الدرس في شرح نخبة الفكر 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تقسيم البدعة إلى كفرية ومفسقة وآراء العلماء في قبول رواية المبتدع، حيث تختلف الآراء حول قبول رواية المبتدع بناءً على كونه داعيًا أو غير داعي.
يتناول آراء العلماء المختلفة حول قبول رواية المبتدع، حيث يُقبل حديث غير الداعية ويُرفض حديث الداعية إلى البدعة، مع توضيح آراء ابن حجر والذهبي.
يستعرض حكم البخاري على الرواة المبتدعين مثل عباد بن يعقوب وعمران القطان، ويوضح آراء ابن حجر والذهبي حول هذا الحكم وتفاصيل إخراج البخاري لرواياتهم.
يؤكد أن رواية المبتدع تُحكم بالرفض أو الشك حسب حالته، فالداعية تُرفض روايته بينما يُنظر في رواية غير الداعية بناءً على تصرفاته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله: ثم البدعة إما بمكفر أو بمفسق. ثم البدعة من أقسام الطعن في الراوي أنه يطعن فيه بالبدعة، فقال: البدعة تنقسم إلى قسمين: إما بمكفر أو بمفسق. فقال: البدعة تأتي إما بشيء مكفر، البدعة الكفرية، وإما بشيء مفسق ليس كفر. فالبدعة الكفرية، أما التي لا خلاف فيها بين أهل العلم في تكفير أصحابها، فهذا لا شك أنهم يدخلون في البدعة الكفرية، مثل: القاديانية، مثل أيضا الباطنية الإسماعيلية، كذلك أيضا الغلاة الجهمية، فهؤلاء بدعتهم مكفرة. غلاة القدرية كذلك، الذين ينكرون العلم والكتابة، فهؤلاء أيضا كفار، بدعتهم بدعة كفرية. قال أبو... بمفسق في الأول لا يقبل صاحبها الجمهور، أي البدعة المكفرة. وقد ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله في النزهة أن هذا لا ينطبق على كل أحد، وكل من كفر ببدعة. ولأن حصل أن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها. فالآن العقل أن من خالف أصلا ضروريا اتفق عليه الناس واتفق عليه السلف، فجاء وخالفه، فهذا لا شك أنه مبتدع. فإن كان بدعتهم كفرية فلا يقبل منه. وأما إن كان بدعتهم مفسقة، قال: والثاني يقبل من لم يكن داعيا إلى بدعته في الأصح، إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد. وبيّن الجوزقاني شيخ النسائي مسألة البدعة. هذه حصل فيها اختلاف بين العلماء في مسألة قبول رواية المبتدع وعدم قبول روايته، ومن هو المبتدع؟ لأنه مختلف فيه. لأن كل طائفة تبدع صاحب الطائفة الأخرى. فيقول حافظ بن حجر: أن من ترك أصلا من أصول الشريعة مما يعرف من الدين بالضرورة، فهذا لا شك أنه مبتدع. وكذلك يدخل في هذا من أقيمت عليه الحجة فيما ادعاه، فهو أيضا مبتدع. فأما الرواية، رواية المبتدع هل هي مقبولة أو لا؟ فتجد أن أقوال العلماء مضطربة في هذا الباب أو مختلفة. فمنهم من قبل رواية المبتدع ولم يفصل، ومنهم من العلماء من لم يقبل رواية المبتدع مطلقا، وهذا نسب إلى مالك رحمه الله، نسب إلى مالك، وقال به بعض السلف، وهو قول ابن دقيق العيد في الاقتراح: معنى قال يرد قوله إخمادا لبدعته. لكن هذا القول يحمل على أنه إذا كان صاحب بدعة معلن، مبتدع ليس أنه قال ببدعة، لأن هناك من الأئمة من يقبل حديثهم وهم قالوا ببعض البدع، لكنهم ليسوا من يدعو إليها. فلهذا جاء عن جماعة من السلف كلمة، أن محمد وإسحاق وإبراهيم وجماعة أنهم يفرقون بين الداعية وغير الداعية، يفرقون بين من يدعو إلى هذه البدع، وبين من لم يدع. فالداعية لم يقبلوا حديثه، وأما غير الداعية فقبلوا حديثه. أنا أشك في