الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح ابن عثيمين معنى الوعظ في حديث العرباض بن سارية، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة. وقد تأثر الصحابة حتى خافت قلوبهم وذرفت عيونهم، فسألوها وصية مودع فأوصاهم بتقوى الله وعرّفها بأنها وقاية من عذابه بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
يشرح المقطع معنى التقوى بأنها فعل المأمور وترك المحظور، ويؤكد وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف حفظاً للأمن والمصالح. وتكون طاعتهم مقيدة بطاعة الله ورسوله، ولا يجوز الخروج عليهم إلا بظهور كفر بواح مع القدرة على التغيير.
يشرح المقطع أن مقتل عثمان رضي الله عنه كان بداية للفتن وظهور الفرق الضالة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد الداء والدواء. والنجاة من الفتن تكون بالتمسك الشديد بسنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين مع التحذير من محدثات الأمور والبدع.
أشار الشيخ إلى صحة الحديث بتصحيح الألباني والوادعي، ثم أعلن الاكتفاء بهذا القدر من الشرح. وأجل ذكر الفوائد المستنبطة من الحديث إلى الدرس القادم.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد: نقرأ شرح العلامة ابن عثيمين رحمه الله على حديث العرباض بن سارية. قال: "قوله: فوعظنا". الوعظ هو التذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة، ولا يكثر عليهم مخافة السآمة. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يتخول أصحابه بالموعظة. ما معنى يتخول؟ يعني: يذكرهم بالموعظة أحيانًا، ليس دائمًا وأبدًا. التخول هو حدوث الشيء بعد فترة، ليس على سبيل الاستمرار والدوام. فالنبي صلى الله عليه وسلم من مواعظه... والموعظة كما قال: التذكير المقرون بالترغيب والترهيب. والموعظة هي ما تلين له قلوب المؤمنين، وهذا يكون بالترغيب والترهيب؛ يعني: بذكر آيات فيها الترغيب في رحمة الله، في مغفرة الله، في جنة الله، في رضوان الله، وآيات فيها ترهيب. والترهيب هو التخويف بآيات الوعيد، بذكر آيات النار، وأخذ الظالمين، وكذلك ما وعد الله من العقوبات لأهل الكفر والعصيان. كل ذلك من باب التخويف والترهيب. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتخول أصحابه بالموعظة. وهكذا ينبغي أن يكون الداعية إلى الله: لا يجعل دعوته دائمًا وأبدًا مواعظ. لا، الموعظة أحيانًا. ولذلك شرعت خطبة الجمعة في الأسبوع مرة واحدة. وخطبة الجمعة هي وعظ، الأصل أنها تكون وعظًا، تذكيرًا، تذكر الناس بما يحتاجون إليه. فداعي الله عز وجل لا يجعل دعوته وعظًا دائمًا وأبدًا، وإنما يتخول الناس. لا بأس: خطبة جمعة، محاضرة في الأسبوع، وبقية الأيام يعلمهم الفقه والعقيدة والعلم الشرعي. أما المواعظ والتذكير بالترغيب والترهيب فهذا يكون أحيانًا. قال: "قوله: وجلت منها القلوب". أي: خافت، لأنها موعظة بليغة، كما وصفت في بعض روايات هذا الحديث: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة". يعني: موعظة جامعة، فيها قوة في الألفاظ وفصاحة وبلاغة، وكذلك فيها تخويف حتى خافت منها القلوب. "وجلت منها القلوب": أي خافت منها القلوب. "وذرفت منها العيون": أي بكت حتى ذرفت دموعها. وهذا فيه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتأثرون بالموعظة لسلامة قلوبهم ولصفائها، وبعدها عن الران وعن القسوة. فكانت قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم لينة، خاشعة، ساكنة، مطمئنة، فتتأثر بالوعظ والتذكير. قال: "فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا". لأن موعظة المودع تكون موعظة بالغة قوية. فعلم الصحابة أن هذه الموعظة ليست كغيرها من الموعظ، بل هي كأنها موعظة مودع، مثل ما يودع الإنسان أحبابه وأصحابه وأهله، فإنه يجتهد لهم في النصح وفي التذكير. فقالوا له: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. يأتي لنا بوصايا، حتى إذا مات انتفعنا بهذه الوصايا واستفدنا منها. قال: "فأوصنا". قال: "أوصيكم بتقوى الله عز وجل". وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم، أنهم استغلوا هذه الفرصة ليوصيهم النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه الخير. فانظر كيف استغل الصحابة رضي الله عنهم هذا الموقف، فطلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام الوصية، وهذا يدل على ذكائهم وحرصهم رضي الله عنهم. قال: "أوصيكم بتقوى الله عز وجل". قال: "وتقوى الله: اتخاذ وقاية من عقابه، بفعل أوامره واجتناب نواهيه". وهذا حق الله عز وجل، وهي أعظم وصية. ولذلك من طلب منه الوصية استحب له أن يبدأ بهذه الوصية، أن يوصي بتقوى الله، لأن تقوى الله هي رأس الأمر، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. فهي وصية الله للأولين والآخرين. