شرح نخبة الفكر 28

شرح نخبة الفكر 28

الدرس في شرح نخبة الفكر 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الإسناد في الحديث النبوي وتعريفه

يشرح المقطع تعريف الإسناد والمتن، ويؤكد أن الإسناد هو الطريق الموصل إلى متن الحديث، مبيناً تميز الأمة الإسلامية بالاعتناء بالإسناد خلافاً لغيرها. يذكر أقوال العلماء وقصصهم في التشديد على ضرورة الإسناد لضمان صحة النقل، وأن الإسناد من الدين ولولاه لقال من شاء ما شاء.

تعريف المتن والصحابي في مصطلح الحديث

يشرح المقطع تعريف المتن بأنه غاية الإسناد المنتهية إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو التابعي، ويبين اختلاف اصطلاح العلماء بين الخراسانيين وأهل الحجاز في تسمية المرفوع والموقوف والمقطوع. ثم يفصل تعريف الصحابي بأنه من لقي النبي مؤمناً به ومات على الإسلام، مستثنياً من لم يره في حال الإيمان كالأعمى والمخضرم، مستدلاً بقصة الأشعث بن قيس.

قصة الأشعث بن قيس ومراتب الصحابة

يسرد المقطع قصة الأشعث بن قيس الذي ارتد ثم تاب وحسن إسلامه، ويوضح أن من ارتد ثم عاد يُعد صحابيًا. كما يبين تفاوت مراتب الصحابة في الفضل والملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم، ويحكم على من رآه النبي صغيرًا أو مرة واحدة بأنهم صحابة تبعًا وليسوا كمن لازمه.

