الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 141، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الحديث القدسي يبين أهمية إطعام المحتاج وزيارة المريض، وأن هذه الأفعال تعتبر إطعاماً لله تعالى. يُظهر الحديث أهمية معاملة الناس بإحسان وكرم.
يؤكد الحديث القدسي أن إطعام الجائع وعيادة المريض وسقي العطشان هي أعمال خيرية تجد ثوابها عند الله. الله يضيف هذه الأفعال إليه تشريفا للعبد الذي يقوم بها.
الحديث لا يدعم تأويلات أهل الحلول والاتحاد، ويبين أن العبد هو الذي يمرض ويطلب الطعام والماء، بينما الله هو الرب الذي يثيب على هذه الأفعال. يدل الحديث على فضائل الإطعام والسقي وزيارة المريض.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأذب المفرد: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله: استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب، وكيف استطعمتني ولم أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو كنت أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب، وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو كنت سقيته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان مرضا، فلو كنت عدته لوجدت ذلك عندي، أو وجدتني عنده. وهذا الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث، كما سمعنا، وهو حديث قدسي يرويه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه تبارك وتعالى، أن الله عز وجل يقول للعبد يوم القيامة: استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب، وكيف استطعمتني ولم أطعمك وأنت رب العالمين؟ أي أنه ينزه الله سبحانه وتعالى عن ذلك؛ لأن الإطعام هو من صفات المخلوقين، ليست من صفات الخالق سبحانه وتعالى. فإن الله عز وجل لكماله وعظمته سبحانه وتعالى، فإنه لا يوصف بهذا الوصف، وهو وصف الإطعام؛ فهو نقص في حقه. فقال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فالله عز وجل لا يحتاج إلى الطعام؛ الطعام يحتاج له المخلوق، يحتاج إلى الطعام والشراب حتى يستعين به على تقوية نفسه وعلى حياته وعيشه. وأما الخالق سبحانه وتعالى، فهو الغني عز وجل عن جميع ذلك، لا يحتاج ربنا جل وعلا إلى طعام أو شراب أو ولد أو صاحبة، كما قال الله جل وعلا: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوة أحد﴾، ﴿ما اتخذ صاحبة ولا ولد﴾، ﴿إن الله هو الغني الحميد﴾. فالله جل وعلا غني. قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو كنت أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ فبينه ربنا سبحانه وتعالى أن المراد بقوله: استطعمتك فلم تطعمني، هو استطعام العبد الذي طلب منك الإطعام فلم تطعمه؛ أي لم تعطه شيئا. قال: أما علمت أنك لو كنت أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يعني لو أطعمته لو وجدت أجر ذلك عندي؛ ثواب الصدقة وأجر الإنفاق تجده عند الله سبحانه وتعالى. وإنما قال: استطعمتك، وأضاف الله جل وعلا الإطعام إليه، وهكذا المرض والسقي، هو من باب تشريف العبد، من باب التشريف له والإكرام. وهكذا أيضا في السقي: استسقيتك فلم تسقني، قال: يا ربي، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: إن عبدي فلانا استسقاك فلم تسقه، أما علمت أنك لو كنت سقيته لوجدت ذلك عندي؟ يعني أجر ذلك وثوابه لوجدته عندي. وهكذا أيضا المرض: مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعوذك وأنت رب العالمين؟ ولم يقل هنا: كيف مرضت؟ لأن المرض، كما سمعنا، من الصفات النقص والصفات المنفية عن الله سبحانه وتعالى، وهو نقص تنزه عنه الرب جل وعلا. وهذا أيضا من تأدب العبد مع ربه؛ من تأدب العبد مع ربه أنه لا ينسب المرض إلى الله عز وجل، لا ينسب المرض إلى الله سبحانه وتعالى. وكما قال إبراهيم عليه السلام، كما أخبر الله عز وجل عنه: أنه قال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾، ما قال: إذا أمرضني الله أو أمرضني. وهذا من تأدب الأنبياء مع الله سبحانه وتعالى. فقال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض، فلو كنت عدته لوجدت ذلك عندي؟ يعني لو عدت هذا المريض لوجدت أجر ذلك عندي. فهذا هو ظاهر هذا الحديث: أن المراد بالإطعام والسقي وعيادة المريض هو عيادة العبد الذي استطعم بإطعامه، وسقي الذي استسقى، وعيادة الذي مرض. وإنما أوصى الله سبحانه وتعالى ذلك إليه كما قلنا من باب التشريف. ولهذا قال: أما علمت أن عبدي فلانا؟ فذكر الله سبحانه وتعالى ربا وعبدا. فالذي مرض واستطعم واستسقى هو العبد، ليس هو الخالق جل وعلا عن ذلك. وقوله: أو وجدتني عنده، المراد وجدتني عنده يعني معية علم وإحاطة، لا معية ذاتية؛ ليس معنا وجدتني عنده أي أن الله سبحانه وتعالى عند هذا العبد في مجلسه، وإنما المراد بعلمه وإحاطته ومعرفة الله جل وعلا بما يفعله العبد. كما قال الله جل وعلا: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، والله جل وعلا مستو على عرشه: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، فالله جل وعلا في العلو مستو على عرشه، وهو قريب من خلقه بعلمه وإحاطته سبحانه وتعالى. وليس في هذا الحديث دليل من استدل به من أهل الحلول والاتحاد الذين قالوا بأن الله حل في العبد، كقول غلاة الصوفية كأمثال ابن عربي والتلمساني وابن الفارض وغيرهم من الملاحدة والزنادقة الذين يقولون إن الرب عز وجل يحل في العبد. كما يقول ابن عربي: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، وما الله إلا راهب في كنيسة، ويقول: العبد والرب عبد، يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت عبد فذاك حق، وأن قلت رب أن يكلف... إلى آخر ذلك مما هو أعظم من مثل هذا من اعتقاد هؤلاء الزنادقة. فسدلوا بهذا الحديث على أن الله جل وعلا يحل في العبد بقوله: استطعمتك، واستسقيتك، ومرضت. وكما سمعنا أن في الحديث يسفه دلالة على هذه العقيدة الباطلة. فالله جل وعلا ذكر، كما سمعنا، ربا وعبدا: مرض عبدي، استطعمك عبدي، استسقاك عبدي. فبين الله جل وعلا أن الذي استسقى والذي استطعم والذي مرض هو العبد للرب سبحانه وتعالى. ثم كذلك بين الله جل وعلا أن هناك رب وهناك عبد. فليس في هذا الحديث دلالة لا من قريب ولا من بعيد على هذه العقيدة الفاسدة الباطلة. وهكذا أيضا استدل به بعض أهل التأويل الذين أولوا نصوص الكتاب والسنة وحرفوا ما دل تأويله عليه من أسماء وصفات لله سبحانه وتعالى، ثم رموا أهل السنة بأنهم مؤولة وأنهم أولوا بعض النصوص، ومنها هذا الحديث. قالوا: أنتم يا أهل السنة قد أولتم، فكيف تنكرون علينا؟ قالوا: فهذا الحديث الله سبحانه وتعالى يقول: استطعمتك فلم تطعمني، ثم تقولون أن المراد بالإطعام هو إطعام العبد، وهكذا في بقية الحديث. والجواب ظاهر: أن هذا هو ظاهر الحديث، أن الذي استطعمه هو العبد، والذي استسقى هو العبد، والذي مرض هو العبد، ليس الرب سبحانه وتعالى. قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو كنت أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ فليس في هذا الحديث تأويل أبدا، بل هذا هو ظاهره. وفي هذا الحديث دلالة على فضيلة الإطعام؛ أي أن يطعم العبد من سأله بما تيسر، واجد ثواب ذلك عند الله سبحانه وتعالى. لو أطعمته لو وجدت ذلك عندي؛ يعني ثوابه. وهكذا أيضا فضيلة السقي: من استسقاك وطلب منك أن تسقيه فاسقيه، وتجد ثواب ذلك عند الله سبحانه وتعالى. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «في كل ذات كبد رطبة أجر». وهكذا أيضا فيه فضيلة عيادة المريض. وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب: مرض عبدي فلان فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي؟ يعني وجدت أجر ذلك، أجر عيادته عندي، وجدت ثواب ذلك عند الله سبحانه وتعالى. ففي هذا الحديث دلالة على فضل عيادة المريض، وهو الشاهد كما قلنا من ذكر هذا الحديث في هذا الباب. والله تعالى أعلم.