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يوصي بها أصحابه في مثل هذا الحديث، وفي تجهيزه للجيوش: إذا أرسل أحدًا من أصحابه، فكان أول ما يوصيه بماذا؟ بتقوى الله. لأن معنى تقوى الله: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله. وكيف تتخذ وقاية من عذاب الله؟ بفعل ما أمر الله عز وجل به، وترك ما نهى عنه. هذه هي التقوى. ومدار العلماء في تعريفها يرجع إلى هذا المعنى. ولذلك يقول طلق بن حبيب رحمه الله تعالى: "تقوى الله هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله". هذه هي تقوى الله: العمل بالأمر، وترك النهي، طاعة لله عز وجل. وهذا حق الله: أن تتقي الله، هذا حق الله. قال: "والسمع والطاعة". يعني: لولاة الأمور. أي: اسمعوا ما يقولون وما به يأمرون، واجتنبوا ما عنه ينهون. "وإن تأمر عليكم عبد": يعني وإن كان الأمير عبدًا، فاسمعوا له وأطيعوا. وهذا هو مقتضى عموم الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾. فطاعة ولاة الأمور كذلك من الوصايا المهمة. ولذلك كل ما أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث فهو من الأمور المهمة، لأنهم طلبوا منه الوصية، وكانت موعظة مودع، فاجتهد لهم عليه الصلاة والسلام في الوصية. فالسمع والطاعة لولاة الأمور فيه مصالح عظيمة: منها حفظ الأمن، وحفظ الدماء، وحفظ الأعراض، وحفظ الأموال. فلو أن الناس تجرؤوا على ولي الأمر، لصار المجتمع في فوضى. فيطاع ولي الأمر في طاعة الله، لأن به تحفظ البلاد، وبه تحفظ الأموال والدماء والأعراض. فلذلك أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بطاعته، وإن كان ظالمًا جائرًا، فظلمه على نفسه. ولا يطاع إلا في الطاعة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ما قال: "وأطيعوا أولي الأمر منكم"؛ لم يكرر الفعل. لماذا لم يكرر الفعل؟ عند طاعة الله أتى بالفعل: قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾. وعند طاعة الرسول كرر الفعل: قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. وعند طاعة ولي الأمر قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، ما قال: "وأطيعوا أولي الأمر منكم". لماذا؟ قال المفسرون والعلماء: لأن طاعة الله وطاعة رسوله طاعة مطلقة، لأنهم لا يأمران إلا بما فيه خير لهذا الإنسان، فوجب عليه الأخذ بطاعتهما. بخلاف طاعة ولي الأمر، فإنها طاعة مقيدة، ليست مطلقة، لأنه قد يأمر بالشر، وبالمعصية، وبالمخالفة، فتكون طاعته مقيدة بطاعة الله، ليست مطلقة. فإن كانت طاعته ليس فيها مخالفة لطاعة الله ولا لطاعة رسوله، فهنا يطاع. وإذا كانت مثلًا كان أمره وطاعته فيها مخالفة لأمر الله ولأمر رسوله، فإنه لا يطاع. إنما الطاعة في المعروف. فطاعة ولي الأمر طاعة مقيدة، ليست مطلقة. فلذلك أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، لأنه أمر مهم جدًا. إلا إذا كان كافرًا، ظهر منه الكفر البواح، كما في حديث عبادة بن الصامت: ﴿إِلَّا أَن تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِندَكُم مِّنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ﴾. فهنا يجوز الخروج عليه، بشرط الاستطاعة والقدرة. بشرط الاستطاعة والقدرة: يعني أن الخارجين عليه عندهم قدرة على إزالته والتغلب عليه. أما إذا لم يكن عندهم قدرة، وستحصل مفاسد عظيمة، فكذلك لا يجوز الخروج عليه. لا لأن أصل الخروج لا يجوز، ولكن لما يترتب على هذا الخروج من مفاسد. والشريعة تأمر بتحقيق أعلى المصالح ودرأ المفاسد. ودرأ المفاسد واضح؟ قال: "قوله: فإنه من يعش منكم". أي: من تطول حياته، فسيرى اختلافًا كثيرًا. ووقع ذلك كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فإذن هذا الحديث يعد من دلائل النبوة. هذا الحديث يعد من دلائل النبوة، إذ أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأمر غيبي، فحصل كما أخبر عليه الصلاة والسلام. فهذا فيه علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. ووقع ذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حصل الاختلاف الكثير في زمن بقية الصحابة رضي الله عنهم. ثم أمر صلى الله عليه وسلم بأن نلتزم بسنته. يعني: لما قتل عثمان رضي الله عنه، بدأت الفتن، مجيء الخوارج، ثم تولى علي رضي الله عنه، فوقع خلاف بين الصحابة، بين معاوية وعلي. تعرفون حدثت بعض المعارك: معركة صفين، ومعركة الجمل. هذه كانت بين الصحابة، فتنة واختلاف. سلم الله عز وجل من سلم من الصحابة في هذه الفتنة. فالمهم أنه حدث الخلاف، ثم ظهرت الفرق الضالة: من المعتزلة، ومن المرجئة، وهكذا ظهرت فرق بعد ذلك إلى زمننا هذا. والاختلاف في هذه الأمة، وهذا مرض قد أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن لم يتركنا هملًا عليه الصلاة والسلام، بل بيّن لنا الداء، ووضع لنا الدواء. فقال: ﴿فَإِنَّهُ مَن يَعِشْ مِنكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. هذا هو الداء، المرض. ما هو العلاج؟ ﴿فَعَلَيْكُم بِسُنَّتِي﴾. هذا هو العلاج. لذلك قال الشيخ ابن عثيمين: "ثم أمر صلى الله عليه وسلم بأن نلتزم بسنته". أي: بطريقته، وطريقة الخلفاء الراشدين المهديين. والخلفاء الذين خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمته علمًا وعبادة ودعوة، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم. فأنت تلزم سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وممن قام بالسنة حق قيام واتبعها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة. فأنت تلزم طريقة النبي عليه الصلاة والسلام، وطريقة أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ومن تبعهم بإحسان إلى زمننا هذا، من العلماء الأجلاء، أتباع النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا هو المخرج من الاختلافات. الآن كثير من الناس يقول: كثر الاختلاف، وما ندري نتبع من، والأمور ازدادت، وكذا وكذا. العلاج موجود، العلاج موجود. هذا من جهله، يقال له: نعم، كثر الخلاف، وهذا قد أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام. لكن أنت أنظر إلى حالك: هل أنت أخذت بالهدي النبوي في علاج هذا الخلاف؟ هل أنت على السنة؟ هل أنت لزمت سنة النبي عليه الصلاة والسلام في عقيدتك، في عبادتك، في أخلاقك، في بيتك، في سوقك، في منهجك وسلوكك؟ هل أنت اتبعت النبي عليه الصلاة والسلام؟ فإن كنت كذلك، فستنجو من هذه الاختلافات ومن هذه الفتن، وستهتدي إلى الحق بإذن الله عز وجل. قال: "المهديين": وصف كاشف. لأن كل راشد فهو مهدي. يعني: ليس معناه أن من الخلفاء الراشدين ليس بمهدي. فهذا يسمونها صفة كاشفة في البلاغة. والصفة الكاشفة هي التي تحكي أمرًا واقعيًّا أصلًا، أمرًا واقعيًّا. فالخلفاء الراشدون لا شك أنهم مهديون. فهذا معنى قوله: "وصف كاشف". ومعنى المهديين: الذين هدوا، أي: هداهم الله عز وجل لطريق الحق. فهؤلاء الخلفاء الأربعة هم من الخلفاء الراشدين المهديين الذين هداهم الله للطريق المستقيم. قال: "عضوا عليها بالنواجذ". وهي أقصى الأضراس. ومعنى "أقصى الأضراس": يعني المطاحن الأخيرة، هذه قبل الأخيرة، هذه تسمى نواجذ. وهي كما يقال: أشد ما يكون في القبض. إذا أردت أن تقبض على شيء بفمك، ولا يستطيع أحد أن يخرجه، تقبض عليه بماذا؟ بالنواجذ. تقبض عليه بالنواجذ. بخلاف الأسنان الأمامية، ربما يستطيع أحد أن ينزع منك شيئًا فيها. لكن الأضراس النواجذ لا يستطيع أحد... تقبض عليه بشدة. وهذا فيه كناية على شدة التمسك بالسنة. "عضوا عليها بالنواجذ": يعني تمسكوا بها، ولا تفلتوا منها شيئًا. قال: وهو كناية عن شدة التمسك بها. ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم من محدثات الأمور. ومحدثات الأمور: يعني الأمور المخالفة للسنة، المحدثة الجديدة في الدين، التي ليست من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: "إياكم". أي: حذركم. فـ "إياكم": اسم فعل بمعنى "احذروا". بمعنى: احذروا. "إياكم" أي: حذركم من محدثات الأمور. وكل ما أحدث في الدين بلا دليل شرعي. وذلك أنه لما أمر بلزوم السنة، حذر من البدعة. وقال: ﴿فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾. فالبدعة: كل طريقة مخترعة، محدثة، لم تكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "رواه داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح". وحديث صحيح، صححه أئمة، من الألباني والوادعي رحمهم الله تعالى. طيب، نكتفي بهذا، والفوائد نؤجلها إلى الدرس القادم. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.