الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 71، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُستدل من حادثة الإسراء والمعراج على علو الله تعالى، وتشير إلى صعود النبي إلى ربه في العلو. تُثبت الأدلة علو الله جل وعلا.
تتناول الأدلة على علو الله من القرآن والسنة والإجماع والعقل، وتستدل بالآيات والأحاديث على علو الله وتشير إلى إجماع السلف ودور العقل في إثبات علو الله.
يشرح كيف أن الفطرة الإنسانية تدل على علو الله، وأن الناس يرفعون أيديهم إلى السماء عند الدعاء، وهذه الفطرة تظهر في سلوك الناس وتصرفاتهم اللاإرادية.
يختم الخطيب بالدعاء بأن ينفع الله المستمعين ويصلي على النبي وآله وصحبه، ويطلب من الله أن يجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في الدروس الأخيرة من دروس السيرة، في ذكر منظومة المؤلف رحمه الله تعالى، كان من آخر ما توقفنا عنده ما يتعلق بمسألة الإسراء والمعراج، وذكرنا المسائل الكثيرة المتعلقة بهذا المبحث من الأحداث المهمة المتعلقة بسيرته عليه الصلاة والسلام. وكان في ختام بحثنا ما يتعلق بذكر الفوائد والمسائل التي يستفيدها كل مسلم ومسلمة. وإن مما أختم به هذا المقام بذكر فائدة عظيمة، وهي من أعظم ما تستفاد من حادثة الإسراء والمعراج، وهي مما ينبغي أن يكون في البال وأن يكون في الحسبان في حق كل من تلى وقرأ الآيات والأحاديث والأخبار المتعلقة بحادثة الإسراء والمعراج، أن تبقى هذه الفائدة دائمًا وأبدًا نصب عينيه، ألا وهي فائدة علو الله جل في علا. فهي من أعظم ما يستفيده أهل الإسلام من هذه الحادثة، بأنك تعلم يا عبد الله بأن الله جل وعلا في العلو سبحانه وتعالى. فها هي هذه القصة التي ما من أحد من صغير ولا من كبير ولا ذكر ولا أنثى، وهو يقرأ ما كان من أمره عليه الصلاة والسلام، وهو يرتقي من سماء إلى سماء، من سماء إلى سماء، حتى أصبح قاب قوسين أو أدنى، فبلغ إلى صدرة المنتهى، فهناك أوحى إلى عبده ما أوحى. من الذي أوحى لنبيه؟ هو الله جل في علاه، أوحى لرسوله جل وعلا، أين؟ وهو في العلو سبحانه وتعالى. ثم ما كان من نزوله عليه الصلاة والسلام إثر تحمله الأحكام الشرعية، فإذ بموسى عليه السلام يوصي نبينا في مسألة التخفيف في أمر الصلاة، فعرج وصعد نبينا، أين؟ إلى ربه جل وعلا، يسأله التخفيف. ثم كان في نزول إلى أن طلب منه موسى أن يسأل ربه التخفيف، فصعد إلى أين؟ إلى ربه سبحانه وتعالى. فهذه الحادثة، إخواني في الله، بكل تفاصيلها وبكل حذافيرها، تدل على أن الله جل وعلا في العلو سبحانه وتعالى. وهذه الحادثة، إخواني في الله، ليست هي الدليل الوحيد الذي يدل على علو الله، بل إن أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، كل مصادر الأدلة تدل على علو الله جل فعلا. حتى ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن علو الله مستفاد من ألف دليل. فأما إن جئت من أدلة القرآن، فالأدلة كثيرة جدًا، بل كما يقول العلماء: أن ما من آية فيها ذكر اسم الأعلى لله جل وعلا إلا وفيها صفة العلو، كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ربنا الأعلى، أي الذي له العلو سبحانه وتعالى. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، فربنا له العلا، وهو العلي. وإن من علو الله ما يكون من علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، وهذه الأنواع الثلاث من أنواع العلو يثبتها أهل السنة لله. فالله عال في قدره، وهو عال في قهره، وهو عال في ذاته على جميع خلقه سبحانه وتعالى. فإسم الله العلو والعلي فيه إثبات لعلو الله جل وعلا. وهكذا ما من آية فيها أن الأشياء عنده إلا دلت على علو الله عز وجل، أو أن الله أنزل الأشياء من عنده، فيها إثبات لنزول لعلو الله جل وعلا. من ذلك ما دلت الآيات القرآنية على أن القرآن نزل من عند الله، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، نزله من أين؟ نزله الله جل وعلا من عنده. والنزول هو الانتقال من العلو إلى الدون، فالقرآن نزل من عند الله جل وعلا. فكل آية فيها ذكر النزول من عند الله دال على علو الله. وهكذا الآيات التي فيها الرفع، بأن الله عز وجل رفع الأشياء عنده، دالة على علو الله، كما في قصة عيسى عليه السلام، حين رفع الله عيسى إلى أين؟ قال جل في علاه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. وكلنا قد قرأ قصة عيسى عندما تآمر عليه اليهود بالوشاية في سبيل قتله وحبسه، إلا أن الله جل وعلا كشف مخططات اليهود، فرفع عيسى أين؟ رفعه إليه، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. وكلنا يعلم أن عيسى رفع إلى السماء، فهو عند الله جل وعلا في العلو. وهكذا الآيات التي تدل على أن الله في السماء، كقول سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي من في العلو، وهو الله جل في علاه. وهكذا الآيات التي تدل على العروج وعلى الصعود إليه، ﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ إِلَيْهِ﴾، إلى من؟ إلى الله، ما الذي يصعد؟ الكلم الطيب، ما كان من تسبيحك، ما كان من ذكرك، ما كان من تلاوتك، كل كلمة طيبة أين تذهب؟ تصعد إلى أين؟ إلى الله. وهكذا العروج، وهو بمعنى الصعود، كل آية وكل حديث فيه معنى الصعود، فهو دلال على علو الله جل وعلا. والأدلة كثيرة جدًا تصل إلى مئات الآيات القرآنية التي تدخل تحت هذه الأنواع. وإن جئت يا عبد الله إلى أدلة السنة، فاعلم أن السنة بأقسامها الثلاث: السنة القولية، والسنة الفعلية، والسنة التقريرية، كل واحد على حدة تدل على علو الله جل فعلا. أما من السنة القولية، ففي قوله عليه الصلاة والسلام، كقوله: «إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش»، إن رحمتي سبقت غضبي. وهكذا من الأدلة من سنة عليه الصلاة والسلام ما كان من السنة الفعلية، وذلك حينما خطب مثلًا في خطبة الوداع، وفي حجة الوداع، عندما خطب بأصحابه، فكان من أمره أن قال: «ألا هل بلغت؟» ثم رفع أصبعه إلى السماء، قال: «اللهم اشهد»، إشارة إلى أن ربه جل وعلا في العلو بفعله. وأيضًا كذلك في السنة التقريرية دلالة على ذلك، كالحديث المشهور والذي رواه مسلم في صحيحه، في قصة تلكم الجارية التي سألها نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: «أين الله؟» قالت: «في السماء»، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وهذا الحديث صحيح، على رغم كل حاقد وحاسد، فلا يأتينا متهوك لا يعرف شيئًا في قسم الحديث وفي علله، فيتقفز على صحيح مسلم وينتقد هذا الحديث، ولم ينتقده أهل العلم. وهذا الحديث فيه بيان لفائدتين عظيمتين، أولاهما الجواز بسؤال: أين الله؟ تجد من المبتدعة من يأنف، بل من يغضب، وأن هذا السؤال ما يطرح، لا أطرح هذا السؤال، ولا بأس أن يتربى الأطفال كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن الصبي يلقى في صغره: أين الله؟ يلقى في صغره: أين الله؟ فإن ذلك من سنته عليه الصلاة والسلام، إذ سأل الجارية: «أين الله؟» فلما أجابت، قالت: «في السماء»، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وهذه الفائدة الثانية، وهي الشهادة بالإيمان لمن أثبت علو الله جل فعلا. فدعنك يا عبد الله التخبطات، يا من إذا سئل: أين الله؟ قال: ها ها لا أدري، أو قيل له: أين الله؟ قال: الله في كل مكان، أو أين الله؟ الله لا مكان. دعنك فلسفة يا عبد الله، وأجب بما ذكره الله في كتابه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وأجب يا عبد الله بما كان في سنة عليه الصلاة والسلام، حين قالت الجارية: «الله في السماء»، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وهكذا الدليل الثالث: الإجماع، فإن العلماء قد تواترت عنهم نقل إجماع السلف على مسألة علو الله جل وعلا، ما يعرف عن أحد قط من سلف الأمة من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من أتباعهم، من خرج عن هذه المنظومة في إثبات صفة علو الله جل وعلا. كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أنه من تأمل في القرآن من أوله إلى آخره، ونظر في السنة من أولها إلى آخرها، وتأمل في أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم، كلها ناطقة بعلو الله، كلها ناطقة بعلو الله. وقد ألف الإمام العلامة الذهبي رحمه الله تعالى رسالة العلو، والتي ذكر فيها الأدلة الكثيرة في سرد الأدلة من القرآن والسنة، ومن آثار السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومن أقوال الأئمة المتبوعين المشهورين، كلهم على إثبات علو الله جل وعلا. وقد ذكر الإجماع ابن عبد البر، وأبو عمر الطلمنكي، وهكذا شيخ الإسلام، وابن القيم، وجماعات من الأئمة، أثبتوا علو الله بالإجماع. وكذلك الدليل الرابع: ما يكون من دلالة العقل، العقل الصحيح، العقل الصريح، يدل على أن الله جل وعلا له العلو، الله له العلو، لأن العلو صفة كمال. الواحد منا لو أراد أن يضرب مثلًا بالمنزل المرموقة، ما وجد صفة لهذه المنزل المرموقة بمثل العلو. يا أخي، خذ المنزل العالية، لماذا كلمة العالية تأتي على الألسن بما بالمدح والكمال؟ لأن هذا الذي العقل يدل عليه. كلما كان الرجل عاليًا، سواء كان علوًا حسيًا أو علوًا معنويًا، فهو دلالة على كماله، بخلاف النزول والهبوط والدنو، فهذا صفة نقص، صفة نقص. فالعلو عند أهل الكمالات، وصفة كمال لله جل وعلا. وكذلك خامسًا: دليل الفطرة، الفطرة السوية، الفطرة الإنسانية، إن تركت بعيدة عن الجدل وعن الفلسفة الذي يتلقاها الناس غصبًا وكرها، لكانت النفس السوية تصيح بأصحابها بأنها تهفو إلى رب عال في علاه جل في علاه. هكذا النفس، أنت يا عبد الله إذا ألقت بك الأمور، لو ربما وجدت أن طرفك يصعد إلى السماء، لمن تنظر؟ تنظر إلى الله جل وعلا في علوه. وإذا جاءت لك النكبة العظيمة، وأردت أن تستغيث، وأردت أن تلتجئ إلى الله، فإنك تجد لا إراديًا أن اليد تصعد إلى السماء. هل وجدتم أحدًا يا عبد الله من إذا أراد أن يدعو فتح يديه جانبا هكذا، ويدعو الله بجانبه؟ ما أحد يفعل هذا، حتى الذي يقول بأن الله في كل مكان، قل له: كيف تدعو؟ هل تذهب يمنة أو أمامًا أو يسرة؟ لا يا عبد الله، وإنما تبحث عن العلو، لأن الفطر تدعو إلى ذلك. ليس هذا في حق المسلمين، بل حتى في حق الكفار، في حق اليهود والنصارى والزنادقة، وكل رجل مبطل، ليس فقط في باب الدعاء، حتى في باب الهم والغم والضيق والحرج، إذا أراد أن يشكو بثه، لربما صعد كلامه إلى الأعلى، من يناجي؟ يناجي ربه، من الذي هتف في قلبه بأن الله في العلو؟ الفطر الإنسانية. ولهذا لما دخل أبو العلاء الهمداني رحمه الله على رجل من المتكلمين، وهو في مجلسه يقرر مسألة أن الله لا يوصف بمكان، فيقول في مجلسه: أن الله لا داخل العالم ولا في خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا ... ولا ...، فقال له أبو العلاء: رحمك الله، رحمك الله، دعك من هذا الكلام، دعك من هذه الفلسفة، وخطبني ما من عارف قط، ما من عارف قط، قال: يا الله، إلا وتوجه إلى السماء. هذا ناقشني فيه، كل هذا مزروع في أنفسنا. فما كان من هذا الرجل إلا أن صدع بالحق، قال: نعم، حيرني الهمداني، هذه مسألة صحيحة، تحيرنا تحير الذي مهما خرج عن الفطرة، وأراد أن يدلل الناس على أنه ما هناك إله موجود في السماء، لا يعبد الله. الفطرة نحن مثلًا، إخواني في الله، ولا حتى هؤلاء الذين هم يدندنون بأن الله ليس في العلو، ولا نقول أن الله في السماء هو بنفسه، إذا مر فقط مر وراء نعال مقلوبة، لربما ما استطاع أن يمر عليها حتى عدلها، لا أجعلها لا يعدل، لماذا تعدل؟ ما الذي في قلبك وخاطرك يرى أن هذا إلى الأعلى ما يمكن؟ فطرته فطرته. نحن كنا صغارًا، على ما أذكر، كنا إذا لعبنا الألعاب كالجنباز، وجعلنا أرجلنا إلى السماء، كنا ننهى من قبل والدينا: لا تفعل، لا تفعل، أنت تكحل الله، لا تفعل، فطرة في القلوب، حتى العامة الذي ما تلطخوا بعلم الكلام، بعلم الفلسفة، النفوس جبلت على علو الله جل وعلا. فأدلة القرآن، أدلة السنة، أدلة الإجماع، أدلة العقل، أدلة الفطرة، كلها تدل على علو الله. ثم يأتي من يأتي من الخلوف، من المبتدعة الضلال، ثم يريد أن يزحزح الناس عن هذه العقيدة الراسخة، لا يا عبد الله. فحادثة الإسراء والمعراج، والتي بها سمعنا أنهم يدندنون على قضية استعانة الأحياء بالأموات، هذا الذي أنت تفلح فيه، الذي تفلح فيه في مسألة الشبهات، وإنما في أصل القصة، والتي تدل بكل جدارة على أن الله جل وعلا أصعد نبيه إليه، فأوحى إلى نبيه في السماء، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وهو في العلو بالخمسين صلاة، ثم لازالت تخفيف صعودًا ونزولًا حتى وصل إلى خمس صلوات. ثم يأتي هذا المتهوك ويغمض عينيه عن مسألة علو الله جل وعلا. فالحاصل، إخواني في الله، فإن هذه الحادثة، يا من تقرأها، ويا من تنظر إليها، سواء كان في كتاب الله أو في سنة رسول الله أو في أخبار السير، فيمن حق ما يتكون من حق ما يتحدث عن قضية الإسراء والمعراج، اعلم أن من أعظم دلالاتها ما يدل على علو الله جل في علاه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.