الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 73، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بيعة العقبة الأولى كانت بين الرسول صلى الله عليه وسلم واثني عشر رجلًا من أهل يثرب، وتناولت تفاصيل هذه البيعة وأسماء المشاركين فيها وآراء العلماء حول صيغتها. كانت هذه البيعة خطوة هامة في انتشار الإسلام.
بعد بيعة العقبة الأولى، أرسل النبي مصعب بن عمير ليعلم أهل المدينة الإسلام، وانتشر الإسلام بسرعة بسبب عدة عوامل منها طبيعة أهل المدينة اللينة ومجاورتهم لليهود وتوفر بيئة متاحة للدعوة.
بيعة العقبة الأولى كان لها فوائد عديدة منها قبول الناس لدين الإسلام وتأليف القلوب بين الأوس والخزرج، وأهمية العلم في قيام الدين، وفضل مصعب بن عمير في نشر الإسلام بصدقه في دعوته.
المقطع الأخير يشير إلى أهمية صدق الدعوة إلى الله لتحقيق النجاح، ويختم بطلب التوفيق من الله والصلاة على النبي محمد، مؤكدًا على أهمية الإخلاص في الدعوة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا مع قول الناظم رحمه الله تعالى في قوله: «والبيعة الأولى مع اثني عشر من أهل طيبة كما قد ذكر»، وأشرنا في درس أمس كمقدمة لبيعة العقبة الأولى ما كان من اجتماعه، ومن حرصه عليه الصلاة والسلام من الاجتماع بالقبائل والعشائر. وكان من توفيق الله جل في علاه أن التقى نبينا صلى الله عليه وسلم بنفرٍ ممن قدموا من يثرب من المدينة، وهم جماعة من الخزرج، جلس معهم نبينا صلى الله عليه وسلم وعرض عليهم الإسلام فأسلموا، وكان ذلك في السنة الحادي عشر من بعثته صلوات ربي وسلامه عليه. ثم بعد ذلكم، عندما رجع هؤلاء النفر وكانوا ستة من الخزرج، عندما رجعوا إلى بلادهم وإلى ديارهم، حرصوا على دعوة غيرهم، حرصوا على دعوة غيرهم ممن هم من أهليهم ومن قرابتهم. وكان هؤلاء الستة أولاً، حتى نتعرف عليهم، هم أول من آمن وأسلم من أهل يثرب، وهم أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم. فهؤلاء هم النواة الأولى في إسلام أهل المدينة فيما بعد، وكلهم كانوا من الخزرج. فلما رجعوا إلى المدينة إلى يثرب، بدأوا بنشر الإسلام فانتشر، فانتشر الإسلام حينها. ثم قدم هؤلاء في العام المقبل في موسم الحج، اللقاء الأول كان في السنة الحادي عشر، في العام المقبل أي في السنة الثانية عشر من بعثته صلى الله عليه وسلم، قدم وفد من يثرب، وهؤلاء أرادوا لقي الرسول عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء كانوا اثني عشر رجلًا كما قال الناظم: «والبيعة الأولى مع اثني عشر من أهل طيبة كما قد ذكر»، والأمر كذلك، كانوا اثني عشر رجلًا من أهل يثرب قدموا على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن خلال التعرف على هؤلاء الاثني عشر، هم الستة الأول الذين جاءوا في اللقاء الأول، الستة الأول الذين قد استردنا أسماءهم ما عدا جابر، جابر ما حضر رضي الله تعالى عنه في هذه البيعة ما حضر. إذن حضر الخمسة، ومعهم خمسة من الخزرج، وجاء معهم كذلك اثنان من الأوس، جاء معهم اثنان من الأوس ممن أسلموا، وهما أبو الهيثم ابن التيهان، وعويم ابن ساعدة رضي الله تعالى عنهما، وكانا هم النواة الأولى من أهل أوس، قدموا مع هذا الوفد الكريم ممن جاء من يثرب لملاقات رسول الله عليه الصلاة والسلام في موسم الحج. فاجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعقبة ميناء، اجتمعوا مع رسول الله بعقبة ميناء وتمت البيعة، وتمت البيعة، وهذا الذي اصطلح عليه العلماء بتسميته ببيعة العقبة الأولى، بيعة العقبة أي عقبة ميناء الأولى، إشارة إلى بيعة أخرى ستأتي. والكثير من العلماء من أهل التاريخ والسير إذا أرادوا أن يذكروا لنا ما هي البيعة التي تمت بين رسول الله وبين هؤلاء الاثنى عشر من أهل يثرب، على ماذا تمت وما نصها؟ الكثير يذكرون ما جاء في صحيح البخاري. الكثير منهم يذكرون لنا ما جاء في صحيح البخاري من حديث عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم الحديث». وهذا في البخاري، إلا أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى لا يرجح هذه الصفة ولا يرجح هذه الصيغة، بل يرى أن هذه الصيغة إنما جاءت من رسول الله لأصحابه بعد فتح مكة، جاء بعد فتح مكة، هذا الذي مال إليه الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، لأنه يرى أن حديث عبادة مطلق، ليس في أنها بيعة تمت في العقبة. تمت في العقبة، إلا أن شيخ الألباني رحمة الله عليه في تعليقه على فقه السيرة يدلل لنا ويؤيد بالسنة الصحيحة على أن هذه الصيغة قد تمت في بيعة العقبة الأولى. وقد استدل شيخ الألباني رحمه الله تعالى بحديث عبادة رضي الله تعالى عنه، وفيه بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى. والألباني على تحسين هذا الحديث، فيدل على أن ما سيأتي معنا الآن وما سنسمعه هي البيعة التي تمت بين رسول الله وبين هذا الوفد من أهل يثرب، وهي بيعة العقبة الأولى. قال عبادة: قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزنيا، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفترينه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. قال أي قال رسول الله: فإن وفيتم أي طبقتم وامتثلتم لهذا ما ذكر، قال: فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غششتم وإن غششتم شيئًا من ذلكم، وفي رواية غشيتم أي تطاولتم ووقعتم، وإن غشيتم شيئًا من ذلكم فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، أي من تلبس منكم بشيء من هذه البنود من عدم السرقة من عدم القتل من عدم الزنا، فإن عثر على أحد منكم واعترف بذنبه فأقيم عليه الحد هي كفارة. فالحدود كفارة، خلاص انتهى، وهذا من لطيف رحمة الله بعباد أن جعل الكفارات مسقطة للذنب، فمن بعث عند ربه لا ذنب عليه إذا أقيم عليه الحد. فقال عليه الصلاة والسلام: «وإن غشيتم شيئًا من ذلكم فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله، إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم». فهذا هو نص البيعة الذي تم بين رسول الله وبين أصحابه من أهل يثرب. ثم قام نبينا عليه الصلاة والسلام بإرسال مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه بأن يذهب معهم، إذهب مع هذا الوفد وارجع إلى ديارهم، وذلك لأجل أن يعلمهم، فأمره نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليهم القرآن، وأن يعلمهم الإسلام، وأن يفقههم في الدين. وكان مصعب رضي الله تعالى عنه كان إمامهم ويأمهم في الصلاة، وكان مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه يمتلك العديد من الصفات والأخلاق التي تؤهله لأن يكون أول سفير في الإسلام يرسله نبينا صلى الله عليه وسلم لكي يذهب إلى أهل المدينة. وكان الأمر كما توقع نبينا عليه الصلاة والسلام، إذ أن الله سبحانه وتعالى بارك بدعوة مصعب بن عمير، إذ أن الإسلام فشى وانتشر كثيرًا في