شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 8

الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 8، ألقاها

موقف السلف من خلق القرآن

السلف اتفقوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر. استشهد المؤلف بأقوال أئمة السلف في تأكيد هذا الموقف.

مسألة لفظ القرآن وبدعة الجهمية

الجهمية ابتدعوا فكرة أن اللفظ بالقرآن مخلوق، وتصدى لها أئمة السنة مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. بعض الفقهاء والصوفية تلقفوا هذه الفكرة.

عاقبة التكلم على الأئمة والعلماء

التكلم على الأئمة العلماء له عاقبة وخيمة، حيث يذكر مثال الحسين بن علي الكرابيسي الذي لم يرجع عن مقالته المخالفة للسنة. بينما رجع أبو ثور إلى السنة فرفعه الله.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، آله وصحبه ومن والاه. بعد، فذكر -رحمه الله- الإمام الصابوني في كلامه على مسألة القرآن عن السلف قالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، منزل غير مخلوق، من قال بغير هذا فهو ليس على الإسلام. قال: فعمل لفظ بالقرآن، فإن الشيخ أبا بكر إسماعيل الجرجان -رحمه الله- ذكر في رسالته التي صنفها لأهل جيلان قال فيها: إن من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق -يريد به القرآن- فقد قال بخلق القرآن. والشيخ أبو بكر إسماعيلي هو الحافظ الكبير، حافظ جرجان، إبراهيم إسماعيل -رحمه الله- كان إماما، وألف رسالة سماها «اعتقاد أهل السلف»، وذكر فيها هذا الكلام الذي ذكره المؤلف، وهو أبو بكر إسماعيلي فقيه شافعي كذلك، وإمام أئمة الحديث، وهو الذي ألف «المستخرج على البخاري». قال: وذكر ابن مهدي الطبري في كتابه «الاعتقاد»، وهذا الله أعلم من المراد به ابن مهدي الطبري، فهناك عدة من يقال لهم الطبري: محمد بن جرير، والمحب الطبري، وأبو علي الطبري، لكن غيرهم، لكن لم أجد أحدا اسمه هكذا ابن مهدي، فلعله كان إماما معروفا، أو لعل قوله ابن مهدي هنا نسبه إلى جد له؛ لأنه كان من يسكن في نفس البلد. قال: وذكر ابن مهدي الطبري في كتاب الاعتقاد الذي صنفه لأهل هذه البلاد أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه، ووحيه، وتنزيله، وأمره، ونهيه غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وأن القرآن في صدورنا غير مخلوق، وبألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وهو الكلام الذي تكلم الله عز وجل به، ومن قال: إن القرآن بلفظ مخلوق، أو لفظ به مخلوق، وهو جاهل ظالم كافر بالله العظيم. قال: وإنما ذكرت هذا الفصل بعينه من كتاب ابن مهدي؛ لاستحسان ذلك منه؛ فإنه اتبع السلف من أصحاب الحديث فيما ذكره، مع تبحره في علم الكلام وتصانيفه الكثير فيه، وتقدمه وتبرزه عند أهله، وإن كان أراد أبو بكر الباقلاني -الله أعلم- فهو طبري كذلك. المهم أن هذا الكلام مثل التكفير من يقول باللفظ لم يقوله أحمد، ولا إسحاق، ولا غيرهما، ولا علي، ولا غيره من أئمة الإسلام. فالظاهر أن هذا في شيء من التحامل في هذه المسألة، وإلا فالمسألة مشتبهة عند بعض الناس، مسألة اللفظ هذه أول من جاء بها الجهمية، أول من جاء بها الجهمية؛ لما كسر الله عز وجل جولتهم، ونصر الله عز وجل السنة وأهلها من فتنة خلق القرآن، وصار الجهمية يختفون بكلامهم، ولا يستطيعون أن يجهرون بكلامهم، فإن بعضهم دس هذه الدسيسة فقال: لفظي بالقرآن مخلوق، أنا الملفوظ من قرآني أو من كلامي هو مخلوق، فكيف أنتم تقولون يا أهل السنة: إنه ليس بمخلوق؟ هكذا أراد. وللأسف أن هذه المقالة تلقفها بعض الفقهاء وبعض العباد كالحارث المحاسبي إمام الصوفية، وكذلك الحسين بن علي الكرابيسي، صاحب الشافعي، إنه كان متلميذ الإمام الشافعي -رحمه الله-، وكان رجلا ذكيا، إلا أنه كما قال بعض السلف: عقله أكبر من علمه، عقله أكبر من علمه، فأراد أن يتجاوز العلم، وأراد أن يفرض رأيه على الناس، ولم يحترم العلماء، ولم يقدر العلماء حق قدرهم، حتى استهان بالإمام أحمد -رحمه الله-، فأسقطه الله، وكذلك تكلم عليه إمامه، حتى ذكر عند يحيى بن معين، وعند زكريا، يحيى بن معين في مجلس، فقيل له: إن الحسين بن علي الكرابيسي يقول: قلنا لأحمد: لفظنا بالقرآن مخلوق، قال: أنتم جهمية، وقلنا له: غير مخلوق، قال: أنتم مبتدعون، ما ندري ما ينفعل بهذا الصبي، هكذا قال، هكذا قال الكرابيسي. وذكروا ليحيى بن معين هذا الكلام، فقال: لعنه الله، ما أحوج أن يضرب، ما أحوجه للضرب؛ لأنه رجل ما قدر العلماء، ولا عرف قيمته، ظن أن هذه المسألة التي هو فيها أراد أن ينتصر لنفسه، ولهذا الذي الواجب على طالب العلم، ولو رأى أن الحق معه، وأن العالم -مثلا- من العلماء أخطأ في هذه المسألة، لا يتجاوز، وهو يعلم أن هذا عالم من علماء السنة، وقد نفع الله عز وجل به كثيرا في بيان السنة، فيأتي الرجل في مسألة من المسائل أخطأ -مثلا- هذا الإمام، وهذا العالم، فيزدريه ويتكلم عليه، ويقول عليه كذا وكذا، فهذا ما يسقط الإنسان إلا نفسه، هؤلاء جبال، من قارعهم فإنه يكسر رأسه، ولا يكسر تلك الجبال. وكما قال بعض الشعراء: يا ضارب الجبل ليوهنه، أشفق على الرأس ولا تشفق على الجبل. فلهذا الذي يعرض للأئمة العلماء فإنه لا بد أن يسقط، يسقط، أي تسقط شهرته عند الناس، وكذلك صيته، كذلك علمه. فهذا الكرابيسي كان ذكيا، وكان أيضا يتعلم ويتفقه عند الشافعي مع أبي ثور، وقالوا: بهذا اللفظ دخلا في هذه المسألة، مسألة اللفظ هو وأبو ثور، لكن أبو ثور تراجع لما نصحه أحمد، وجماعة من العلماء، تراجع وأظهر الرجوع، ورجع إلى السنة، وأما الكرابيسي فإنه لم يرجع، بل تحامل على الأئمة، وتكلم عليهم، فلهذا نصر شيخه الحسن بن صالح بن حيى، وتكلم على سفيان الثوري، وعلى غيرهم من أئمة الإسلام. فلهذا قال مروان بن عبد الله الطاطري -رحمه الله-: اعتبروا برجلين، الحسين بن علي الكرابيسي وأبو ثور، فأبو ثور رجع إلى السنة فرفعه الله، والحسين بن علي لم يرجع فوضعه الله، لم يرجع بل أصر على مقالته، فلهذا كما قلنا تلقف هذه المقالة بعض ممن يدعي السنة، وهو داخل في أهل السنة، فحذروا أئمة من ذلك، أو من هذه المقالة، وحذروا ممن يقولها، وكانت هذه المقالة دخيلة، ولهذا كان الإمام أحمد أراد أن يقطع هذا الباب، فكان يقول -رحمه الله-: من قال: إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع؛ لأنه أتى بمسألة لم يكن عليها السلف، وهذا لأجل قطع النزاع في هذه المسألة، وإلا فقد جاء عن الأئمة أنهم فصلّوا مثل ما جاء هنا مما ذكره المؤلف، أبو عثمان الصابوني عن نفسه، وعن غيره من أئمة الإسلام كالإسماعيلي، والطبري، والطحاوي، وكذلك المزني، وغيرهم من أئمة الإسلام، ذكروا أن المراد أن هذا القرآن مهما تصرف فهو هو قرآن، سواء كان في الصدور، أو قرئ بالألسنة، أو كتب في المصاحف، فهذا كله قرآن. أما الصوت، صوت القارئ لا شك أنه مخلوق، الصوت مخلوق، لكن اللفظ الذي تلفظ به ليس مخلوقا، فلهذا قولهم: لفظه بالقرآن مخلوق إجمال فيه، وهم أن القرآن أيضا مخلوق، فلهذا حذر السلف من هذه المقالة.

شاركنا على