الدرس في التعليق على الجواب الكافي 122، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن مدخل المعاصي للعبد من خلال أربعة أبواب، ويبدأ بشرح خطورة اللحظات وهي النظر، حيث تعد رائد الشهوة ورسولها. يُشدد على أهمية حفظ النظر لما له من تأثير على حفظ الفرج ودين الشخص.
النص يحث على غض البصر ويبين خطورة النظر إلى المحرمات، حيث يعتبر النظر بداية الحرام وقد يؤدي إلى مفاسد كبيرة. كما يشير إلى أن الصبر على غض البصر أسهل من الصبر على عواقبه الوخيمة.
النص يحذر من النظر وآثاره السلبية، حيث يسبب الحسرات والزفرات والحرقات، ويجعل الإنسان غير قادر على الصبر على ما يرى، مما يؤدي إلى العذاب. كما يشير إلى أن النظر يمكن أن يكون قاتلاً للإنسان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام أبو القيم رحمه الله تعالى: فصل في مدخل المعاصي. قال: وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة، وهي اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات. اللحظات المراد بها النظر، والخطرات المراد بها الفكر، واللفظات المراد بها الكلام، والخطوات المراد بها المشي. قال أولا: فأما اللحظات، فهي رائد الشهوة ورسولها. فنذكر في كل واحد منها فصلا يليق به. من حفظ هذه الأشياء حفظ دينه. قال: فأما اللحظات، فهي رائد الشهوة، فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج. فمن أطلق نظره أورد نفسه موارد الهلاك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية». هذا الحديث خرجه أحمد وأبو داود من طريق شريك بن عبد الله النخعي القاضي، عن ربيع الأيادي، عن عبد الله، أو عن ابن بريدة، عن أبيه. وهذا الإسناد ضعيف لأن شريك بن عبد الله النخعي ولي القضاء فساء حفظه. وأيضا أبو الربيع العيادي فيه جهالة. إلا أن الشيخ الألباني ذكر له طريقا أخرى عند أحمد من طريق ابن سحاق، لكن فيه عنعنَة ابن سحاق. وذكر أيضا أن حديث جرير بن عبد الله البجلي الذي في صحيح البخاري يشهد له، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن نظر الفجأة، قال: «اصرف بصرك». يعني المعنى واحد، فلهذا حسنه الشيخ الألباني. قال: فمن غض بصره عن محاسن امرأة، أورث الله قلبه حلاوة العبادة إلى يوم القيامة. وهذا معنى حديث أبي أمامة الذي ذكرناه، وأنه لا يصح، بل حكم عليه الشيخ الألباني بأنه موضوع. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾. فدل على أن النظر هو بداية الحرام، فلهذا أكثر دخول الحرام على العبد بالنظر. فإنه لو لم ينظر لما فكر في هذه المرأة، ولما أيضا حصل ما حصل من الحرام. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس على الطرقات». قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد منها، إنما هي مجالسنا نجلس فيها نتحدث. قال: «فإن كنتم لابد فاعلين، فأعطوا الطريق حقه». قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام». هذا الحديث خرجه الإمام البخاري ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. قال: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان. فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». قال: فيقع الفعل ولابد، ما لم يمنع مانع. قال: وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. قالوا: لهذا قالت شاعرة: كل الحوادث مبدأها من النظر... ومعظم النار من مستصغر الشرر. كم نظرة بلغت في قلب صاحبها... كمبلغ السهم بين القوسين والوتر. قال: والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في أعين غير، موقوف على الخطر. يسر مقلته ما ضر مهجته... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر. قال: ومن آفات النظر أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات. وكم من إنسان كان قتيل هذا النظر. قال: فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه، وهذا من أعظم العذاب. قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتعبتك المناظر. رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه... ولا عن بعضه أنت صابر. قال: وهذا البيت يحتاج إلى شرح، ومراده أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر عليه. قال: وكم من مرتهن اللحظاته، فما أقلعت، وهو يتشحط بينهن قتيلا. كما قيل: يا نظر ما أقلعت لحظاته... حتى تشحط بينهن قتيلا. قال: ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكانه من قلب الناظر. قال رحمه الله: يا راميا بسهام اللحظة المجتهدة... أنت القتيل بما ترمى فلا تصبي. وباعث الطرف يرتاد الشفاء له... أحبس رسولك لا يأتيك بالعطب. قال: وأعجب من ذلك أن النظر يجرح القلب جرحا، فيتبعها جرح على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء كرارها. قال: ما زلت تتبع نظرة في نظرة... في أثر كل مليحة ومليح. وتظن ذاك دواء جرحك، وهو في التحقيق تجريح على تجريح. قال: فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكى... فالقلب منك ذبيح. قال: وقد قيل: إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات. وتقدم أيضا أن الصبر على هذه اللحظات أيسر مما بعده. ومن ذلك الذي بعده هو دوام الحسرات. فهذا شيء مما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله في اللحظات، وأن مدخل عظيم من المداخل التي تضعف قلب المؤمن. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.