الدرس في شرح نخبة الفكر 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع مسألة الرواية بالمعنى واختصار الحديث، ويشير إلى أن أكثر العلماء يجيزون الرواية بالمعنى لمن هو عالم باللغة وبما يحيل المعاني. كما كان يفعل الصحابة والتابعون في روايتهم للأحاديث.
يتناول المقطع أمثلة على اختصار الأحاديث النبوية وتأثير ذلك على فهم المعنى الصحيح، حيث يشرح كيفية اختصار حديث مزادة المرأة المشركة وحديث أبي هريرة في مسلم. ويبين كيف يمكن أن يؤدي الاختصار إلى تغيير أو إخلال بالمعنى المقصود.
يجب أن يكون اختصار الحديث بنفس المعنى، ويشترط فيمن يختصر الحديث أن يكون عالماً بما يحيل المعاني. كما أن هناك كتباً ألفها العلماء لبيان غريب الحديث ومشكل الحديث، مثل كتاب "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير وكتاب "مشكل الحديث ومعاني الآثار" للطحاوي.
يتمثل الخلاصة في الرجوع إلى المراجع الخاصة بالأحاديث الغريبة والمشكلة عند مواجهة أحاديث غير مفهومة. حيث يرجع الغريب إلى غريب الحديث والمشكل إلى مشكل الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ومن بعدهم، قال المؤلف رحمه الله، الحافظ ابن حجر: "ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني". فإن خفي المعنى واحتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل، فهذه العبارة الآن في مسألة، أو فيها مسائل. مسألة الرواية بالمعنى وهي على قسمين: إما باختصار الحديث، وهو المقصود هنا بالنقص، أو بروايته بمعناه، فرواية بالمعنى حصل فيها خلاف بين العلماء، لكن أكثرهم على جوازها لمن هو عالم بما يحيل المعاني، كما ذكر الحافظ. من كان عالما باللغة وبما يحيل المعاني، فهو يجوز له أن يروي بالمعنى؛ لأنه قد جاء عن الصحابة أنهم كانوا يروون بالمعنى، وجاء عن كثير من التابعين أنه كانوا يروون بالمعنى، وكذلك عن كثير من الرواة. والتزم قليل من الرواة باللفظ. خلاصة الأمر في هذه المسألة أنه يجوز لمن هو عالم بما تحال إليه المعاني أن يروي بالمعنى. وقد كان دأب جماعة من الصحابة، وكذلك التابعين وغيرهم. حتى إن بعض الألفاظ تختلف أحيانا شيئا يسيرا، لكن المعنى واحد. ولهذا يقول الإمام أحمد: "يحمل معين". كان ابن بشار -إبراهيم بن بشار- يسمع الحديث عند سفيان بن عينة، ثم يكتبه للناس. قال: "فكنا نسمعه يذكر أشياء لم يذكرها ابن عينة". إبراهيم بن بشار المرادي هذا طالب من طلبة ابن عينة القدماء، لكن جاء مرة أخرى عند ابن عينة، وكان يجلس في الحلقة، وبعد الحلقة يأتي ويملي على الحاضرين. فسمعه أحمد بن حنبل أنه يذكر كلمات لم يذكرها سفيان بن عينة، فعابوا عليه ذلك. لكن وجه بعض العلماء أن هذا لا يعاب على ابن بشار؛ لأن ابن بشار قد سمع ابن سفيان قديما، فهو يذكر لهم ما كان في كتابه الذي سمعه من ابن عينة قديما. وهذا التغيير إنما حصل من ابن عينة؛ لأن ابن عينة كان يروي بالمعنى، فالتغيير هذا ليس منه، وإنما هو من ابن عينة. فلهذا فهو لا يعاب عليه هذا الشيء. المسألة الثانية: مسألة اختصار الحديث. أيضا هذا اختصار الحديث فرع من الرواية بالمعنى؛ لأن الإنسان ما يختصر الحديث إلا إذا فهم معناه. صار يختصر الحديث مثل ما يفعل البخاري رحمه الله، يختصر بعض الحديث. والاختصار هنا ليس المراد أخذ شيء من الحديث أو أخذ جزء من الحديث، لا، وإنما الاختصار هو اختصار معنى الحديث في جملة أقل. مثل اختصار بعض العلماء -ظهر أنه- بن دقيق العيد حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة امرأة مشركة". الذي في بلوغ المرام، وكذلك في كتاب الأحكام لابن دقيق العيد. فقال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة امرأة مشركة". هذا حديث مختصر من حديث طويل، الذي جاء فيه: أنه جاء بامرأة معها مزادة، لما كان ماء عندهم نضب، فبحثوا فوجدوا امرأة معها مزادة، فجاءوا بها للنبي صلى الله عليه وسلم، مزادة راوية ماء. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "هاتي مزادتك". فصب الماء في إناء، ثم وضع يده في الإناء، فصار الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا كلهم بهذا الماء، ثم رد الماء في المزادة، وقال: "هل أنقصناك شيئا؟" قالت: "لا". فالآن هل النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من المزادة؟ لا، ما توضأ من المزادة، وإنما صب الماء في إناء، وثم بارك الله عز وجل في ذلك الماء، وتوضأ الناس من ذلك الماء. فهنا اختصار، اختصر الحديث؛ لأنهم يريدون وجه الشاهد. الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل إناء من آنية الكفار، وتوضأ الناس من هذا الإناء؛ لأنهم الآن يريدون استعمال الآنية في الوضوء، آنية الكفار في الوضوء. فلهذا اختصروا هذا الحديث، فقالوا: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة امرأة مشركة". هذا يعتبر اختصارا من الاختصارات. حديث أبي هريرة الذي في مسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يخرج أحدكم من صلاته إلا من صوت أو ريح". هذا الحديث رواه شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وكل الرواة الذين رووا هذا الحديث عن سهيل لم يقولوا هكذا، وإنما قالوا: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من وجد شيئا في صلاته فلا يخرج حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". وفي رواية شعبة قال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح". وهذا اختصار للحديث. وقال العلماء: أنه اختصار فيه إخلال بمعنى الحديث؛ فليس في الحديث أنه لا وضوء إلا من صوت أو ريح، وإنما خروج الإنسان من صلاته لا يخرج إلا إذا سمع صوتا أو وجد ريحا؛ معنى إذا تيقن بالحدث. وليس معنى أنه لا وضوء إلا من صوت أو ريح؛ لأنه في حصر الوضوء في الصوت والريح. فلهذا قالوا: أن هذا الحديث بعضهم يقول -كما قال أبو حاتم- أن شعبة أخطأ فيه، أن أخطأ في اختصاره. وبعضهم يقول: أنه ليس من شعبة، إنما هو من سهيل، أنه سهيل الذي يفعل هذا. المهم سواء كان من هذا أو هذا، المهم أن هذا الاختصار غير صحيح. أنه تجد بعض الناس يختصر أو بعض الرواة يختصرون حديثا خطأ. فلهذا في الاختصار لا بد أن يكون بنفس المعنى، يحمل نفس المعنى الذي هو موجود في الحديث. وغالب الاختصارات يغتفر فيها، خاصة اختصار معنى الحديث. وأما الأخذ -كما قلنا- من جزء من الحديث ورواية جزء من الحديث هذا سهل؛ رواية جزء من الحديث هذا سهل معنى، ليس فيه اختصار لمعنى الحديث، وإنما المقصود اختصار المعنى؛ حيثما يكون المعنى في كلام طويل يختصره في شيء يسير لأجل وجه الشاهد. يأخذ وجه الشاهد من هذا، كما ذكرنا في حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة امرأة مشركة". فهذا يسمى اختصار الحديث. فهنا لا يختصر الحديث إلا من هو عالم بما يحيل المعاني. وسواء كان أيضا رواية بالمعنى أو اختصار الحديث، لا بد أن يكون عالم بما يحيل المعاني. الأمر الثاني: إن كان أشكل في الحديث معنى، فإن كان لفظ فهو يرجع إلى غريب الحديث، وإن كان بيان معنى فهذا يرجع إلى مشكل الحديث. هناك كتب ألفها العلماء في غريب الحديث وفي مشكل الحديث. غريب الحديث هو معنى الألفاظ الغريبة التي في الحديث. قد ألف أول من ألف هذا أبو عبيد القاسم بن سلام، ألف "غريب الحديث". وأتبعه بعد ذلك أبو عبيد، وأيضا أبو ذر الهروي وغيرهم من العلماء. وجمع كتب هؤلاء ابن الأثير في "النهاية" سمى كتابه "النهاية في غريب الحديث". وأما المشكل، المشكل يكون في المعنى، معنى الالتباس الذي يكون في معنى الحديث، إما أنه يكون فيه وجه تعارض أو التباس في بعض مفهوم الحديث. فهذا يرجع إلى مشكل الحديث أو مختلف الحديث. فقد ألف الكتب التي كتبت عن الإمام الشافعي رحمه الله "مختلف الحديث"، فهو أول من طرق هذا الباب. فيعمد إلى مشكلات الحديث، إما بالتعارض وإما -كما قلنا- بعدم فهم الحديث على وجهه، فيأتي ويبينه. يأتي بحديث آخر أو كذا يبين هذا المشكل. فسموا "مختلف الحديث"، سماه هكذا الشافعي. وكذلك ابن قتيبة وسماه بعضهم "مشكل الحديث". وألف الطحاوي رحمه الله -أبو جعفر الطحاوي- ألف كتاب "مشكل الحديث ومعاني الآثار"، "مشكل الآثار ومعاني الآثار". المعاني هذا المراد به المعنى، والمشكل المراد به الحديث التي يقال أنها متعارضة. وهذه مشكل الحديث أصلاً ليست من مباحث الحديث أصلاً، وإنما هي مباحث الأصول؛ لأنها في الحجية. وقد كان الإمام ابن القيم رحمه الله يقول: "هاتوا لي حديثين متعارضين أجمع بينهما". يقول: "لا تعارض في الحديث". لكن من كان عنده حديثين متعارضين فيأتي بهما إلي، أجمع بينهما. فالآن خلاصة هذا أنه إذا هناك غريب في الحديث يرجع إلى غريب الحديث، وإذا كان مشكل يرجع إلى مشكل الحديث. والله أعلم.