الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 5، ألقاها
يروي المقطع مناظرة بين الأذرمي وأحمد بن أبي دؤاد حول خلق القرآن، حيث استخدم الأذرمي أسلوبًا مناظريًا يعتمد على إفحام الخصم. انتهت المناظرة بانقطاع أحمد بن أبي دؤاد وعدم قدرته على الرد.
يناقش تقسيم صفات الله إلى ذاتية وفعلية، ويُثبت صفة الوجه لله استنادًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُفسر الوجه على أنه صفة حقيقية لله تليق بجلاله.
يؤكد على إثبات صفة الوجه لله جل وعلا مستندًا إلى إجماع السلف وآيات القرآن الكريم، ويناقش تفسير معنى "الوجه" في الصفات الإلهية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين. قال الإمام الدارمي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله في كتاب «الرد على الجهمية»، وقال محمد بن عبد الرحمن الأذرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلموه هؤلاء أعلمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول قد علموها. قال: فوسعهم أن لا يتكلموا به ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم. قال: فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه، وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت. فانقطع الرجل. فقال الخليفة وكان حاضرًا: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم. هذه المناظرة كما ذكر المحقق أنه أخرجها الخطيب في «تاريخ بغداد»، ومن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد»، وهكذا يذكرها الذهبي في «سير إعلام النبلاء»، والآجري في «الشريعة»، وابن كثير في «البداية والنهاية». وجرت بين عبد الله بن محمد الأذرمي، وكان المناظر له أحمد بن أبي دؤاد الجهمي المبتلع الظالم الذي آذى أهل السنة في زمنه، ودعا إلى القول بخلق القرآن. وكانت المناظرة حول هذه البدعة الكفرية، وهي القول بخلق القرآن. والخليفة الذي حضرها هو الواثق بالله هارون بن محمد المعتصم بالله ابن هارون الرشيد. ومراحل هذه المناظرة كما سمعنا أن محمد بن عبد الرحمن الأذرمي قال لهذا الرجل المبتدع أحمد بن أبي دؤاد حين دعا إلى هذه البدعة، وهي القول بخلق القرآن ودعا الناس إليها. وهذه المراحل التي اتخذها معه تسلك مع كل مبتدع وكل مبطل دعا إلى باطل وإلى بدعة، فإنه يناظر بمثل هذه المناظرة، ويقال له ما قيل في هذه المناظرة. قال له: هذا الذي تدعو الناس إليه، أعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي - النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو أعلم الخلق بالله جل وعلا، وأفضل الأنبياء والرسل، وهؤلاء الخلفاء الأربعة هم أعلم هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام - فهذا الذي تدعو إليه أعلمه النبي عليه الصلاة والسلام وهؤلاء صحابته الكرام الخلفاء الأربعة؟ هل علموا هذا الذي تدعو إليه؟ قال: لا. قال: لم يعلموه. فقال: يقال له إذا قال لم يعلموه: يقال له أشيء لم يعلموه هؤلاء تعلمه أنت؟ هل أنت أكرم على الله من النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه حتى يخفي عليهم هذا القول ويعلمه إياك؟ فلما قال له ذلك رجع فقال: بل علموه. قال: بل علموه. قال: فإذا قال ذلك: يقال له أفوسعهم أن لا يتكلموا به أم لم يسعهم؟ يعني إذا علموه كما تقول، فهل دعوا إليه؟ هل دعوا الناس إليه أم أنهم سكتوا ووسعهم أم لم يتكلموا في هذا الأمر ولا يدعوا الناس إليه؟ فالجواب: أنه وسعهم أم لم يتكلموا فيه؛ لأنه إن قال: بل تكلموا ودعوا، سيقال له: أثبت لنا ذلك، وسيتبين كذبه. فلهذا قال: بل وسعهم أن يسكتوا. فإذا قال ذلك يقال له: شيء وسع رسول الله وخلفاء الراشدين لا يسعك أنت. شيء وسعهم وسكتوا عنه ولم يدعوا الناس إليه، أفلا يسعك أنت؟ وحينئذ يفحم هذا الخصم ولا يستطيع حينئذ أن يجيب. فلما قاله ذلك فحم ولم يستطع أن يجيب، فرد عليه الخليفة: شيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يسعك أنت، فدعا على من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه. فهذه المراحل يستفاد منها طالب العلم والعالم والداعي إلى الله جل وعلا في مخاصمة ومجادلة أهل الباطل إن دعا الحال إلى ذلك، بأن يتخذ معه هذه المراحل التي بها يخصم. ودائمًا صاحب الباطل مآله إلى السكوت وإلى الانهزام؛ لأن حجة صاحب الحق قوية. قالوا: هكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت، فلا وسع الله عليه. يقول: من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم قرأ آيات الصفات، وقرأها الصحابة، وقرأها الأئمة من بعدهم من التابعين، ومع ذلك ما خاض فيه أحد منهم بالباطل كما خاض فيه من خاض بعدهم من أهل الضلال من المعطلة والممثلة. إذن يسعنا ما وسعهم من قراءة هذه الآيات وإمرارها كما جاءت، وإثبات ما دلت عليه من المعاني من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ثم ذكر رحمه الله بعض آيات الصفات، قال: فمما جاء من آيات الصفات قول الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. أولًا ينبغي أن نعلم أن صفات الله جل وعلا على قسمين: صفات ذاتية وصفات فعلية. صفات ذاتية خبرية ذاتية؛ لأنها متعلقة بالذات لا تنفك عن ذات الله جل وعلا، وهي بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء - بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء - كالوجه واليدين والقدم والبصر أو العين ونحوها من هذه الصفات. هذه الصفات تسمى صفات ذاتية وتسمى خبرية؛ لأن معرفتها عن طريق الكتاب والسنة. والنوع الثاني من الصفات: صفات فعلية، وهي المتعلقة بمشيئة الله جل وعلا، متى شاء فعلها، متعلقة بفعل الله متى ما شاء فعلها، كالنزول والمجيء والإتيان والاستواء. وإن كان الكلام يعد من الصفات الذاتية الفعلية؛ لأنه متعلق بالذات، ومن الصفات الفعلية؛ لأنه متعلق بفعل الله جل وعلا ومشيئته، متى ما شاء تكلم، ونحو ذلك من الصفات. وجميع هذه الصفات يجب إثباتها لله جل وعلا كما أثبتها الله جل وعلا نفسه، وكما أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فذكر المؤلف رحمه الله من الصفات الذاتية صفة الوجه، قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِكَ﴾. يريد قول الله جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وإن كان الأولى بالمؤلف أن يذكر الآية كاملة حتى يتبين منها كمال المعنى الذي يراد إثباته. فقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِكَ﴾ هذه الآية فيها إثبات صفة الوجه لله جل وعلا، وأنه وجه حقيقي يليق بالله سبحانه وتعالى، لا يشابه ويماثل صفات المخلوقين؛ لأن الله عز وجل لا يماثله شيء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولأن صفة الوجه لله جل وعلا قد وصفها الله بالصفات العظيمة التي لا يمكن أن تكون مثل صفات المخلوقين، كما في قول جل وعلا في هذه الآية: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وهكذا أيضًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من تهى إليه بصره من خلقه»، يعني لو رفع الحجاب هذا الحجاب الذي هو النور لأحرق سبحات وجه الله - يعني نوره وبهاؤه وحسنه وجماله - من تهى إليه بصره من خلقه. إذن هو وجه حقيقي يليق بالله جل وعلا. وأهل التحريف والتعطيل نفوا هذه الصفة وعطلوها، وقالوا: المراد بالوجه هو الثواب، المراد به الثواب. ومنهم من قال: المراد به الذات، يبقى وجه ربك أي ذات ربك. ومنهم من قال: إن الوجه زائدة، وأن الآية: «ويبقى ربك». وقولهم هذا باطل من وجه، أولها: أن هذا خلاف الظاهر، أن هذا خلاف الظاهر، وصرف للفظ عن ظاهره من غير مقتض لذلك. والأصل إثبات نصوص الكتاب والسنة على ظواهرها، ومن ذلك آيات الصفات؛ فإننا نثبتها