شرح الشمائل المحمدية 43

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 43، تابع : باب ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

حكم آنية الذهب والفضة وعلل تحريمها

يستعرض المقطع الأحاديث النبوية الناهية عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، مبيناً إجماع الجمهور على تحريم استعمالها واتخاذها للزينة مع ذكر علل التحريم كالتشبه بالكفار. كما يناقش مسألة التضبيب باليسير من الفضة أو الذهب وحكم الأواني المخلوطة أو المضبوغة بهما.

تفصيل أحكام التضبيب وزينة الذهب والفضة

يفصل المقطع في حكم التضبيب بالذهب والفضة موضحاً قول الجمهور بتحريم الكثرة وجواز اليسير للحاجة خلافاً لأبي حنيفة، ثم يبين أحكام الزينة بهما للرجال والنساء. ويذكر إباحة حلي الذهب والفضة للنساء وخاتم الفضة للرجل وتحلية السلاح والضرورة، مع تحريم الأواني والتحفن والساعات والأزرار للرجال.

فتوى الأواني المطلية وقدح النبي المضبب

تقرر الفتوى عدم جواز شراء أو استعمال الأواني والملاعق والسكاكين المطلية بالذهب أو الفضة للرجال والنساء استناداً لفتاوى اللجنة الدائمة وأقوال العلماء. وتوضح جواز الشرب في الإناء المضبب بيسير من الفضة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، مع تضعيف حديث الترخيص في تفضيض الأقداح للنساء.

