الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 160، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع الفرق بين النهي عن تعليق الدعاء بقول "إن شئت" وجواز قول "طهور إن شاء الله" للمريض، مبيناً أن الأخير خبر ورجاء وليس دعاءً لأن المرض يكون طهوراً إن صبر المحتسب. كما يطرح إشكال تعليق المشيئة في دعاء الاستخارة وسؤال الحياة والموت.
يبيّن المقطع أن قول «اللهم إن كنت تعلم أن هذا خيراً...» ليس تعليقاً بالمشيئة المنهي عنه، بل ردٌّ لعلم الغيب إلى الله عند الجهل بما يصلح للعبد. ثم يلخص شيخ الإسلام أربع مسائل تتعلق بالنهي عن الاستثناء في الدعاء وعلة ذلك والأمر بعزم المسألة وإعظام الرغبة.
يحث المقطع على عدم اليأس من رحمة الله حتى لو أجمع الأطباء على استحالة الشفاء، مستشهداً بقصة نبي الله زكريا وقصة معاصرة لكبير سن استعاد بصره. ويبين أن العزم في الدعاء دون تعليقه بالمشيئة يدل على سمو الشريعة ويزيد طمأنينة المؤمن وإيمانه بقدرة الله.
يختتم المقطع الدرس الحالي بالإعلان عن الانتقال إلى الباب التالي في الدرس القادم، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقل. بذلك تُختتم مسائل باب الدعاء والانتقال لموضوع جديد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا عند باب قول: «اللهم اغفر لي إن شئت»، وذكرنا الحديث الذي فيه ينهى عن ذلك، الحديث في الصحيحين. وهنا مسألة، تتمة المسألة الأولى: تقدم معنا أنه لا يجوز تعليق الدعاء بقولك: «إن شئت»، فما هو الجواب في حديث ابن عباس الذي رواه الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عاد مريضاً قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله»؟ فما معنى قوله: «إن شاء الله»؟ هل هو من هذا الباب أم لا؟ أجاب العلماء، ومن أقواها: أن هذا اللفظ ليس من باب الدعاء، وإنما هو خبر من باب الرجاء. فقول الزائر أو العائد للمريض: «طهور إن شاء الله»، فهو يرجو أن يطهره المرض من الذنوب، فهذا رجاء منه، ولذلك جاء بصيغة الخبر. وما جاء بصيغة الخبر يجوز تعليقه بالمشيئة لأنه من باب الرجاء. وهذا مثل قولك لشخص من المقبولين: «إن شاء الله»، أو قولك: «المغفور له بإذن الله». هذا كله من باب الإخبار والرجاء، لأن هذا المريض قد يكون هذا المرض سبباً للطهارة من الذنوب متى ما صبر واحتسب، وقد لا يكون كذلك إذا جزع وتسخط. فأنت لما تقول له: «طهور إن شاء الله»، لا تدعو له أن هذا المرض يكون له طهور، وإنما ترجو أن يكون من الصابرين المحتسبين الذين يكون هذا المرض سبباً في طهارة ذنوبهم. فهذا لا شك أنه يختلف عن الدعاء بشيء ليس فيه إخبار، وليس فيه جهل بالعاقبة، وليس فيه كذلك رجاء. فهناك فرق. فحمل العلماء حديث ابن عباس هذا، الدعاء للمريض أو في القول للمريض: «طهور إن شاء الله»، من باب الإخبار، وليس من باب الدعاء. فلذلك صح وجاز أن يقال: «إن شاء الله». وهنا مسألة أخرى أيضاً يذكرها العلماء، وهو التعليق في دعاء الاستخارة: هل هو من هذا الباب؟ لأنك تقول: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر» وتسميه «خيراً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري» ونحو ذلك، «فقدره لي». وأيضاً ما جاء فيمن ابتلي بمرض أو نحوه، فجاء أنه يجوز له أن يقول: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي». هل هذا أيضاً من التعليق بالمشيئة؟ الجواب: هذا ليس تعليقاً بالمشيئة، وإنما لأمر مجهول عند هذا الداعي. فهو لا يعلم هل هذا الأمر خير له أو ليس بخير له. فالتعليق هنا ليس لدعائه، وإنما لجهله بما هو خير له، بخلاف الدعاء الذي نهى عن التعليق فيه في الأمر المجزوم به. فقولك: «اللهم اغفر لي»، هل هذا فيه جهل؟ هل هذه المغفرة خير لك أو ليست خير لك؟ المغفرة خير لك لا شك. «اللهم ارحمني»، الرحمة خير لك. وهكذا «اللهم ارزقني»، الرزق خير لك. بخلاف ما جاء في مثل هذه الأحاديث، فأنت الآن مضطرب في هذا الأمر، تريد أن تسافر ولا تدري هل السفر هذا خير لك أو ليس خير لك. فهنا ترد غيب ذلك وأمر ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، فتقول: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيراً...». هذا ليس تردداً في الدعاء، وإنما هذا تردد فيما هو خير لك لأنه أمر مجهول بالنسبة لك. فهذا ليس من هذا الباب كذلك. فهذه الإشكالات هكذا رد عليها أهل العلم. قال المؤلف، شيخ الإسلام في خلاصته لمسائل هذا الباب: المسألة الأولى: نهى عن الاستثناء في الدعاء. وتقدم معنا أن هذا النهي الصحيح أنه للتحريم، لما فيه من التنقص للرب سبحانه وتعالى، وبما فيه من ما يشعر بأن لله عز وجل مكره، أو أن هذا الأمر عظيم على الله، أو ما فيه من الإشعار باستغناء العبد عن ربه. فلذلك ينهى عن الاستثناء في الدعاء، وهو التعليق. الاستثناء بمعنى التعليق في الدعاء. الثاني: بيان العلة في ذلك، والعلة في ذلك كما جاء في الحديث: «فإن الله لا مكره له»، وهذا اللفظ يوحي إلى ذلك. وفي لفظ آخر: «فإن الله لا يتعظمه شيء أعطاه». نعم. الثالث: قوله: «ليعزم المسألة»، أي: لا يتردد في الدعاء، بل يجزم بأن الله عز وجل لا يخيبه ولا يرده، فيدعو الله وهو موقن بالإجابة. الرابعة: إعظام الرغبة، أي أن العبد يسأل ما بدا له، أي شيء تريد، وإن كان كثيراً، وإن كان عظيماً، فالله عز وجل لا يتعظمه شيء أعطاه. فيسأل الإنسان ما بدا له، فلا شيء عزيز أو ممتنع على الله، والله عز وجل على كل شيء قدير. مثالاً: إنسان عشرين أو ثلاثين سنة ما جاءه الولد، لا يقول: «خلاص، أنا فاتني القطار، وهذا أمر مستحيل بالنسبة لي»، فيترك الدعاء. لا، ادعُ الله، عز وجل على كل شيء قدير. ما يدريك لعل الله عز وجل يستجيب دعوتك ويرزقك الولد ولو بلغت من العمر عتياً، كما وقع لنبي الله زكريا عليه السلام. فلا تيأس. قرر جميع أطباء الدنيا أن هذا المرض الذي بك لا علاج له، وأنك ستعيش أياماً ويقضي عليك هذا المرض وتموت. لا تيأس، التجأ إلى الله وادعُ الله وتضرع إلى الله، فالله عز وجل هو الذي جعل فيك هذا المرض، وهو قادر سبحانه وتعالى على زواله وذهابه. فادعُ الله، وكم من إنسان قيل له ذلك، فالتجأ إلى الله، وتعجب الأطباء من ذهاب المرض الذي مثله لا يوجد له علاج عندهم. الله على كل شيء قدير، الله لا يتعظمه شيء سبحانه وتعالى. ففيه أنك تعظم الرغبة، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعظمه شيء أعطاه. أنت أعمى، قرر الأطباء أن هذا العمى لا يمكن أن يتعالج. ادعُ الله، ما يدريك؟ لا تقل: «كيف سأنظر؟ الأطباء قد قرروا ذلك». الأمر لله. نعم، التجأ إلى الله، واصدق مع الله، وادعُ الله، والله عز وجل على كل شيء قدير. روي عن أحد القدماء من كبار السن أنه بينما هو يقرأ القرآن، فإذا به لا يرى، ذهب بصره. فذهب عند الأطباء، قالوا: «خلاص، هذا البصر انتهى، ستبقى هكذا». فألح إلى الله عز وجل بالدعاء، ودعا الله أن يرى، ولو قراءة القرآن، يريد أن يرى من أجل أن يقرأ القرآن. فاستجاب الله لدعوته، فكان إذا فتح المصحف رأى ما هو مكتوب فيه، وإذا أغلق المصحف ذهب بصره. سبحان الله! هذا يحكيها كثير من المشايخ، قد وقعت لأحد كبار السن في هذا الزمان. فالله عز وجل على كل شيء قدير، لا يتعظمه شيء سبحانه وتعالى. قال: الخامسة، التعليل لهذا الأمر، يعني: لماذا لا يعلق العبد الدعاء بالمشيئة؟ قال: لبيان سمو الشريعة. يقول ابن عثيمين: لبيان سمو الشريعة، وزيادة طمأنينة الإنسان. يعني: لماذا يقول: «ليعزم المسألة»؟ ليعلم المسلم أنه عزيز على الله، وأن الله عز وجل قادر على أن يجيب دعوته، ولو كانت هذه الدعوة عظيمة. وكذلك زيادة طمأنينة الإنسان، بمعنى أنه يزداد إيمانه، استجابة دعوة الداعي، مما تكون سبباً لزيادة الطمأنينة والسكينة والإيمان بالله عز وجل. قال: ثالثاً، القياس. إذا كانت المسألة في الأحكام... القياس إذا كانت المسألة في الأحكام، يعني في الأحكام الشرعية، في الأحكام الشرعية. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب. في الدرس القادم، إن شاء الله، ننتقل إلى الباب الذي بعده. وإلهنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقل ترجمة نانسي قنقل ترجمة نانسي قنقل ترجمة نانسي قنقل