الدرس في التعليق على شرح الجامع لعبادة الله وحده 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مفهوم النذر لغةً وشرعاً، ويبين أنواعه كنذر المقيد والمنجز مع حكم كل منهما. يؤكد أن النذر عبادة يجب إخلاصها لله وحده، فمن نذر لغير الله فقد أشرك، ويستدل على مشروعيته بالقرآن والسنة.
يوضح المقطع أن الخوف في الإسلام ثلاثة أقسام: خوف العبادة وهو شرك، والخوف الطبيعي وهو مباح، وخوف المعصية وهو محرم. يستدل المؤلف بالآيات والأحاديث على أن الخوف الحقيقي يجب أن يكون لله وحده.
يؤكد المقطع أن المؤمن لا يخاف إلا الله، وأن رضا الله يجلب محبة الناس وهيبتهم مستدلاً بالآية الكريمة. ثم ينتقل لشرح الرجاء كعبادة عظيمة تقترن بالخوف، مستشهداً بالقرآن والسنة في حسن الظن بالله.
يوضح المقطع أن من إحسان الظن بالله الرجاء فيما وعد به عباده المؤمنين من الثواب والجنة. ثم يختم المتحدث الدرس بالاكتفاء بهذا القدر طالباً من الحضور الاشتراك والدعاء.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الشيخ الفوزان -حفظه الله تعالى- في شرحه لهذا، أو لهذه الرسالة، رسالة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي -رحمه الله تعالى- المسماة "الجامع لعبادة الله وحده": قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾". وقد تقدم معنا في شرحه معنى النذر، وأنه إلزام المكلف نفسه بما لم يكن عليه واجب بأصل الشرع. وذكرنا بعض الأمور المتعلقة بالنذر فيما تقدم، فيغني ذلك عن الإعادة، وإنما الغرض مما ذكره المؤلف: ذكر الأدلة على هذه العبادات. قال الشارح الفوزان -حفظه الله-: فدل على أن النذر عبادة يجب إخلاصها لله، لأن قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، فالوفاء بالنذر يكون لله عز وجل. قال: "فمن نذر لغير الله كالموتى والقبور والأضريحة فهو مشرك". وهذا يقع كثيرًا من الذين ينذرون للقبور، وينذرون للأموات، أو ينذرون للقبور وينذرون للأموات، يتقربون إليهم بذلك. وهذا نذر معصية، ونذر شرك، لا يجوز الوفاء به. أما من نذر لله، فإنه يجب عليه الوفاء؛ لأنه عبادة. من يذكر لنا مثالًا على النذر؟ كأن تقول: ماذا عندك؟ كيف النذر؟ تفعل عبادة، يعني هذا، لكن يسمى نذر ماذا؟ هذا هي من باب المذاكرة. قال الأخ: "مثلا لو تقول: لو رزقني الله عز وجل ولدًا لصمت كذا وكذا، أو لصليت كذا وكذا". فهذا يسمى نذر ماذا؟ ها؟ لا، كله عبادة، لكن له اسم. نعم: نذر مقيد. طيب، نذر مقيد. وهذا كرهه كثير من السلف؛ لأن فيه قيدًا. نذر مقيد: يعني قيدته بشرط: إن أعطيتني فعلته، وإن لم تعطني لم أفعله. بعض أهل العلم حرم هذا النوع من أنواع النذر؛ لأن فيه مقاضة، التعامل مع الرب سبحانه وتعالى بالمقاضة: إن أعطيتني أعطيته، أو تعبدت لك وإلا فلا. بعض أهل العلم حرم ذلك، وبعضهم كرهه، وقال: من فعل ذلك وجب عليه الوفاء. وجب عليه الوفاء مع كراهيته. وهناك قسم آخر من أنواع النذر: ما اسمه؟ وما مثاله؟ نوع آخر من أنواع النذر يسمى نذر ماذا؟ نعم. هذا أمور مهمة، طالب العلم مهم جدًا أن يتقنها، وأن يحفظها، وأن كذلك يعرف مباحثها. نذر ماذا عندك يا محمد؟ مطلق، أو منجز. بعضهم يقول: منجز، يعني بدون شرط وبدون قيد. فتقول: "علي نذر أن أذبح لله شاة وأتصدق بها"، "نذر علي أن أصوم ثلاثة أيام لله عز وجل"، "نذر علي أن أحج هذا العام"، وأنت قد حججت حجة الإسلام، لكن تنذر أنك ستحج، أو أنك ستعتمر هذا رمضان، بدون قيد. فهذا يسمى نذر منجز، أو مطلق، بدون قيد وبدون شرط. فهذا هو النذر المشروع. ومن يأتي بمثال للنذر الذي هو شرك؟ مثال للنذر الذي هو شرك؛ لأن المؤلف قال: "هذا يقع كثيرًا". إذن هذا النذر، نذر الشرك، كثير. من يعطينا مثالًا؟ نعم، عندك يا أبا معاوية: نذر الشرك مثل ماذا؟ نذرت لله، نذرت لله أن أذبح للولي الفلاني. نذرت أن إذا رزقت بولد أن أذبح للولي الفلاني، أو للزيارة الفلانية. أو نذرت أن أتصدق للولي الفلاني بكذا وكذا. أو بدون قيد أيضًا: أن أصحاب الشرق قد يقعون في يعني النذر المنجز، أو النذر المقيد. لو قال قائل: "نذرت أن أذبح للولي الفلاني" بدون قيد، فهذا أيضًا من الشرك؛ لأنه نذر لغير الله، والنذر لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى وحده. بقي: ما هو دليل النذر من السنة؟ من يستحضر دليلًا من السنة؟ من باب المذاكرة: دليل من السنة على النذر. نعم، عندك: حديث الضحاكة، أن رجلًا نذر أن يذبح إبلًا ببوانة. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هل فيه عيد من أعيادهم؟" قال: لا. قال: "هل فيه وثن من أوثان الجاهلية؟" قال: لا. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أوفِ بنذرك، فإنه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". وأيضًا حديث عائشة في صحيح البخاري: قال عليه الصلاة والسلام: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "ودليل الخوف": أي أن الخوف عبادة لا تكون إلا لله. والمراد هنا بالخوف: خوف العبادة، والذي يسمى خوف السر. لأن هناك أنواعًا أخر من الخوف لا تصل إلى حد الشرك، بل ربما بعضها لا يصل إلى حد المعصية. فمن يذكرها لنا؟ الخوف على ثلاثة أقسام: خوف... خوف عبادة، وهو خوف السر: أن تخاف من غير الله كخوفك من الله، كخوفك من الله سبحانه وتعالى، فتعظمه وتذله، وكذلك تتقرب إليه خوفًا منه، كالذين يخافون من الجن، ويخافون من الأولياء، وإلى غير ذلك. هذا يسمى خوف العبادة، أو خوف السر. وهناك أنواع أخر تقدمت معنا في ذكر المؤلف لهذه العبادة في أول هذه الرسالة. فمن يذكرها؟ نعم، صاحب السارية: نعم، الخوف الطبيعي. مثاله: ها، الخوف من النار، نعم، الخوف من الأسد، الخوف من الحية، الخوف من العدو. هذا خوف طبيعي، هذا خوف طبيعي لا شيء فيه، وكل إنسان معرض لذلك. والنوع الثاني، أو الثالث: خوف معصية: أن تترك واجبًا خوفًا من مخلوق، وأنت لا تعظم هذا المخلوق ولا تعبده، لكن تخاف منه أن يؤذيك، أو أن يقطع رزقك، كما يقول بعض الناس. هذا لا يجوز، فهذا لا يجوز، وهو خوف معصية، وهو خوف معصية. قال: "ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾". قال الشارح الفوزان -حفظه الله-: قال: "لما توعد" يعني: شرحًا وتفسيرًا لهذه الآية. قال: "لما توعد المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بعد وقعة أحد، وقالوا: إنا سنرجع إليكم ونستأصلهم". فالمؤمنون ما زادوا على أن قالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل". يعني: كافينا الله، وحافظنا الله، وناصرنا الله، ونعم الوكيل ربنا سبحانه وتعالى، فقد وكلنا أمورنا كلها له سبحانه وتعالى. فهذا فيه دليل على قوة يقينهم، وعلى شدة خوفهم من ربهم، وعدم مبالاتهم بما يقوله أعداؤهم. قال: يعني: نحن نعتمد على الله، ولا يهمنا تهديدكم، ولا يهمنا تهديدكم أو وعيدكم. فنحن نعتمد على الله سبحانه وتعالى، ولا يهمنا تهديدكم أو وعيدكم. فنحن نعتمد على الله سبحانه وتعالى. ثم قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. أي: هذا التخويف إنما هو من الشيطان، يخوف أولياءه، يعني: يخوفكم بأوليائه، سواء كان من شياطين الإنس، أو من شياطين الجن. فإن الشيطان له أولياء، يبث هؤلاء الأولياء، ويعني يرسلهم، ويخوف بهم المؤمنين. فالمؤمنون الصادقون المعتمدون على الله سبحانه وتعالى لا يهمهم هذا التهديد وهذا التخويف. قال: يعني: يخوفكم بأوليائه. ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: هذا هو محل الشاهد. دل على أن الخوف نوع من أنواع العبادة يجب أن يفرد الله به. ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾: نهى ربنا سبحانه وتعالى المؤمنين عن أن يخافوا من الشيطان وأوليائه. ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾: أمر المؤمنين أن يخافوه وحده سبحانه وتعالى. وشيخ الإسلام في كتاب التوحيد ذكر هذه الآية في باب مستقل من كتابه "كتاب التوحيد"، وذكر بعض الآيات الأخر التي فيها ذكر الخوف منه سبحانه وتعالى. وأما بالنسبة للأحاديث، فقد ذكر حديث عائشة الذي رواه ابن حبان في صحيحه، وحسنه العلامة الألباني في "الصحيح الجامع" مرفوعًا: أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عنه الناس". وهذا الحديث مختلف فيه، العلامة الألباني يحسنه، وإن كان بعض أهل العلم إنما يحسنه موقوفًا على عائشة -رضي الله تعالى عنها-. ومعنى الحديث: أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف من غير الله، أن يخاف من الناس، حتى يدفعه هذا الخوف أن يعظمهم، وأن كذلك يتقرب إليهم، أو أن يقدم يعني ما أرادوا على أوامر الله. فهذا يسخط الله سبحانه وتعالى عليه، يسخط الله سبحانه وتعالى عليه. فالواجب على المؤمن أن يخاف من الله عز وجل وحده، ولا يبالي بالناس: أرضوا أم سخطوا، طالما أنه قد أرضى الله سبحانه وتعالى. فإذا أرضيت الله عز وجل، رضي الله عنك، وأرضى عنك الناس، وأرضى عنك الناس. فالناس يهابونك، والناس كذلك يعرفون صدقك، ويعرفون قوة يقينك، فيكون في قلوبهم من التعظيم ومن المحبة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾، أي: محبة في قلوب الناس. وكما جاء في الحديث: أن الله عز وجل إذا أحب عبدًا نادى جبريل: "يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه"، فيحبه جبريل، ثم تحبه الملائكة، ملائكة السماء، ثم يوضع له القبول، ثم يوضع له القبول في الأرض. فالإنسان ينبغي عليه أن يرضي الله سبحانه وتعالى. شيء فيه رضا لله عز وجل أقدم عليه، ولا... لا تقول: ماذا سيقول الناس؟ وماذا سيفعل الناس؟ وماذا وماذا؟ بل عليك أن ترضي الله سبحانه وتعالى. وما أن فعلت ذلك إلا وسترى الناس يهابونك، وكذلك يحبونك ويجلونك؛ لأنك أرضيت الله سبحانه وتعالى، فرضي الله عنك، وأرضى عنك الناس. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾". الرجاء هو في مقابل الخوف، وهو عبادة جليلة، وهو عبادة جليلة، وهو من حسن الظن بالله سبحانه وتعالى: أن تحسن الظن بالله عز وجل، وأن ترجو ما عند الله، وأن توقن أن الله سبحانه وتعالى سيعطيك ما وعدك إن أنت استقمت، وإن أنت أطعت، كما في هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فالذي هو صادق في رجائه تجده بعيدًا عن الشرك، بعيدًا عن الشرك أكبره وأصغره، وتجده كذلك مقبلًا على العمل الصالح؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال الشارح: قال المفسرون: معناها -والله أعلم-: "يرجو" يعني: من كان يرجو أن يرى ربه سبحانه يوم القيامة في الجنة. هذا قول لبعض أهل العلم، نقله الشيخ هنا. وبعضهم جعل الآية عامة، فتشمل: من كان يرجو لقاء ربه، يرجو أن يرى الله عز وجل، ويرجو أن يرى ما وعده الله سبحانه وتعالى من الجنة ونعيمها، ومن رضوان الله، ومن غيره من النعيم الذي وعد الله سبحانه وتعالى به المؤمنين في ذلك اليوم العظيم. فهو يرجوه بتوحيده وبأعماله الصالحة، يرجو هذه الأمور العظيمة التي وعد الله سبحانه وتعالى بها المؤمنين في ذلك اليوم العظيم. قال: "يرجو أن يرى ربه سبحانه يوم القيامة في الجنة". ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال: فجعل الرجاء من العبادة، وأمر أن لا يشرك به معه غيره. فدل ذلك على أن الرجاء عبادة عظيمة. ودائمًا يذكر الرجاء بعد الخوف؛ لأنه كما هو معلوم أنه يجب على المؤمن أن يكون في سيره إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء، بين الخوف والرجاء: يخاف من عذاب الله، ومما وعد الله سبحانه وتعالى به المشركين والكفار والعاصين والمجرمين، ويرجو رحمة الله، يرجو ما وعد الله سبحانه وتعالى به أهل... أهل الطاعة، أهل التوحيد، من الجنان، ومما هو فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فهكذا ينبغي أن يكون المؤمن في سيره إلى الله عز وجل بين الخوف وبين الرجاء. وأما دليل الرجاء من السنة، فقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "لا يموتن أحدهم إلا وهو يحسن الظن بربه". فمن إحسان الظن بالله سبحانه وتعالى: أن ترجو ما عنده، أن ترجو ما عنده سبحانه وتعالى مما وعد سبحانه وتعالى به عباده المؤمنين. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. اشتركوا في... رزقكم الله واقعها شكرًا.