليسأل الفردوس الأعلى، فإنها أعلى الجنة، وسقفها عرش الرحمن". فهذا الدعاء من الأدعية الطيبة المأثورة عن هذا الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. إلهنا والله تعالى أعلم.