ختام الدرس والإعلان عن الدرس القادم

يختتم الشيخ الدرس الحالي معلناً عن موضوع الدرس القادم المتعلق بصفة فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويختم الجلسة بالتسبيح والاستغفار ودعوة الحضور للاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى: باب ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأخذنا حديث ثابت البناني أنه قال: «أخرج إلينا أنس بن مالك قدحًا من خشب غليظًا مضببًا بحديد، فقال: يا ثابت، هذا قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم». وذكرنا أن للنبي عليه الصلاة والسلام عدة أقداح، وكان استخدمها صلى الله عليه وسلم بعضها لشربه ووضوئه، أو كذلك قضاء حاجته في الليل. وذكرنا كلام الحافظ رحمه الله تعالى في جواز اتخاذ الضبة من الفضة. قد جاء في البخاري حديث أنس رضي الله عنه: «أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب - يعني مكان التصدع - سلسلة من فضة». وأقوال أهل العلم في هذا الباب: أن التطبيب يكون بالشيء اليسير من الفضة، لا بالشيء الكثير. وذكرنا حديث مسلم في الصحيحين: «أن الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وحديث حذيفة كذلك: «أنها لهم في الدنيا - أي الكفار - وللمؤمنين في الآخرة». فنهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يشرب في آنية الذهب والفضة. وهنا مسألة: حكم الشرب في آنية الذهب والفضة. قال القرطبي وغيره: وفي الحديث تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما. يعني كذلك ليس فقط الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة هما الممنوعان، وإنما كذلك يلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل، بأن يستخدم آنية الذهب والفضة في التطيب والتكحل، بأن يجعلها أوعية ووعاء للطيب والكحل. قال: «وسائر وجوه الاستعمالات». إذن الذهب والفضة منهي عنهما في الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور. وأغرب الطائفة شدت فأباحت ذلك مطلقًا، هذه شدت الطائفة التي أباحت استعمال آنية الذهب والفضة. قال: ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب دون سائر الاستعمالات كالتطيب أو التكحل أو نحو ذلك. ومنهم من قصره على الشرب. ومنهم من قصر التحريم على الشرب دون الأكل؛ لأنه جاء في الصحيحين: «الذي يشرب». لكن هناك رواية أيضًا جاءت في صحيح الإمام مسلم، وإن كان تفرد بها بعض الرواة، وهي أيضًا فيها زيادة الأكل: «الذي يشرب ويأكل في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». فعلمنا من هذا أن قول الجمهور هو تحريم الأكل والشرب وما في معناهما وسائر الاستعمالات. سائر الاستعمالات فلا تستعمل آنية الذهب والفضة في البيوت، فلا يأكل في آنية الذهب والفضة، ولا يشرب في آنية الذهب والفضة، ونحو ذلك من الاستعمالات؛ لأنها محرمة. وأما الاتخاذ، فالاتخاذ معناه مثلاً: يجعلها زينة، يقول لك: بأن نجعلها في الصفة، صفة مع الأواني، أو مع مثلاً الفناجين أو الأكواب ونحو ذلك؛ لأن النساء يحبن ماذا؟ الصفة. صح، يحبن هذا، أن يشترين ويجعلن الصفة في البيوت من باب الاتخاذ. بعضهم من باب الزينة ونحو ذلك. فواحد يقول: أنا ما سأشرب ولا آكل في آنية الذهب والفضة، لكن سأتخذها زينة، سأتخذها إيش؟ زينة، أعلقها في البيت، أحطها في البيت. فما حكم هذا؟ أيضًا الاتخاذ محرم. الاتخاذ ماذا؟ محرم. قال الحافظ: واختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها. اتبه، هذه مسألة مهمة. واختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها، والأشهر المنع، وهو قول الجمهور. ورخصت فيه طائفة. إذن قول الجمهور مع تحريم الاستعمال، أيضًا الجمهور يرون ماذا؟ تحريم الاتخاذ، أن تتخذ كزينة. ورخصت فيه طائفة، وهو مبني على العلة في منع الاستعمال. ما هي العلة في منع الاستعمال؟ لماذا لو قال قائل: لماذا لا نستعمل آنية الذهب والفضة؟ هناك عدة علل، منها ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث، وهو حديث حذيفة: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة». هذه علل: لهم في الدنيا يتباهون ويتفاخرون ويتزينون بها. إذن هذه أحد العلل: أنها يستخدمها الكفار، فأنت إذا استخدمت آنية الذهب والفضة تشبهت بمن؟ بالكفار، والتشبه محرم بالكفار، ولا جائز، محرم، ما يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تشبه بقوم فهو منهم». إذن العلل هي التشبه. وبعضهم قال: العلل هي كونها أثمانًا، كون هذه الأواني وهي الذهب والفضة عبارة عن أثمان مقابل أشياء. فلو أن الناس اتخذوها لقلت ماذا؟ لقلت تبايع بين الناس، ويحصل بذلك حرج؛ لأن الذهب والفضة عبارة عن عملة، فلو أن كل واحد استخدم آنية من ذهب والفضة، أين العملة؟ إذن ما سنشتري وما سنبيع بشيء من النقود. فبعضهم قال: هذه العلل أنها حرمت علينا من باب... ولكن هذه العلل ماذا؟ مردودة، ولا أقرب ما جاء في الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة». فإذا كانت لهم في الدنيا فإننا أيضًا لا نستخدمها، لا نأكل فيها، ولا نشرب فيها، ولا كذلك نتخذها زينة، ولا نتخذها زينة؛ لأن الكفار يتفاخرون ويتزينون بها، ويشربون ويأكلون في آنية الذهب والفضة. هذا ما يتعلق بحكم استعمال آنية الذهب والفضة. ونعود إلى حديثنا، وهي ماذا؟ وهو المضبب بشيء يسير من الفضة. وذكرنا أنه إذا كان بشيء يسير يجوز، وإذا كان بشيء كثير أجازه أبو حنيفة رحمه الله. ويدخل في هذا الباب الذي ذكره العلماء يدخل فيه المخلوط. الآن صاروا يخلطون بعض الآنية بالذهب أو بالفضة، المصبوغ آنية. بعض الآنية ترى فيها صبغة ذهب أو فضة، المصبوغ المخلوط المموه. هل هذا كله داخل فيه النهي أننا ما نستخدمه؟ إذا رأينا حديدًا مصبوغًا بذهب أو مصبوغًا بفضة، هل نستخدمهما أم لا؟ أهل العلم رحمهم الله تعالى ذكروا هذا، منهم ابن قدامة، والشوكاني، والصنعاني، وأيضًا من المعاصرين البسام واللجنة الدائمة. ذكروا هذه المسألة وهي: حكم التضبيب بشيء من الذهب أو من الفضة. ونذكر كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني: يقول ابن قدامة رحمه الله: «فصل: فأما المضبب بالذهب أو الفضة، فإن كان كثيرًا فهو محرم بكل حال». إذا كان هذا التضبيب يعني تصليح الإناء بشيء كثير من الذهب والفضة، فإن هذا محرم بكل حال، ذهبا كان أو فضة، لحاجة أو لغيرها. وبهذا قال الشافعي. وأباح أبو حنيفة المضبب وإن كان كثيرًا؛ لأنه صار تابعًا للمباح، فأشبه المضبب باليسير. هذه علة أبو حنيفة. ورأي أبو حنيفة يقول: لأنه صار تابعًا للمباح، الأكثر يقول: هو الإناء من الحديد مثلاً أو النحاس، وهذا عبارة عن شيء نعم كثير، لكن نقول تابع ليش؟ للأكثر وهو الإناء، فصار الإناء مباحًا، وهذا تابع للمباح، فكأن ماذا؟ فكأنك ضببته باليسير، أشبه المضبب باليسير. لكن الأقرب هو قول الشافعي رحمه الله تعالى. وقال الشوكاني في النيل: «الحديث - أي حديث أنس - يدل على جواز اتخاذ سلسلة أو ضب من فضة في إناء الطعام والشراب، وهو حج لأبي حنيفة». ليس حجًا لأبي حنيفة فقط إذا كان يسيرًا، سلسلة من فضة، بل هو حج للجمهور. لكن أبو حنيفة وسع المسألة رحمه الله وأجاز الكثير من الذهب أو الفضة، خلافًا للشافعي وغيره الذين قالوا: اليسير فقط من الفضة، حتى لا يكون ذلك المقتذي للإناء والشارب فيه شاربا على فضة، وقد نهينا عن الشرب في إناء الفضة. وقال الصنعاني في السبل: «وأما الإناء المضبب فإنه يجوز الأكل والشرب فيه إجماعًا». يعني إذا كان التضبيب يسيرًا. قلنا: المضبب هو الإناء يكون مثلاً من حديد، أو يكون من نحاس أو نحوها غير الذهب والفضة، لكن ينكسر عليك، أو يكون مثلاً من خشب ينكسر عليك، فماذا تفعل أنت؟ مكان هذا الشرخ أو الصدع تأتي بسلسلة فضة يسيرة وتمكن هذا المكان، بحيث لا يسيل منه إذا طرحت عليه شيء من الماء أو غير ذلك، لا يخرج منه. فهذا يسمى التضبيب. فهذا يجوز في ماذا؟ يجوز الشرب في الإناء المضبب إجماعًا، كما قال الصنعاني رحمه الله. وقال البسام فيما يؤخذ من حديث أنس بن مالك، وهو حديث التضبيب هذا الذي عندنا بين أيدينا، وأصله قلنا في البخاري: «جواز إصلاح الإناء المنكسر بضبة يسيرة أو سلسلة لطيفة عند الحاجة إلى إصلاح الإناء المنكسر، عند الحاجة إلى الإناء المنكسر». ثم ذكر فوائد، فقال: «يباح». وهذه الفوائد من البسام رحمه الله شاملة لهذا الباب، فأصغي سمعك وانتبه لهذه الفوائد المهمة. قال رحمه الله: «يباح للنساء من حلي الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه، ولو كثر». النساء مباح لهن لبس الذهب والفضة، ولو كان من رأسها إلى رجليها، هذا مباح لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع الحرير وكذلك الذهب قال: «هذان حلالان على نساء أمتي، حرامان على ذكورها». فالذهب مباح للنساء أن تتخذه حليًا، يعني تلبسه في يديها أو في رجليها أو في نحرها. «ويباح للرجل خاتم من فضة، لا من ذهب». يباح للرجل إيش في الفضة؟ اتخاذ خاتم من فضة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من فضة ونقشه، وجعله فصلا كما تقدم معنا في الشمائل، ونقشه: «محمد رسول الله»، وكان يقتم به إلى الملوك. «ويباح تحلية السلاح وأدوات القتال بما جرت به العادة». أيضًا أدوات الحرب، السلاح، يجوز أن تقد فيه شيئًا من الفضة في المقبض، الرأس، أو ما يمسك السلاح، فهذا ما جرت به العادة. «وكذلك ما دعت إليه حاجة وهي الضرورة من رباط أسنان، واتخاذ أنف، ونحو ذلك». لو واحد أنفه قطع، هل يجوز أن يتخذ أنفًا من فضة أو من ذهب؟ الجواب: نعم؛ لأن هذه حاجة وضرورة، فيجوز له أن يتخذ هذا حتى لا ينتن؛ لأنهم يقولون: الذهب والفضة إذا استخدم في بعض الأماكن لا ينتن ذلك الجزء. وقد اتخذ بعض الصحابة، قيل أنه قطع أنفه فاتخذ أنفًا من ذهب. «فإذا دعت الحاجة لتسوية الأسنان، تسوية الأسنان، بعضهم تأتي أسنانه معوجة، وبعضهم دارس نازل ودارس طالع، يريد تسوية أسنان، لكن تسوية الأسنان عادة ما يسوونها إلا برباط من فضة، فهل يجوز أن يتخذ ذلك الرباط؟ الجواب: نعم؛ لأنها دعت الحاجة إلى تقويم إعوجاج الأسنان». «وما عدا ما جاءت به النصوص، لأن النصوص جاءت في مثل هذا، وما عدا ما جاءت به النصوص بإباحته فإنه حرام، لا يجوز، لا يجوز للرجال استخدام ذلك». فلا يجوز للذكور كبارًا أو صغارًا لبس الذهب أو الفضة، يعني تتخذ ذهب أو الفضة يلبسونها كحلي النساء، ولا جعله سلاسل أو ساعات. ذلك بعضهم ربما اشترى ساعات من فضة أو جعلها في الساعات، أو اتخذ سلسلة للمفاتيح، فهذا لا يجوز، أو أزارير أو رباط كبك أو قلما أو مفتاحًا، يعني أربطة أو أقلام أو مفاتيح أو أزرار تكون في هذا المكان، اتخذها من ذهب أو فضة، هذا كل من أنواع ما يسمى الاستعمال، ما يسمى من الاستعمال، فلا يجوز ذلك. وأي نوع من أنواع الملابس، أو استعماله في أكل أو شرب أو غير ذلك، أو اتخاذ أواني الذهب والفضة تحفًا، يعني يجعلها تحفة تكون على شكل معين، فيتخذها للزينة أو غيره، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز، إلا ما دعت إليه الضرورة والحاجة وجاء به النص. قال: «أما استعمال الفضة في الفنادق الراقية والمطاعم الممتازة، أدوات للأكل، بعض الفنادق كما قال الراقية في بعض الدول يأتون بأشواك من فضة، الشوكة هذه من فضة، والسكين من فضة أو من ذهب، والذهب غالي، الظاهر أنهم يجعلونها من فضة لأنها أرخص، فيجعلون من الفضة شوكًا وملاعق وسكاكين، ويريدون أنها تستخدمونها في الأكل ونحوه، قال: جعلها صحونًا أو ملاعق وشوكًا ونحو ذلك، فلا شك في تحريمه ومخالفته للنصوص الناهية عنه». انتهى كلام البسام رحمه الله تعالى، وهو في توضيح الأحكام في المجلد الأول صفحة 166 وما بعدها، وابنحو هذا. إذن قال العلامة الفوزان حفظه الله تعالى: تراجع الملخص الفقهي للعلامة الفوزان صفحة 15 إلى 16، لكنه كلام قصير يسير وهو يحمل هذا المعنى. وفي فتاوى اللجنة الدائمة في المجلد الرابع والعشرين، فتاوى اللجنة الدائمة في المجلد الرابع والعشرين صفحة 84: عدم جواز شراء الأواني والملاعق والسكاكين المطلية بالذهب؛ لأنه ربما يقول لك: هذه إلا مطلية، هذه ما هي ذهب خالص، هي ملعقة من حديد، هي ملعقة من نحاس، لكنها مطلية بالذهب أو مطلية بالفضة. فربما هؤلاء الباعة يلبسون على النساء، ويريدون هذه أن تشتروا، فالمسلم يكون منتبهًا لهذا، فلا يجوز، ولو كان مطليًا بماء الذهب، لا يجوز شراء الأواني ولا الملاعق ولا السكاكين المطلية بالذهب، وكذلك الساعات المطلية بالذهب للرجال. للرجال هنا فتوى اللجنة الدائمة: الساعات المطلية للرجال، فلا يجوز استخدام ما فيه ذهب للرجال. فتوى اللجنة الدائمة كما ذكرنا لكم. وهكذا أيضًا يقول الحافظ رحمه الله: «أما المخلوط أو المضبب أو الموه، المموه، يعني هو المطلي، قال: فورد فيه حديث أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر رفعه، أي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: "من شرب في آنية الذهب والفضة أو إناء فيه شيء من ذلك"، يعني هذا المقصود به المطلي، قال: "فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم". قال البيهقي: المشهور عن ابن عمر موقوف عليه، يعني المشهور أنه موقوف وليس مرفوع. ثم أخرجه كذلك وهو عند ابن أبي شيبة من طريق أخرى عنه، أي عن ابن عمر، أنه كان ابن عمر رضي الله عنه، المعروف بمتابعته للرسول صلى الله عليه وسلم، أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة. قال: ومن طريق أخرى عنه أنه كان يكره ذلك. وفي الأوسط للطبراني من حديث معطية: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفضيض الأقداح، ثم رخص فيه للنساء"». إذن بمجموعة طرق الحديث الموقوف على ابن عمر، أن ابن عمر كان يكره فيه شيء من فضة، أي إناء فيه شيء من ذهب أو فيه من فضة، كان لا يشرب فيه، كان لا يشرب فيه ويبتعد عنه، ويبتعد عنه. ولكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضبب الإناء بسلسلة من فضة، وذلك يسير، ولا حرج في ذلك، ويجوز الشرب والأكل فيه إجماعًا كما قال الصنعاني رحمه الله. إذن معنى حديث معطية: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تفضيض الأقداح، ومعنى تفضيض الأقداح: أي جعل فيها الفضة إذا انكسرت، هل يجوز أم لا؟ ثم رخص فيه للنساء. ما حال حديث المعطية هذا الذي عند الطبراني؟ الصحيح أنه حديث ضعيف. يقول الحافظ: «وهذا لو ثبت لكان حجة في الجواز، لكن في سنده من لا يعرف، لكان حجة في الجواز في ماذا؟ في استعمال الآنية التي فيها فضة، ولو للنساء، ثم رخص فيه للنساء». إذن نقول: هو مرخص للنساء استعمال آنية فيها فضة، لكن الحديث لم يثبت؛ لأن في سنده من لا يعرف. قال: «واستدل بقوله: "أو إناء فيه شيء من ذلك" على تحريم الإناء من النحاس أو الحديد المطلي بالذهب أو الفضة. والصحيح عند الشافعية أنه إن كان يحصل منه بالعرض على النار حرم، وإلا فوجهان، أصحهما ما لا... أي لا يحرم ذلك». عندنا تقدمت المسألة من كلام أهل العلم، وهو الإناء من الحديد أو النحاس ومطلي بذهب وفضة، ما حكمه استخدامه؟ تقدم أنه لا يجوز. الصحيح أنه لا يجوز، وإن كان هناك وجهان عند الشافعية رحمهم الله تعالى، لكن الصحيح كما تقدم من قول البسام رحمه الله وفتاوى اللجنة الدائمة: أن المطلي هذا بالذهب أو الفضة لا يجوز استخدامه، إذا كان آنية ملاعب، شوك، سكاكين، سواء كان استعمالًا أو اتخاذها كتحف ونحو ذلك. فما يرخص في هذين الأمرين وهم الذهب والفضة إلا ما جاء النص فيهما، إلا ما جاء النص فيهما. فجاء النص في الفضة اتخاذها خاتمًا للرجال، اتخاذها خاتمًا، أما كآنية فإنها لا تتخذ في ذلك. قال الترمذي رحمه الله تعالى: ما زلنا في هذا الباب، وبقي فيه حديث. قال: «حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن» - وثابت البناني وهو المشهور بالإمام الدارمي، وهو ثقة فاضل متقن - «قال: حدثنا عمر بن عاصم» - وهو القيسي، صدوق - «قال: حدثنا حماد بن سلمة» - وهو ثقة عابد - «قال: أنبأنا حميد الطويل» - وهو ثقة مدلس - «وثابت البناني» - عن اثنين حدثا حماد بن سلمة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: «لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القدح الشراب كله: الماء والنبيذ والعسل واللبن». إذن هذه كلها مشروبات، وقد حصلت بذلك الإناء الذي ضبب. واختلف في من ضببه، فقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: الذي ضببه أنس بن مالك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى كل، فإن هذا الإناء المضبب بالفضة وهي الشيء اليسير من السلسلة، النبي صلى الله عليه وسلم شرب فيه، شرب فيه ماء، وشرب فيه نبيذًا، وشرب فيه لبنًا، وشرب فيه عسلًا. والمقصود بالنبيذ هو ما لم يصل إلى حد الإسكار. قال النووي رحمه الله: «المراد بالنبيذ ههنا ما سبق تفسيره، وهو ما لم ينته إلى حد الإسكار، يعني ما لم يسكر ويصير خمرًا، وهذا متعين لقوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث السابقة: كل مسكر حرام». والله أعلم. انتهى كلام النووي من شرح مسلم. وهذا الحديث الذي بهذا الإسناد بين أيدينا هو حديث صححه الألباني رحمه الله برقم 168. فنكون بهذا الباب انتهينا من ما جاء في قدح النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه الصلاة والسلام كان يتخذ له قدحًا خاصًا، وأنت كذلك إذا أحببت حتى في بيتك أن تتخذ لك قدحًا خاصًا تشرب فيه ولا يشرب فيه غيره، هذا شيء جائز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كانت له عدة أقداح، فكان يشرب في قدح، وهكذا كان يتوضأ في قدح آخر، ولها تسميات ذكرناها لكم في الدرس الماضي من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. وبهذا نكون انتهينا من هذا الباب، وإن شاء الله في الدرس القادم ندخل في باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب. وما من يترك؟ آخر، آخر. سبحانك الله أكبر. اشتركوا في القناة.