الخطبة بعنوان اغتنم خمسا قبل خمس، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 3 محرم 1445هـ الموافق 21 يوليو 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يوصي الحديث النبوي بضرورة اغتنام النعم مثل الشباب والصحة والفراغ قبل زوالها واستغلالها في طاعة الله. يشير إلى أهمية شكر الله على هذه النعم.
النبي صلى الله عليه وسلم حث على اغتنام نعمة الصحة والفراغ في طاعة الله، وكان يدعو ربه بالتمتع بهما. يشدد على أن كثيرًا من الناس يغبن في هاتين النعمتين.
ينبغي على المسلم استغلال نعم الله مثل الغنى والشباب في طاعته وأداء حقوق الله منها، وتحسين عمله ليكون من خيار الناس. كما يجب استغلال الأوقات الفاضلة في الطاعات.
يتضمن المقطع الصلاة على النبي ودعاء للمصلين بالرعاية الإلهية عند قيامهم للصلاة، ويُنهي بطلب الرعاية من الله للمصلين. يُظهر أهمية الصلاة والتوجه إلى الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن مما صحت به الأخبار عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اغتنم خمسًا قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». في هذا الحديث العظيم، والذي يخبرنا فيه رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن أجل النعم وأفضل المنن التي يعطيها الرب لأحدنا، فيتمتع بها في هذه الحياة الدنيا: نعمة الشباب، ونعمة الصحة، ونعمة الفراغ، ونعمة الغنى، ونعمة الحياة. وإن الإنسان ينبغي أن يستغل هذه النعم فيغتنمها، ويستغلها ولا يفرط فيها، ولا يضيعها. وإن من عظيم ما تستغل به هذه النعم أن يستغلها المرء في طاعة مولاه، وفيما يعود عليه نفعه في دينه ودنياه، وهذا هو مقام الشكر لله، كما قال ربنا جل في علا: ﴿فَبِاللَّهِ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فمقام الشكر أن تستغل النعم في طاعة رب العالمين. وفي الحديث إشارة إلى أن النعم لا تدوم بحال، فإن دوام الحال من المحال، وصدق الله حيث قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. وإن من أوائل هذه النعم التي جاء ذكرها في الحديث: «اغتنم خمسًا قبل خمس، اغتنم شبابك قبل هرمك». نعمة الشباب هو سن الفتوة، سن النشاط والقوة، سن الجد والاجتهاد والبذر والعطاء، هو السن التي قامت عليه البلدان، وعمرت عليه الأوطان. أن يكون على سواعد الشبان. ولعظيم نعمة الشباب، فإن الله جل وعلا سيسألنا عن هذه النعمة يوم القيامة، كما جاء في السنن: «لا تزولا قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وذكر من هذه الأسئلة: وعن شبابه فيما أبلاه». سنُسأل عن هذا السن كيف مضى وانقضى، أين ذهب وولى؟ وإن الإنسان متى ما حافظ على شبابه، وذلك بطاعة ربه والقيام بشؤون خلقه، فإن الله جل وعلا يعظم له الأجر، ويعظم له الثواب والأجر، ويغدق عليه بالفضل والثواب الكثير. ففي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ومن هؤلاء: «وشاب نشأ في طاعة الله». فالله الله يا عبد الله، يا من تتمتع بهذا السن، اغتنمها في طاعة ربك. وأما النعمة الثانية التي جاء ذكرها في هذا الحديث: «واغتنم صحتك قبل مرضك». نعمة الصحة، وهو ما يجده الإنسان من قوة في الأجساد، وصحة في الأبدان، نعمة لم يتفطن لها الكثير من العباد. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». هذه النعمة نعمة الصحة، لا يستشعر بها الواحد منا إلا إذا افتقدها. وكما قيل: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى. ولعظيم مقام الصحة في الأبدان والأجساد، كان نبينا عليه الصلاة والسلام كثيرًا ما يسأل ربه جل وعلا أن يمده بالصحة والعافية والسلامة من الآفات والعاهات. فكان من دعائه صلوات ربي وسلام عليه: أنه كان يدعو ويقول: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة». «اللهم إني أسألك العفو - وهي المجاوزة عن السيئات - وأسألك العافية - وهي السلامة من الآفات». وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا». وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري». هكذا كان يتضرع نبينا لله جل في علاه في الاستمداد منه أن يكون قوي البدن، سليم الجسم من الآفات والعاهات، لأن الإنسان بصحة بدنه يؤدي ما لا يؤديه المرضى من العبودية لله والقيام بشؤون خلقه. وأما النعمة الثالثة التي جاء ذكرها في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «واغتنم فراغك قبل شغلك». نعمة الفراغ، الفراغ أن يجد الواحد منا متسعًا من وقته بفعل ما يحلو له، نعمة عظيمة. ولهذا جاء ذكرها في حديث ابن عباس: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». الفراغ نعمة عظيمة. وإن من أعظم ما تستغل به أوقات الفراغ أن تستغل في طاعة الله جل في علاه، كما قال جل شأنه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال المفسرون: إذا فرغت من مشاغل الدنيا ومن همومها، وجدت فراغًا لك، فاجعله انتصابًا لله بأداء الطاعات والعبادات. هنا يكون الفراغ أن يستغل في طاعة الله جل في علاه، لا بإضاعة الأوقات أو ما يسمى في هذه الأزمان «بقتل الأوقات». بل إن العبد ليحاسب على كل دقيقة وكل ثانية تمر عليه من غير استغلال. فما ظنك بما قاله عليه الصلاة والسلام: «ما جلس قوم مجلسًا ثم قاموا عنه ولم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة». إذا كان هذا المجلس مر عليك يا عبد الله بالترهات وبالكلام الفارغ، ولم تذكر الله عليه إلا كان عليك حسرة يوم القيامة. فما ظنك بالساعات؟ وما ظنك بالأيام التي تجري وتنقضي من غير أن تستغل بشيء؟ فما ظنك إذا كانت الأوقات تمضي بمعصية الله جل في علاه؟ فالأمر أشد وأنكى. فالله الله يا عبد الله في استغلال الفراغ، كهذه الإجازات ومن غيرها من الأيام والأوقات، أن تجعل نصب عينيك أن تستغلها في طاعة ربك، وما يعود عليه نفعك في دينك ودنياك وأخراك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلنتزن عباد الله في هذا الحديث الصحيح، والذي رواه الإمام الحاكم في مستدركه وغيره، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك». ثم ذكر عليه الصلاة والسلام النعمة الرابعة: «واغتنم غناك قبل فقرك». نعمة الغنى، إن الواحد منا لو وجد من نفسه أن الله جل وعلا قد رزقه ستر الحال، ويسر له شيئًا من المال، فليعلم حينها أن الله جل وعلا قد فضله على كثير من الأنام. فحينها ينبغي أن تؤدي شكر هذه النعمة العظيمة والمنة الجليلة، وذلك بأن تسخر ما حباك الله به من المال بأداء حق الله من الواجبات، من إخراج النفقات والزكوات، أو أن تؤدي حق الله المرغب فيه من أداء الصدقات والهبات. وليَعلم المسلم أن باب الصدقة والنفقة لا يحتم علينا أن نكثر أو ننفق الكثير من الأموال، بل إن الله جل في علاه يرضى باليسير منا. ألم يقل نبينا عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، يا عبد الله تصدق بها، يقبلها الله منك»؟ فيحرم وجهك عن النار. ومن ذا الذي يعجز منا عن ذلك؟ لكنه البخل والشح في جنب الله جل في علاه. واعلم يا عبد الله وأنت في مضمار النفقة والصدقة أن تحرص على الأولوية، كما قال عليه الصلاة والسلام: «اليد العليا خير من اليد السفلى». وابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك. فاحرص يا عبد الله على ما رزقك الله به من مال أن تخرج فيه حق الله جل وعلا من الفرائض والواجبات، ومن النوافل والمستحبات مما رغب به الإسلام من النفقات. وأخيرًا من النعم التي جاء ذكرها في الحديث: «واغتنم حياتك قبل موتك». نعمة الحياة، هي الأس والأساس في النعم، أن يمد الله جل وعلا في عمرك. كم من أناس هم أشد منا حرصًا على أن يتواجدوا بيننا وينعموا بما ننعم به من نعمة الحياة، لكن سبقتهم الآجال، ووافتهم المنية، وقضوا نحبهم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فكتب عليهم الموت والفناء، فأصبحوا من أهل القبور، بينما نحن فها نحن عباد الله نرتع ونلعب في هذه الدنيا. هي نعمة الحياة، ولا تظن يا عبد الله أن الحياة بحد ذاتها نعمة لا، وإنما هي نعمة فيما تستغل فيه، وفيما تعمر فيه. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخياركم؟» قلنا: «بلى يا رسول الله»، قال: «خياركم أطولكم أعمارًا، أحاسنكم أعمالًا». هنا العبرة في نعمة الحياة أن يطال في عمرك، وأنت يا عبد الله تزداد في العمل الصالح. قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وفسد عمله». عباد الله، فالله الله في هذه النعم التي جاء ذكرها في هذه الأحاديث، فإنها لا تدوم لنا، فينبغي أن تستغل في طاعة الله، وبما يعود عليه نفعه في ديننا ودنيا. ألا وإننا في هذه الأوقات، وفي هذا الشهر بالذات، في شهر الله المحرم، شهر كان عليه الصلاة والسلام يشتد فيه في الطاعات والعبادات، فكان يكثر من صيامه تعظيمًا لشأنه. فالله الله يا عبد الله باستغلال هذا الشهر، بل وهكذا سائر الأوقات والأعمار، فإنها ينبغي أن تستغل في طاعة الله، بما أنعم الله علينا من نعم: من نعمة الشباب، ومن نعمة الصحة، ومن نعمة الفراغ، ومن نعمة الغنى، ومن نعمة الحياة، ينبغي أن تكرس شكرًا لله جل وعلا. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم مغفرة للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.