حكم رواية من لم يدرك الصحابة واعتبارهم من التابعين

ينقل الإمام أبو حاتم وغيره أن رواية من لم يدرك الصحابة تُعامل معاملة رواية كبار التابعين، وتعتبر روايتهم مرسلة. ويُعرف التابعي بأنه من لقي الصحابي، وسيدرج المؤلف لاحقاً أنواع التابعين المذكورة في كتابه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعليه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ثم الإسناد". قال: وهو الطريق الموصل إلى المتن، والمتن هو غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام. عندنا الحديث مكون من متن وإسناد: متن وإسناد. فالمتن هو الحديث، نص الحديث، والإسناد هو الذي يعتمد عليه هذا النص. ولهذا كان العلماء لا يحبون حديثًا بدون إسناد، حتى أن إسحاق بن أبي فروة كان يقول: "قال رسول الله، قال رسول الله"، فقال الزهري: "قاتلك الله يا بن أبي فروة، أتريد أن تطلع السطح بدون سلم؟" جاء بأحاديث ليست لها سناد. شبهه الزهري بمن يطلع السطح وليس له سلم، كيف سيطلع؟ فقال له: "قاتلك الله يا ابن أبي فروة، تأتي بأحاديث ليس لها خطام ولا زمام، أتريد أن تصعد السطح بلا سلم؟". فلابد من الإسناد في الحديث. ومما خص الله عز وجل به هذه الأمة -كما ذكر الأئمة كعبد الله المبارك وغيره- أن مما خص الله عز وجل به هذه الأمة الإسناد، أن ليس هناك أمة اعتنت بالإسناد كهذه الأمة. اليهود ليست لهم أسانيد، وإن ذكروا أسانيد فهي أسانيد معضلة، يرويها المتأخر أو يرويها رجل عن رجل قد مات قبل مئة سنة أو أكثر، فأسانيدهم كلها معضلة. وهكذا النصارى ليست لهم أسانيد. واختار الله عز وجل، أميز الله عز وجل هذه الأمة بالإسناد، أي أنهم أخذوا دينهم بهذا الإسناد، ويبين هذا أنهم أخذوه بيقين، أخذ الدين من الإسناد، معنى أخذه بيقين إلى النبي عليه الصلاة والسلام بالتواتر إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك كان الإسناد من الدين، كما قال العلماء: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وأيضًا جاء الناس بحديث لا خطام لها ولا زمام. ولهذا سأل العلماء عن الإسناد، فلما حدثت الفتنة قال ابن سيرين: "قلنا لهم: سموا رجالكم، ونسمي رجالنا". لا بد من الإسناد. قال عبد الله المبارك لأبي إسحاق الطلقي: "يا أبا إسحاق، الحجاج بن الحجاج والنبي عليه الصلاة والسلام بينهما مفاوز تنقطع فيها عناق الإبل". أما قال له أبو إسحاق الطلقي: "يا أبا عبد الرحمن، إن من البر للوالدين أنك تصلي لهما وتصوم لهما"، فقال: "يا أبا إسحاق، عن من هذا؟" وتتصدق لهما، فقال: "يا أبا إسحاق، عن من هذا؟" قال: "عن حجاج بن الحجاج". قال: "ثقة، عن من؟" قال: "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: "يا أبا إسحاق، إن بين حجاج والنبي عليه الصلاة والسلام مفاوز تنقطع لها عناق الإبل، ولكن ليس في الصدقة اختلاف". وأراد عبد الله المبارك أنه لابد من الإسناد، وليس معنى ذلك مثلاً أن يقول للشخص: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أنه لابد أن يأتي بالإسناد، وخاصة في هذا الزمان لا، لأن هذا الزمان قد عُرفت الأحاديث وكتبت في الكتب، فلا يحتاج إلى أن يأتي الشخص بالإسناد إلا من باب الحفظ فقط، من باب الحفظ أو من باب توكيد هذا الإسناد، وإلا إذا لم يأتِ به لا شيء عليه لأن الإسناد موجود. فقوله مثلاً: "رواه البخاري" أي بإسناده، "رواه مسلم" أي بإسناده، "رواه أحمد" أي بإسناده، فالإسناد معروف موجود في الكتب. فلذلك قال المؤلف رحمه الله هنا: "والإسناد هو الطريق الموصلة إلى المتن"، الطريق الموصلة إلى المتن. ورأى الحافظ رحمه الله أن هذا التعريف أقرب من قول بعض العلماء: "هو سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن". فالطريقة عام، معنى الطريقة الموصلة إلى المتن، لكن إيش المقصود؟ المقصود هو سلسلة الرجال، الإسناد سلسلة الرجال التي توصلك إلى المتن. والمتن هو الغاية التي ينتهي إليها الإسناد. المتن قال: هو الغاية، غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام، أنه إما أن ينتهي إلى النبي عليه الصلاة والسلام تصريحًا أو حكمًا من قوله أو فعله أو تقريره، أو إلى الصحابي كذلك. فإما أن ينتهي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أو إلى الصحابي، أو إلى التابعي، وكل هذا يسمى متنًا. وكما قلنا أن العلماء حصل عندهم بعض الاصطلاحات، فمنهم الخراسانيون يقولون للحديث: "حديث"، وللمعنى المرفوع يقولون: "حديث"، وما جاء عن الصحابة أو عن التابعين يسمونه "أثر"، يسمونه "أثر". وغالبًا أهل الحجاز والبصرة والكوفة يقولون "أثر" ويريدون به كل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن الصحابة أو عن غيره، معنى ما أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام يسمى "أثر". والأمر في ذلك سهل، لكن من باب المصطلح اصطلح العلماء أن ما كان عن النبي عليه الصلاة والسلام فهو المرفوع، وما كان عن الصحابة فيسمى الموقوف، وما كان عن التابعي فيسمى المقطوع، وما كان دون ذلك فقد يقال مثلاً: "موقوف على فلان"، موقوف على فلان. ثم قال: "إلى الصحابة كذلك". وهو أي الصحابة: من لقي النبي عليه الصلاة والسلام مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو تخللته ردة، في الأصح. الصحابة كما قال المؤلف رحمه الله: هو من لقي النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما عبر الحافظ بـ "من لقي" لأن كثيرًا من العلماء يعبر بـ "من رأى النبي عليه الصلاة والسلام"، من رأى النبي عليه الصلاة والسلام. لكن غير الحافظ العبارة قال: "حتى يدخل فيها الأعمى"، حتى يدخل فيها الأعمى. من لقي النبي عليه الصلاة والسلام مؤمنًا به، أو حال كونه مؤمنًا به، أي لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به. لو رعاه وقد كان كافرًا ثم لم يره في الإسلام فهذا ليس صحابيًا، أنه لو رعاه في زمن الجاهلية ولم يره في زمن الإسلام