المدينة، ليس فقط في حق الأتباع وفي حق عامة الناس، بل حتى إلى التأثير إلى سادات أهل يثرب ورؤسائها، فدخل في الإسلام أسيد بن حضير، ودخل سعد بن معاذ، وكان بإسلامهما لأنهم الرؤوس هناك، أسلموا أسلم الكثير من أهل يثرب، أسلم الكثير من أهل يثرب. هذا إخواني في الله ما يذكر من حادثة ومن مسألة بيعة العقبة الأولى، وما كان من أثرها. هنا تأتي إخواني في التنبيه على عدة مسائل متعلقة بهذه الحادثة منها أولًا النظر إلى العوامل التي ساعدت على انتشار الإسلام في المدينة، هذه أعظم فائدة نستفيد في هذا المقام. فإن هناك عدة عوامل لربما نختصرها في ثلاثة عوامل رئيسة. العامل الأول ما كان من حال الأوس والخزرج من حيث الطبيعة والخلق البشرية السوية، إذ أنهم الأوس والخزرج بشكل عام يتمتعون بالرفق يتمتعون باللين، وكانت هذه الطباعة مأخوذة من أسلافهم وأنسابهم، إذ أنهم مدد من أهل اليمن، الأوس والخزرج الأصل أنهم مدد من أهل اليمن. وأهل اليمن قد قال فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبًا»، فهم أرق الناس أفئدة وألين الناس قلوبًا، هذه طبيعة في أهل اليمن، ومن عاصرهم ومن عاشرهم يلتمس هذه المسألة. فكان أهل الأوس والخزرج هم امتداد لهذا النسب، فكان يظهر هذا من الرفق في قلوبهم، ولهذا أثر فيهم الإسلام فانتشر فيهم كثيرًا. العامل الثاني ما كان من مجاورتهم لليهود، من مجاورة الأوس والخزرج لليهود، فكانوا اليهود كما مر معنا في درس أمس يدندنون وهم عندهم علم الكتاب يدندنون ببعثة نبي، وأن الزمن قد حان لظهوره. فكان أهل الأوس والخزرج عندهم علم بالرسالة، علم بالرسالة، فإذا بهذا الأمر يتحقق يتحقق، فهذا أعانهم على الإسلام أعانهم على الإسلام. ثالثًا أن البيئة هناك كانت متاحة، فإن الستة الأول ممن أسلم مع رسول الله ثم ذهبوا إلى بلادهم وجدوا أن البلد متاحة، فأثروا على غيرهم. فلما تمت البيعة العقبة الأولى ورجعوا هؤلاء، البيئة متاحة ما هناك حاجر عثرة، بخلاف من كان في مكة، فكانت الدعوة تسير ببطء لوجود التعذيب والتنكيل والتشويه والتشهير بالإسلام بأهله، لكن في المدينة ما كان هناك أحد يقف أمام الإسلام، ولهذا انتشر الإسلام كثيرًا. فهذه من أعظم العوامل الثلاث التي أعانت على انتشار الإسلام في المدينة، فهذه الفائدة الأولى من هذه الحادثة، حادثة البيعة. كذلك مما يستفاد من فوائد البيعة إخواني في الله ما فيه من تقبل الناس لدين الإسلام، الإسلام عباد الله هو دين الفطرة، دين الفطرة، الفطرة الإنسانية لن تجد الراحة أبدًا إلا في الإسلام. فمهما اعتنقت من أديان والتمست من ملل ونحل، والله لن تجد راحة النفوس والقلوب إلا إذا دخلت للإسلام، وهذا بالاتفاق، لكن بشرط أن يترك الإسلام بحاله، لا أحد يعترض عليه. ولهذا نحن في مثل هذه الأزمان إخواني في الله، عندما ظهرت ما يسمى بالتسامح وترك للإسلام متسعًا ينتشر، انظر ما الذي أدى أدى إلى انتشار الإسلام انتشارًا عظيمًا؟ مئات الألوف بالأمس أخبرت أنا في بريطانيا فقط، بريطانيا في العام الواحد يسلم مئة ألف، أعداد مهولة مئة ألف، وهكذا بالمثل في اليابان، وبالمثل في كوريا، وبالمثل في استراليا، وبالمثل في كندا، موافق موافق. وكذلك إحصائيات تنزل على أن من أعظم الأديان الآن انتشارًا الإسلام، ينتشر بشدة، ما تمر يوم وليلة على بلاد الغرب شرقًا وغربًا إلا من قام وأعلن إسلامه وأشهر إسلامه في اليوم الواحد العشرات. ولهذا نواقيس الخطر تدق هناك أن يحذرون الناس من الخروج من دينهم والتحول إلى الإسلام، فدين الفطرة، وكما قال نبينا: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، لكن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». كذلك من فوائد حادثة بيعة العقبة الأولى إخواني في الله أن من نظر في حال الوفد في بيعة العقبة الأولى، عبارة عن خليط بين أوس وبين خزرج، وهذا الخليط إخواني في الله ما أحد يصدق أبدًا أن يجتمع، فالأوس والخزرج عبارة عن نقيضين ما يجتمعان. ومن تأمل في تاريخ العرب وأخذ يلتمس الحروب الدامية بين القبائل والعشائر، لكان في الواجهة ما كان بين الأوس والخزرج، تناحر حروب لو ربما تأخذ السنوات الطوال، أخذت الأخضر واليابس وأزهقت الأرواح وسفكت الدماء سنوات، ما استطاع أحد أن يصلح بين هاتين الفئتين حتى جاء الإسلام. اعتنقوا هؤلاء في السنة الحادي عشر، في السنة الثانية عشر اجتمعوا، وفد أوس وخزرج كيف هذا؟ الإسلام يا عبد الله يجمع، الإسلام يجمع. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى مبينًا فضيلة هذا الدين في قول عز وجل: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف. فما يوجد دين يؤلف الله جل وعلا به بين الحضارات وبين الدول وبين القارات بمثل دين الإسلام، فهو يجمع لا يفرق. فإذا أراد أحد السيادة فليترك العناء للإسلام، فإن الإسلام هو دين التسامح، بل هو دين السلام كما جاء ذلك في شرعنا العظيم. وهذا الوفد أمامك أوس وخزرج يجتمعان، ما اهتم هذا قط إلا لما آمنوا وأسلموا دينهم لله جل في علاه. كذلك من فوائد هذه الحادثة إخواني في الله فضيلة العلم وأهمية العلم وحاجة الناس إلى العلم، فإن الدين من أوله إلى آخر يقوم على العلم. ويظهر ذلك جليًا عندما أسلم هؤلاء النفر من الخزرج ومن كان معهم من الأوس في بيعة العقبة، أرسل معهم نبينا مصعبًا لماذا مصعب؟ التعليم التفقيه، لا قوام للدين إلا بالتفقه في الدين، فلا قوام للدين. ولهذا قال ربنا: «فاعلم أنه لا إله إلا الله». وأخيرًا إخواني في الله من فضائل هذه بيعة العقبة الأولى ما فيه من فضل لمصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، إذ أنه كان من أعظم الأسباب في انتشار الإسلام، وذلك بما متعه الله جل وعلا من صفات وخصائص. ومن أعظم الصفات التي اتصف بها مصعب الصدق، الصدق في دعوته، كن صادقًا يا عبد الله في دعوتك يبارك الله فيها. وهذا قل من يصل إلى هذا الحال، صحيح الدعاة كثر، كثر ممن يدعو إلى الخير والمعروف، لكن الذي يصدق مع الله قليل. ولهذا البركة يا عبد الله في دعوتك تدور على مدى صدقك مع الله. ولهذا في قصته مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه أنه لما كان في مجلسه وكان بجنبه أسعد بن زرارة، قدم أسيد بن حضير، وكان لازال على شركه، وأسيد سامع أن هناك رجل يأتي بدين غريب، فأراد أن يأتي، وكيف تأتي إلى سلطانه؟ فغضب أسيد من وجود هذا النفس الغريب في بلده. فلما جاء أسيد، قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: «هذا سيد قومه، هذا الذي يأتيك الآن هو سيد قومه». قال: «فاصدق الله فيه، أصدق الله فيه». فاصدق الله فيه أي كن صادقًا مع الله في دعوته. وهذا الذي صار، فلما صدق مصعب الله في دعوته بارك الله على يده، فأسلم أسيد، وأسلمت القبيلة على إثر أبيها. فدل ذلك على صدق الدعوة إلى الله جل وعلا، فإن من أعظم ما تنجح به الدعوات. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.