على ظاهرها كما وردت. والأمر الثاني: إجماع السلف على إثبات هذه الصفة، ولم يقل أحد منهم أن المراد بالوجه الثواب، فيكون هذا القول مخالفًا لقول السلف والإجماع السلف، فهو قول مردود. كذلك أيضًا من الأوجه التي يرد بها عليهم: أن الله جل وعلا وصف هذا الوجه بصفات تدل على أن المراد به حقيقة الصفة. فقوله جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وصف الوجه بأنه ذو جلال وإكرام، ذو الجلال يعني ذو العظمة والسلطان، والإكرام يعني ما يكرم الله عز وجل به عباده، أو كذلك أيضًا ما يكون له من الإكرام من عباده؛ لأن إكرام مصدر أكرم يكرم إكرامًا، فيصلح أن يكون بمعنى مكرم ومكرم. فالله جل وعلا مكرم أي لعباده بالثواب والأجر، وهو جل وعلا كذلك مكرم من عباده بالتعظيم والإجلال والتذلل والخضوع لله جل وعلا. وهذا الوصف وصف للوجه؛ لأن الوجه هنا مرفوع، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ﴾، والصفة تتبع الموصوف، فجاء بالصفة مرفوعة، فقال: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، إذا هذا الوصف وصف للوجه، وليس وصفًا للذات. لو أراد أن يصف الذات لقال: ذو الجلال؛ لأن ربك هنا مجرورة، وجه ربك، وصفة تتبع الموصوف، فلو أراد صفة الذات لقال: وجه ربك ذو الجلال، لكن أتى بها مرفوعة، فدل على أن هذا وصف للوجه. ولا يمكن أن يوصف الثواب بهذا الوصف، ما يقال للثواب أنه ذو جلال وإكرام. إذا دل على أن المراد بالوجه هنا الصفة على حقيقتها. أيضًا في حديث أبي موسى في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «حجابه النور، لو كشفه لأحرق سبحات وجهه منتهى إليه بصره من خلقه». وهذا لا يمكن أن يكون وصفًا للثواب، لا يمكن أن يكون وصفًا للثواب، فلا يقال في الثواب أنه يعني لو كشف هذا أحرق ما كان من خلق الله جل وعلا. إذن هذه كلها أوصاف للوجه تدل على أن المراد به إثبات صفة الوجه على حقيقتها. إذن هذه الآية تدل على إثبات صفة الوجه لله جل وعلا، وكما سمعنا أنه وجه يليق بالله لا يماثل صفات المخلوقين. ومثل هذه الآية أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، المراد هنا إثبات صفة الوجه مع ماذا؟ دلالة على إثبات الذات، يعني يبقى ربك جل وعلا المتصف بصفة الوجه، كل شيء هالك إلا وجهه، إلا ربك المتصف بصفة الوجه. وهكذا أيضًا في هذه الآية: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِكَ﴾، يعني يبقى ربك جل وعلا المتصف بصفة الوجه. وكذلك أيضًا غيرها من الآيات التي وردت في ذكر الوجه، فالأصل يراد بها الصفة، يراد بها صفة الوجه لله جل وعلا. وقول الله جل وعلا: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، هذه الآية اختلف فيها السلف، منهم من قال: المراد بالوجه هنا الجهة، المراد بها الجهة، فثم وجه الله أي ثم جهة الله التي أمركم الله جل وعلا بالصلاة إليها ويقبل بها صلاتكم. ومنهم من قال: المراد بالوجه هنا الصفة، فثم وجه الله يراد بها حقيقة الصفة لله جل وعلا. وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهكذا أيضًا الإمام الدارمي، وكذلك أيضًا العلامة ابن عثيمين رحمه الله، وهكذا الشيخ العباد حفظه الله، وغيرهم من أهل السنة: أن المراد بها صفة الوجه. وذلك أن الله جل وعلا لا يحاط به علمًا سبحانه وتعالى، وأن الإنسان مهما توجه فهو متوجه إلى الله جل وعلا. وفي أثر ابن عباس: «ما السماوات والأرض في يد الرحمن إلا كحلقة في يد أحدكم»، هذا يدل على أن العبد مهما توجه فهو متوجه إلى الله سبحانه وتعالى. على أن لكل القولين وجه، من قال بأن المراد به الجهة فله وجه في ذلك؛ لأن الوجه يطلق في اللغة على معنى الجهة، فإذا دلت قرينة على ذلك وأن المراد بها الجهة فهنا له معنى صحيح، وقرينة تدل على هذا المعنى فيحتمل هذا المعنى. وإن كان الأولى والأصح حمله على إثبات الصفة لله جل وعلا.