فضل العلم ومنزلة أهله

المحاضرة بعنوان فضل العلم ومنزلة أهله، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثانية والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأحد 4 ذو القعدة 1445هـ الموافق 12 مايو 2024م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فضل العلم ومجالسه وأهله

يتناول المقطع عظمة نعمة مجالس العلم وفضلها في إحياء القلوب وتكفير الذنوب مستنداً إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية. ويؤكد أن طلب العلم من أجل القربات وأعظم الطاعات في الدنيا والآخرة.

فضل العلم النافع ووجوب العمل به

يبرز أهمية طلب العلم النافع المخلص لله والعمل به، محذراً من العلم الذي لا يُنتفع به ويكون وبالاً على صاحبه. ويشير إلى أن السلف الصالح بذلوا الغالي والنفيس في طلب العلم اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

فضل طلب العلم ومكانة العلماء

يستعرض فضائل طلب العلم من خلال أحاديث تبين أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم وأن العلماء ورثة الأنبياء. ويضرب أمثلة من سلف الأمة على شدة حرصهم على العلم ومكانتهم كنجوم يهتدي بها الناس.

الدعاء بخاتمة الحديث عن فضل العلم

يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه العلم النافع ويستعيذ من العلم غير النافع، ومن قلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا تستجاب. ويسأل الله التوفيق للجميع ويصلي على النبي محمد وآله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، فنحمد الله عز وجل أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا، على نعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي لا نستطيع لها حصرا. وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾. ومن نعمة الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وأكثرهم لا يشكرون، ما نعيشه من هذه الأجواء الإيمانية والمجالس العلمية التي هي تعتبر من أعظم المنن وأجل النعم التي يوفق الله عز وجل لها من شاء من خلقه وعبيده. فهذه المجالس كم يحيي بها ربنا عز وجل القلوب، وهكذا يذهب عن أصحابها أنواعا من الغفلة، وهكذا يصلح الله عز وجل في مثل هذه المجالس القلوب والأجساد والأحوال. فأكرم بها وأنعم من مجالس خير، ومجالس رحمة، ومجالس مغفرة. الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع ورضا بما يطلب، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. هذه المجالس يذكر ربنا تبارك وتعالى أهلها فيمن عنده، فهو جل في علاه القائل: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾، وهو القائل كما في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». ومن باب التحدث بنعمة الله عز وجل والاعتراف بهذه النعم والحرص على شكرها، فينبغي على طلاب العلم أن يرفعوا الرؤوس بهذه المجالس وما يدرس فيها، وهكذا أن يشهروا بين الأمة فضلها وأهميتها. فكم من غافل لربما لا يدرك ذلك، وكم من جاهل لربما لا يعلم ذلك. أيها الأحبة في الله، أحببت أن يكون الحديث في هذا المجلس حول العلم ومجالس العلم وأهل العلم. فكم يا إخوان تتشوق النفوس لسماع ذلك، وكلنا يعلم أن طلب العلم يعتبر من أجل العبادات وأعظم الطاعات التي يتقرب بها أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان إلى ربهم تبارك وتعالى. ربنا عز وجل يقول ممتنا على عباده: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾. قال العلماء: الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح. وهكذا ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز بيّن رفعة العلم وعلو منزلة أهله، فقال سبحانه: ﴿ نَّرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ ﴾، ليس أي إنسان ينال هذه الرفعة، وإنما من أراد الله له الرفعة رفعه. قال: ﴿ نَّرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ ﴾، قال ابن عباس وغيره: أي بالعلم، أي بالعلم. وربنا عز وجل يقول: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾. الرفعة قد تكون في الدنيا بحسن الذكر والثناء العطر على أهل العلم، وأما في الآخرة فهي رفعة حسية، هي رفعة الدرجات في الجنة، رفعة الدرجات في الجنة. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلكم أيضا بيّن رفعة العلم وعلو منزلة أهله، فكان عليه الصلاة والسلام يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وهكذا أيضا كان عليه الصلاة والسلام يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، «يفقهه في الدين». قال عليه الصلاة والسلام: «وإنما أنا قاسم والله معطي، والله معطي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله»، أي حتى يرسل الله عز وجل قبيل الساعة تلكم الريح التي تقبض أرواح من كان في قلبه إيمان ولو مثقال ذرة من إيمان. وهكذا أيضا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة»، إلى الجنة. ورحم الله الإمام شيخ الإسلام ابن القيم إذ يقول معبرا عن منزلة العلم الرفيعة كما في كتابه مفتاح دار السعادة، قال رحمه الله تعالى: «العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، قال: ولا تقوم شجرة الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة، قال: فالعلم إذن أجل المطالب وأسنى المواهب، فالعلم إذن أجل المطالب وأسنى المواهب». ولا يستوي يا إخوان من وفقه الله لطريق العلم ومجالس العلم ومن أعرض عنها. ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾، لا يستويان يا إخوان، لا يستويان. وهكذا أيضا مما ينبغي أن يذكر فيما يتعلق بالعلم وفضله، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث جابر عند الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «سل الله علما نافعا وتعوذ به من علم لا ينفع». قال: «سل الله»، ولماذا يسأل الله عز وجل؟ يسأل ربنا عز وجل لأنه هو المعطي، ومن أعظم العطاء الذي يعطيه العلم النافع. قال: «سل الله علما نافعا وتعوذ به من علم لا ينفع». وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم، كان عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: «تعوذ»، أو كان عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». كان عليه الصلاة والسلام يتعوذ بالله عز وجل من ذلك، يتعوذ بالله عز وجل من ذلك. فالعلم النافع هو الذي أخلص فيه صاحبه، العلم النافع هو علم الكتاب والسنة وما يتعلق بهما، العلم النافع هو الذي يعمل به صاحبه، وإلا فقد يكون العلم وبالا على صاحبه. وعالم بعلمه لم يعمل معذب من قبل عباد الوثن، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة رقم واحد: عالم، رقم واحد: قارئ للقرآن، لكن للأسف يا إخوان عمل للدنيا ولم يخلص في عمله لله تبارك وتعالى، فكان ذلكم العلم وتلكم القراءة - نسأل الله العافية والسلامة - كانت وبالا. ولهذا يا إخوان، الله عز وجل ذم اليهود إذ أنهم علموا ولم يعملوا، قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾، أي يحمل كتبا، ماذا عسى الحمار أن يستفيد من حمله لتلكم الكتب إلا التعب والمشقة؟ ﴿ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. إيانا ثم إيانا أن نتشبه بهؤلاء الظالمين المغضوب عليهم. ﴿ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾، ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾. وهكذا يا إخوان، الآيات والأحاديث كثيرة التي فيها ذم من يتعلم لكنه لا يخلص، يتعلم لكنه لا يعمل بهذا العلم الذي تعلمه. والذي أخبر عنه ربنا عز وجل لأهل العلم هو لمن وفقه الله للعلم النافع: تعلم لله عز وجل، ثم انتفع بذلكم العلم، ثم انتفع بذلكم العلم. جاء في اقتضاء العلم العمل للخطيب رحمه الله تعالى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، كان يقول: «كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به». وهكذا ما جاء عن الإمام محمد بن المنكذر، وهكذا جاء عن مالك وعن غيرهما أنهم قالوا: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». الفضل يا إخوان لأهل العلم عظيم، وصدق الصحابي الجليل والخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إذ يقول: «ما الفضل إلا لأهل العلم، إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقيمة المرء ما قد كان يحسنه، والجاهلون لأهل العلم أعداء» ثم قال: «فز بعلم لا تبغي به بدلا، الناس موتى وأهل العلم أحياء، وأهل العلم أحياء». العلم يا إخوان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس عند ابن ماجه وغيره: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، فريضة على كل مسلم. وكذلكم أيضا لأجل ذلك يبذل المسلم الغالي والنفيس من أجل تحصيل العلم، وقد ألف الخطيب البغدادي كتابا حافلا بعنوان «رحلة أهل الحديث»، كانوا يقطعون الفيافي والقفار، الفيافي والقفار، من أجل سماع الحديث وأخذ العلم. يخرج أحدهم لربما في عنفوان شبابه، في ربيع العمر، فلا يرجع إلا وقد غزا، بل واشتعل الشيب في لحيته ومفرق رأسه. كل ذلك من أجل العلم. وربنا عز وجل ذكر لنا رحلة موسى إلى الخضر في مجمع البحرين، في مجمع البحرين، من أجل ماذا؟ من أجل العلم، من أجل العلم. وهكذا ما يتعلق بقصة جابر بن عبد الله حين أن رحل من المدينة مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس لكي يسمع منه حديثا واحدا، حديثا واحدا، مسافة شهر ذهاب وأخرى مثلها إياب. أي همة هذا لدى هؤلاء الحريصين على العلم، الحريصين على العلم. جاء في سنن الترمذي وأبي داود من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلا قدم عليه من المدينة وهو بدمشق، أبو الدرداء بدمشق الشام، والرجل يأتي من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو الدرداء: «ما أقدمك يا أخي؟ ما الذي جاء بك؟» فقال الرجل: «حديثا بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». فتعجب أبو الدرداء، في زمن العافية يا إخوان، أبو الدرداء يتعجب، فكيف بحالنا اليوم؟ يعظم ويكبر العجب حين أن ترى الهمم العالية في طلب العلوم وجمع الفنون. قال: «حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغني أنك تحدثه»، يعني عنده الحديث لكن أراد العلو في الإسناد. فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: «أما جئت لحاجة؟» طيب، ستسمع الحديث لكن عندك حاجة أخرى جئت لأجلها. قال: «لا». قال: «أما قدمت لتجارة؟» قال الرجل: «لا». هنا قال الرجل: «ما جئت إلا في طلب هذا الحديث». قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». وهذه القطعة من هذا الحديث أخرجها مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، قال: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، رضا بما يصنع، قال: وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، قال: حتى الحيتان في الماء». جاء في حديث أبي أمامة: «حتى النملة في جحرها ليستغفرون لمعلم الناس الخير». أبشر يا طالب العلم، واصبر يا طالب العلم على العلم وعلى تعليمه للآخرين، لا تمل من المجالس، ولا تمل من الحال، فلربما يكون الجو حارا، يكون للعلم لذة يا إخوان عند أن يتصبب العرق، حين أن تنطفئ الكهرباء، يكون للعلم لذة. وما أجمل ما ذكره الإمام أبو الحسن أحمد بن فارس الرازي اللغوي المتوفى سنة ثلاث مئة وخمس وتسعين من الهجرة، قال الإمام أحمد بن فارس: «إذا كان يؤذيك حر المصيف، ويبص الخريف، وبرد الشتاء، ويلهيك حسن زمان الربيع، فأخذك للعلم قل لي متى، قل لي متى». وذكر العلماء عن الزمخشري المعتزلي، لكن يا إخوان كان مهتما بالعلم، كان مهتما بالعلم ولا سيما اللغة، ذكروا عنه كما في ديوانه كان ينشد فيقول: «سهري لتنقيح العلوم الذليل، من وصل غانية وطيب عناقي وتمايلي طربا لحل عويصة، أشهى وأحلى من مدامة ساقي» أي من صاحب خمر يدور بالكؤوس بين الناس، قال: «وصرير أقلامي على أوراقها، وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكائي والعشاقي، وآلذ وآلذ من نقر الفتاة لدفها نقر لألق الرمل عن أوراقي أبيت سهران الدجا وتبيته نوما، وتبغي بعد ذاك لحاقي» لا يستوون يا إخوان، من جد وجد، ومن زرع حصد. وهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قال: وفضل العالم على العابد، قال: كفضل القمر على سائر الكواكب». وفي حديث أبي أمامة: «كفضلي على أدناكم». قال: «وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا، لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». العلم يا إخوان، إن أعطيته الكثير من أعمارنا وأوقاتنا وأموالنا لا يعطينا إلا القليل، ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. سلف هذه الأمة يا إخوان كم أنفقوا من أموال من أجل طلب الحديث وأخذ العلم، لربما يبيع أحدهم سقف بيته من أجل أن يستعين بهذه النفقة في طلب العلم. ذكروا كما في تاريخ الإسلام للإمام الذهبي رحمه الله تعالى عن الإمام محمد بن سلام أو بن سلام البيكندي، أحد مشايخ الإمام البخاري رحمه الله تعالى، أنه كان في مجلس الإملاء، كان في مجلس الإملاء يعني يلخص يكتب وراء الشيخ، حصلت له مصيبة، لك أن تتخيل ما هي المصيبة: انكسر القلم، انكسر القلم، والكل مشغول بالكتابة، ماذا؟ تدوين العلم. انظروا كيف كان العلم عزيزا عندهم، فأمر شخصا ينادي: «قلما بدينار، قلما بدينار». تدري الدينار كم؟ أربع جرامات ذهب، والربع الجرام اضرب أربع في كم سعر الجرام الذهب اليوم، لربما في تسعين ألف، مئة ألف، بل عيار واحد وعشرين، اضرب بمئة وخمس وعشرين ألفا أو مئة وثلاثين ألفا، قلما بدينار. فماذا حصل؟ تطايرت الأقلام، تطايرت الأقلام، كل يريد أن يعطيه قلما. لكن تخيل لو قال: «يا جماعة من معه قلم زائد»، كما نفعل نحن اليوم، «من معه قلم زائد عنده فلوس في الجيب ما يريد يخرج إلى المكتبة ويشتري له قلما بمئة ريال يمني، يمني». فماذا يا إخوان؟ هؤلاء عرفوا قيمة العلم ونفاسة العلم وفضل العلم. العلماء هم ورثة الأنبياء، فكن منهم. وإن العلماء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، أخذ بحظ وافر. وكم يا إخوان ينفع الله عز وجل العباد والبلاد بأهل العلم، بأهل العلم. قال أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: «قال: العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، إذا بدت للناس اهتدوا، وإذا اختفت تحيروا». وهكذا الناس يا إخوان، تأتي النوازل والمدلهمات والفتن العظام، فمن، فمن ينبر لها، ومن يتصد لها إلا أهل العلم؟ فإذا لم يوجد العلماء هنا يتخبط الناس، ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. قال عبد الله بن محرز رحمه الله تعالى: «قال: إن كنت، أو إن كنت لأعد بقاء عبد الله بن عمر إلا أمانا لأهل الأرض، إلا أمانا لأهل الأرض». وكم يدفع الله عز وجل يا إخوان بسبب رحلة أهل الحديث، يدفع البلاء عن أهل الأرض. فالحديث حول العلم وفضله والعلماء ومكانتهم العالية ذا شجون، فأسأل المولى عز وجل أن يوفقني وإياكم للعلم النافع، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.