الدرس في شرح الشمائل المحمدية 11، تابع : باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وباب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض المقطع خلاف الصحابة والتابعين والعلماء في جواز خضاب الشيب بالسواد، فمنهم من رخص ومنهم من كره أو حرم مستندين إلى أحاديث النهي، وخلص ابن القيم إلى أن النهي منصب على أمرين: نتف الشيب وخضابه بالسواد.
ناقش المقطع أدلة التحريم من الأحاديث الصحيحة مع ذكر تأويلين لابن القيم: النهي عن السواد البحت دون المخلوط، وعن خضاب التدليس والغش، وسرد أقوال المجيزين من الصحابة، ثم رجح التحريم لقوة الأدلة وحمل فعل المجيزين على الخلط بالحناء أو انتفاء التدليس.
تناول المقطع باب كحل رسول الله في سنن الترمذي، وذكر حديث ابن عباس في استحباب الاكتحال بالإثمد لجلاوة البصر وإنبات الشعر، مع بيان ضعف زيادة عدد المرات، وناقش أقوال العلماء في كيفية الوتر في الاكتحال مستدلين بحديث أنس في البدء باليمنى والختم بها.
ذكر الشيخ وجود قولين في مذهب أحمد وغيره في كيفية الوتر في العين: إما ثلاث في كل عين، أو ثلاث في اليمنى واثنتان في اليسرى مع البدء والختم باليمنى، ورجح القول الثاني لحديث أنس، ثم ختم المجلس بالدعاء وطلب الاشتراك في القناة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: أخذنا باب ما جاء في خضاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك، وأنه عليه الصلاة والسلام خضب، على الصحيح، خلافًا لمن نفى ذلك، وإنما أخبر كل بما رأى، وهو صادق في ذلك. وهنا مسألة ذكرها العلماء، وهي مسألة الخضاب بالسواد: هل هو جائز أم لا؟ نذكر ما قاله أهل العلم في ذلك. يقول الحافظ رحمه الله تعالى: «وقد اختلف في الخضب وتركه، فخضب أبو بكر وعمر وغيرهما كما تقدم، وترك الخضاب علي وأبي بن كعب وسلمة بن الأكوع وأنس وجماعة». قال -أي الحافظ-: «وقد رخص فيه -أي الخضاب بالسواد- طائفة من السلف، منهم: سعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والحسن، والحسين، وجرير، وغير واحد». إذن ذكر الحافظ رحمه الله أن طائفة من السلف رخصوا فيه -أي الخضاب بالسواد-، وهم من ذكر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. انتهى كلام الحافظ من الفتح. وقال القاضي عياض: «اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، ورووا حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن تغيير الشيب، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يغير شيبه. روي هذا عن عمر وعلي وأبي بكر وآخرين». هؤلاء الذين ذهبوا إلى ترك الخضاب. «وقال آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم للأحاديث الواردة في ذلك». إذن هذا الخلاف وارد بين الصحابة والتابعين. قال: «ثم اختلف هؤلاء، فكان أكثرهم يخضب بالصفرة، منهم: ابن عمر، وأبو هريرة، وآخرون، وروي ذلك عن علي. وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم، وبعضهم بالزعفران. وخضب جماعة بالسواد، روي ذلك عن عثمان، والحسن، والحسين بن علي، وعقبة بن عامر، وابن سيرين، وأبي بردة، وآخرين». انتهى كلام القاضي عياض، وهو مذكور في النيل في المجلد الأول؛ لأنك لن ترى كتاب اللباس ولا غيره إلا في مقدمة النيل في المجلد الأول في كتاب الطهارة. ذكر الشوكاني رحمه الله تعالى الخلاف بين العلماء في هذه المسألة. وأيضًا ممن ذكر الخلاف في المسألة ابن القيم رحمه الله. قال: «والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها بوجه، فإن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من تغيير الشيب أمران: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن تغيير الشيب، ما هو؟ قال: أمران. أحدهما: نتفه. لا يجوز نتف الشيب، يعني: من طلعت فيه شعر بيض يحرم عليه نتفها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن نتف الشيب، وقال: إنه نور المسلم، ومن شاب شيبة فله بكل شعر حسنة. هذا الأمر الأول: النهي عن نتفه. والثاني: خضابه بالسواد، يعني: النهي عن خضابه بالسواد». والأصل في النهي عن الخضاب بالسواد هو حديث جابر بن عبد الله، وهو في مسلم: «أنه أتي بأبي قحافة والد أبي بكر الصديق عام الفتح، رأسه كأنه ثغامة بياض، يعني: أن شعره كان كله أبيض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا، وجنبوه السواد». هذا هو الأصل وعمدة من حرم الخضاب بالسواد. وأيضًا حديث آخر عند أبي داود وأحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يكون أقوام آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة، لا يريحون رائحة الجنة». وهذا الحديث صححه شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، وهو حديث صحيح، على الرغم أن بعض العلماء طعن فيه كابن الجوزي رحمه الله، حتى ذكره في الموضوعات، ظنا منه أن الراوي في هذا السند هو عبد الكريم بن أبي المخارق، والصحيح أنه عبد الكريم بن مالك الجزري، وهو ثقة، فالحديث صحيح لا نطعن فيه، وقد روي من عدة أوجه. هذا عمدة من حرم الخضاب بالسواد: هذان الحديثان. وبعضهم استدل على جواز الخضاب بالسواد، ولكن عمدتهم أحاديث ضعيفة لم تثبت، ذكرها شيخنا رحمه الله تعالى في رسالته. شيخ مقبل له رسالة: «تحريم الخضاب بالسواد»، وهو يذهب إلى التحريم. رسالة قيمة ضمن مجموعة رسائل، منها: الجمع بين الصلاتين في السفر، وذم المسألة، وشرعية الصلاة في النعال، هذه كلها مطبوعة ضمن مجلد واحد، ومنها: تحريم الخضاب بالسواد. وذكر فيها الأحاديث الدالة على تحريم الخضاب بالسواد، وأن الذين ذهبوا إلى جوازه ليس معهم دليل قوي يثبت في المسألة، وإن كان قد عمل به بعض السلف وترخص فيه، كمن ذكرهم هنا: كالحسن، والحسين، وعقبة بن عامم، وجرير البجلي، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وابن سيرين، وجماعة من التابعين. هؤلاء ذهبوا إلى جوازه. قال ابن القيم متممًا لكلامه: «والذي أذن فيه وصبغه وتغيره بغير السواد، كالحناء والصفرة، وهو الذي عمله الصحابة رضي الله تعالى عنهم». هنا إشكال: إن قيل: كيف أذن بالخضاب بالكتم وهو نبت يميل إلى السواد؟ نبت هذا الكتم يميل إلى السواد كما تقدم في تعريفه. أجاب عن هذا الإشكال: مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن خضاب السواد وأذن بالحناء والكتم. أجاب ابن القيم بجوابين، كما في الزاد: الأول: أن النهي عن التسويد البحت، فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به. قال: وهذا أصح الجوابين. انتبه لهذا: يقول: النهي في الحديث -أي قوله صلى الله عليه وسلم: «وجنبوه السواد»- المراد به السواد البحت، أي: السواد الخالص. أما ما كان مخلوطًا فلا يدخل في النهي. بمثال ذلك: الحناء إذا خلطت بالكتم فإنها تميل إلى السواد وليست أسود بحت. إذن هذا جواب أحد الجوابين. الجواب الثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس. خضاب إيش؟ التدليس. التدليس يعني: الغش والغربة. أن هذا يخضب شعره ليبين أنه ما زال صغيرًا. قال: مثل ماذا؟ مثل خضاب شعر الجارية، أو المرأة الكبيرة تغر الزوج والسيد بذلك، تغر زوجها أو سيدها لترى أنها صغيرة. وخضاب الشيخ يغر المرأة. هذا تدليس. واحد شيبة شعره أبيض يأتي ويخضب بالسواد، هذا فيه تدليس، لأنه كأنه ما زال صغيرًا إذا رؤي شعره أسود. قال: «فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليسًا ولا خداعًا فقد صح عن الحسن والحسين أنهما كانا يخضبان بالسواد». انتهى كلام ابن القيم. وذكر ابن جرير في كتاب تهذيب الآثار جماعة من الصحابة والتابعين ممن كان يخضب بالسواد، يعني: ترخصوا فيه، وهم: الحسن، والحسين، وعثمان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص. هؤلاء تسعة من الصحابة. قالوا: ومن التابعين: عمر بن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وموسى بن طلحة، والزهري، وجماعة. يعني: كثير من التابعين. هؤلاء ذهبوا إلى جواز الخضاب بالسواد. فالراجح من هذه المسألة أنه لا يجوز الخضاب بالسواد، لقوة الأحاديث في ذلك، إذ الحديث في صحيح مسلم ولا يعارضه شيء ولا يقاومه شيء. ويحمل أن هؤلاء الصحابة إما خلطوا -خلطوا ذلك- يعني: أنهم خلطوا بالحناء، فربما رؤي أنه خضاب بالسواد وهو ليس بسواد بحت، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى. أو على القول الثاني: ما هو القول الثاني؟ أنه لم يكن فيه تدليس، أنه لم يكن فيه تدليس. وما كان فيه تدليس فهو محرم؛ لأنه يدخل في الغش والخداع. وبهذا نكون انتهينا من باب خضاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتقرؤون إن شاء الله رسالة شيخنا مقبل في تحريم الخضاب بالسواد. قال الترمذي رحمه الله: «باب ما جاء في كحل رسول الله صلى الله عليه وسلم». سيذكر الآن الأدلة في باب الكحل. ما هو فائدة الكحل؟ الكحل له فوائد. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد: «وفي الكحل حفظ لصحة العين، وتقوية للنور الباصر، وجلاء لها، وتلطيف للمادة الرديئة واستخراج لها، مع الزينة في بعض أنواعه، وله عند النوم مزيد فضل لاجتماهما على الكحل وسكونهما عقبًا عن الحركة المضرة بهما، وخدمة الطبيعة لهما. وللأثمد من ذلك خاصية». يعني: سيذكر بعد ذلك الأدلة على أن أفضل أنواع الكحل هو الأثمد. انتهى كلام ابن القيم من الزاد. فالكحل فيه منافع للعين، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يكتحل ويأمر بالاكتحال. قال الترمذي: «حدثنا محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن عباد بن منصور. وعباد صدوق، رمي بالقدر، وتغير بآخره، وكان يدلس. وعلة هذا الحديث هو الرازي مع عباد». قال: «عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اكتحلوا بالإثمد». هنا بالكسر. «فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر». فإنه يجلو البصر: أي يوضحه ويقويه، وينبت الشعر أيضًا. هنا الإثمد له خاصية في إنبات الشعر، وقيل: أنه ليس شعر الرأس، وإنما شعر الأهداب التي في العين. طيب، هذا الحديث صححه الألباني، برغم اثنين واعدعين، إلا الجملة الأخيرة فإنها ضعيفة جدًا، وهي: «وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه». هذه الجملة الأخيرة من الحديث ضعيفة جدًا. وأما الأول فهي صحيحة بشواهدها: «اكتحلوا بالإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر». نأتي إلى فوائد هذا الحديث. قال الشوكاني رحمه الله تعالى في النيل: «والحديث يدل على استحباب أن يكون الاكتحال في كل عين ثلاثة، وأن يكون بالإثمد، وأن يكون في كل ليلة، وأن يكون عند النوم». وقال ابن رسلان: «وفي كيفية الوتر في الاكتحال وجهان؛ لأنه ذكرت الرواية التي فيها أنه يكتحل في هذه العين ثلاثًا وثلاثًا، وبعض الروايات أيضًا عند الترمذي أنه يكتحل في اليمنى ثلاثًا وفي اليسرى اثنتين. ولهذا جاء الخلاف، فمنهم من قال: يكتحل هنا ثلاثًا، فتكون لكل عين وتر، وفي هذه ثلاثًا، انتهى الإشكال. أو يكتحل في هذه ثلاثًا وفي هذه اثنتين، فيكون بمجموع الاثنين وتر؛ لأن ثلاثة واثنين كم؟ خمسة، فيكون بمجموع العينين وتر. فيبدأ باليمنى ثم اليسرى ثم اليمنى ثم اليسرى ويختم باليمنى. هذا إذا كان في هذه ثلاث في اليمنى وفي اليسرى اثنتين. ولهذا قال ابن رسلان: وفي كيفية الوتر في الاكتحال وجهان: أحدهما أن يضع في كل عين ثلاث مرات، قال: وهذا هو الأصح. حديث ابن عباس يعني الذي في هذا الباب، ولكن هذا اللفظ الذي فيه الثلاث ضعيف. قال: والثاني أن يضع في اليمنى ثلاث مرات وفي اليسرى مرتين، فيكون المجموع وترا لأنها خمس. أو في عين ثلاث مرات وفي عين أربع مرات، يقصد أن يكون الختام في اليمنى كما بدأت باليمنى تختم باليمنى حتى يكون وترا». وهنا فائدة: روى أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثًا وفي اليسرى اثنتين بالإثمد. هذا الحديث صحيح، يعني: سنده جيد. حديث أنس فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكتحل بالإثمد في العين اليمنى ثلاثًا وفي اليسرى اثنتين، فيكون على هذا الوتر: يبدأ باليمين ويختم باليمين. قال ابن القيم: «فهل الوتر بالنسبة إلى العينين كلتيهما، فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثنتان، واليمنى أولى بالابتداء والتفضيل، أو هو بالنسبة إلى كل عين، فيكون في هذه ثلاث وفي هذه ثلاث؟ قال: وهما قولان في مذهب أحمد وغيره». إذن معنا قولان في المسألة: في مسألة الوتر في العين، إما أن يجعل في كل عين ثلاثة، وإما أن يجعل في اليمنى ثلاثًا وفي اليسرى اثنتين ويبدأ باليمنى ويختم بها، وهذا هو الأصح لحديث أنس رضي الله تعالى عنه. قال: طيب، جاء الوقت، نكتفي بهذا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. جاء الوقت، اشتركوا في القناة.