عرف داعية وغير داعية، إذا كان يعرف أدلتهم ويستدل بها فهذا يعتبر داعية. وأما الذي لا يعرف الأدلة فهذا، وإن تعصب، فهو أيضا يعتبر غير داعية. لكن أحيانا العناد والتعصب يؤثر فيجعل شخصا مثل الداعية. قال كثير من هؤلاء العلماء أنه إن كان داعية لا يقبل، وإن لم يكن داعيا يقبل. لكن من نظر إلى عمل الأئمة يجد أنهم خرجوا عن أناس دعاة، كمثال عمران القطان، أخرج له البخاري حديثين، أيضا عباد بن عقوب الجواليقي أخرج له البخاري، وهو داعية. حتى يأتي بكلام عظيم، حتى قال أبو علي أحمد بن صالح الجزرة البغدادي: قال دخلت على عباد بن عقوب الجواليقي، قال: وكان يختبر الناس، فقال لي: من الذي فلق البحر؟ قلت: الله. قال: لا. قال: إذن يخبرني الشيخ. قال: فقال علي. قال: ثم قال من جاء بمسألة أخرى أيضا، قال: الله. قال: لا. قال: إذن يخبرني الشيخ. قال: فقال علي. قال: ثم حدثني ببعض الأحاديث، لما انتهيت من الأحاديث، قلت له: الذي فلق البحر هو معاوية -أو كذا- جاء كلمة. فقال: امسكوا، امسكوا الخبيث. قال: فخرجت. فهذا الرجل كان داعية، يعنى يختبر الناس مثل هذه الأشياء التي هي كفر. لكن الظاهر أن البخاري أخرج له قديما، ولهذا ابن خزيمة يقول: أخبرني عباد بن يعقوب الجواليقي قبل أن يحدث ما أحدث. فكأنه كان شيئا صغيرا ثم كبر، صار يتكلم مثل هذا ويبتدع مثل هذه الأشياء. وأما مسألة عمران القطان، عمران بن داور القطان، فهذا الله أعلم. منهم من يقول أن البخاري إنما أخرج عنه لأنه رجع، لكن لم يثبت رجوعه. ومنهم من قال: لكن يقول الحافظ ابن حجر: حتى لو قلنا أنه رجع، لكن هذه الأحاديث التي رواها البخاري رواها من طريق يحيى بن بكثير، ويحيى بن بكثير لقيه في اليمامة قبل لما كان هاربا. فلس لهذا فهو حدث بهذا الحديث وهو في بدعته. فبعض هؤلاء العلماء كالتاريخي وغيره قالوا: أنه متروك، وأنه مثل هذا لا يقبل الحديث منه. والله أعلم. معنى أي شيء يقصد البخاري بإخراجه لمثل هؤلاء؟ وبعضهم يقول: بعض هؤلاء العلماء يقول: أنه إنما أخرج لهم في الشواهد. لكن هناك أخرج له حديثين. الحديث الأول في الحرير، فهذا قد رواه عن ابن عمر جماعة، ورواه عن عمر أيضا جماعة. لكن الحديث الثاني في الصور: ﴿كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وجد شيئا أو صورا في بيتي طمسها﴾ وجاء بلفظ: ﴿تصاليب إذا رأى التصاليب مسحها أو قطعها﴾ تصاليب، إذا كان بملافظ التصاليب. هذا حديث يعتبر أصلا. وأما إذا كان بالتصاوير قد جاءت أحاديث تشهد له. فالإمام الذهبي رحمه الله يقول: أن هذه المسألة من أصعب المسائل. لكن قال: الظاهر أن أهل البدع يختلفون. لأن الإمام أحمد رحمه الله كما ذكر الحافظ بن رجب له تفصيل آخر في أهل البدع، يفرق بين البدع أنفسهم. فمثلا القدرية يقول: أن الدعاء لا يقبل منهم. المرجئة: معنى يقول: أنهم يقبل منهم جميعا، حتى الدعاء. وإلا فهناك من المرجئة من أخرج له البخاري، هناك دعاة منهم عمر بن مرة، عمر بن مرة الهمداني كان داعية بدعاء المرجئة، حتى قال حماد بن زيد: قال قد ترك الناس في الكوفة المرجئة حتى دخل فيه عمر بن مرة، فدخل الناس معه. لكن يقال: الخلاصة أنه على هذا، إن كان مبتدع داعية فلا يقبل. وإن كان غير داعية أو داعية وجاء بما يؤيد بدعته، فإنه متهم في ذلك. فهذا خلاصة ما يذكر في مسألة البدعة. نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.