ثم أسلم فهذا يعتبر ليس صحابيًا، وإنما هو مخضرم، مخضرم يسمونه مخضرم. بعض الصحابة أو بعض التابعين رأوا كثيرًا من الصحابة وحضروا زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكنهم لم يسموا صحابة، مثل مثلاً أوس بن عمر، فإنه حضر مع غزوة ذات السلاسل مع المسلمين وكان قرب أبي بكر رضي الله عنه، حتى تعارف مع أبي بكر وصار صاحبه. وغزوة ذات السلاسل الظاهر أنها في السنة السابعة والثامنة، فحضرها لكنه لم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام. ثم أنه عزم بعد ذلك أن يرى النبي عليه الصلاة والسلام، فلما جاء فدخل المدينة وجد أبا بكر رضي الله عنه يخطب الناس، فقال: "هذا صاحبي"، قال: "هذا الرجل صاحبي". فسمعه يخطب، فيقول: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قام مقام هذا العام، فسأل الله العافية، فإن العبد لم يؤتَ شيئًا أحب إلى الله عز وجل بعد اليقين من العافية". فهذا الرجل حضر وقت النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك لم يجعله صحابيًا. فلذلك لابد أن يكون ضابطًا أنه يلقى النبي عليه الصلاة والسلام وهو مؤمن به، وهو مؤمن به أي حال كونه مؤمنًا به. قال: "وإن مات على ذلك أو مات أقصد على ذلك"، مات على هذا الإيمان، مات أو أقصد مات النبي عليه الصلاة والسلام وهو مؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. قال: "وإن تخللته ردة أو مات على ذلك"، أي مات نفسه الشخص على الإيمان، وإن تخللته ردة، أي بين إيمانه أو إسلامه: أسلم ثم ارتد ثم أسلم. ومما يدل على صحة هذا الكلام الذي ذكره الحافظ وبنى عليه هذا التعريف: مسألة الأشعث بن قيس الكندي. الأشعث بن قيس الكندي أسلم مع وفد أهل حضرموت لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأسلموا. ثم أن هذا الأشعث بن قيس ذهب إلى بلاده إلى حضرموت، وفي عهد أبي بكر أرسل أبو بكر بعض الناس الذين يردون من ارتد عن دين الله، وكان الأشعث لم يرتد، لكن لما رأى قومه يتقاتلون مع بعض الصحابة وكذا وبعض هؤلاء الذين أرسلهم أبو بكر، أخذته الحمية وحصل بينه أيضًا خلاف هو والأمير الذي بعثه أبو بكر، فارتد لذلك وقاتل مع قومه. ثم بعد ذلك ندم وأرسل إليه أبو بكر أن يأتي، فجاء إلى أبي بكر وندم وتاب ورجع إلى الإسلام، وحسن إسلامه، وزوجه أبو بكر أخته، وكان رجلًا شهمًا من رجال حضرموت، من رجال كندة. ثم الشاهد أن العلماء ذكروا حديثه في المسانيد، ذكروه أنه صحابي، ذكروه في الصحابة في ابن أبي حاتم وابن حبان، وكذلك أيضًا الإمام أحمد وغيره من الأئمة ذكروه في الصحابة. وهذا يدل على أن من ارتد ورجع فهو صحابي، وهذا الذي قال الحافظ: "الصحابي من لقي النبي عليه الصلاة والسلام وهو مؤمن به وإن تخللته ردة" على الأصح. لكن هنا أمر مهم: أنه لا شك أن الصحابة ليسوا على درجة واحدة، الصحابة ليسوا على درجة واحدة، ليسوا على درجة واحدة من ناحية التفضيل، وأيضًا من ناحية الدرجة، ومن ناحية أيضًا كذلك ملازمة النبي عليه الصلاة والسلام. الله عز وجل يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾. فهنا الله عز وجل فرق بين من قاتل قبل الفتح، قبل فتح مكة، ومن قاتل بعد فتح مكة. فلذلك فالصحابة ليس كلهم سواء من ناحية، كما قلنا، رد ملازمتهم للنبي عليه الصلاة والسلام. أكثر هناك من الصحابة من هو ملازم للنبي، كابن مسعود وأنس، وكذلك أبو موسى الأشعري، وأيضًا أبو هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم كانوا ملازمين للنبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا أشد الناس ملازمة للنبي عليه الصلاة والسلام أبو بكر وعمر، فهؤلاء لا شك أن درجتهم أعظم. بل أنه وجد من الصحابة من لم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام لكن رآه النبي عليه الصلاة والسلام ولقيه وسُمي صحابيًا. هذا هناك أناس سموا صحابة من باب التبع، وإلا فالأصل ليسوا صحابة لأنهم لم يروا النبي عليه الصلاة والسلام ولم يسمعوا منه شيئًا. لكن من أدرك النبي عليه الصلاة والسلام وأدرك وقته وإن لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا لكنه رآه، فهذا يعتبر صحابيًا. مثل مثلاً محمود بن الربيع الأنصاري، فهو كان يقول: "أذكر مجّة مجّها بي رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أخذ ماء ومجّه في فيه، فكان يذكر وهو ابن خمس سنين هذه المجّة. وهذا يدل على أن هذا يعتبر صحابيًا، وذكره العلماء أنه صحابي. لكن هذا الصحابي ليس مثل من لازمه. أيضًا بعض الصحابة ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة، مثل بعض الأعراب وكذا، هذا يعتبر صحابيًا لكنه ليس مثل أولئك. لكن كلهم تشملهم شرف الصحبة كما قال ابن الجوزي: "لعظمة مطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، فكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه النبي عليه الصلاة والسلام فهو له شرف عظيم، له شرف عظيم". وإن كان كما قلنا الصحبة تختلف بينهم. وأما من لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم وإنما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فهذا عدوه صحابيًا صغيرًا، مثل يوسف بن عبد الله بن سلام، مثل أيضًا محمد بن طلحة، مثل محمد بن أبي بكر الذي ولدته أمه أسماء بنت عميس في حجة الوداع، مات النبي صلى الله عليه وسلم وإنما له أربعة أشهر، وغيره من هؤلاء. هؤلاء وإن سموا صحابة لكنهم ليسوا مثل أولئك، وإنما هذا سموا تبعًا. وأيضًا كذلك كما قال الإمام أبو حاتم وغيره: أن روايتهم للحديث رواية مثل رواية كبار التابعين، روايتهم للحديث مثل رواية كبار التابعين، معنى مرسل يجعلونه، روايتهم مرسلة، جعلوا روايتهم مرسلة. طيب، قالوا: "إلى التابعي"، وهو من لقي الصحابي كذلك، معنى من لقي الصحابي يعتبر تابعيًا، وسيأتي إن شاء الله وتعالى ذكر الأنواع التي ذكرها المؤلف هنا. طيب، إن شاء الله نكتب: سقط، سقط من... تابعين.