شرح كتاب لم الدر المنثور 10

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 10، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

موقف المسلم من الفتن والاقتتال الداخلي

يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن ويأمر المسلم بلزوم بيته وعدم المشاركة في القتال، فمن تشرف للفتنة استشرفته، ومن وجد ملجأ فليعذ به. وفي حديث أبي ذر أمره بالبيت عند القتل، والتعفف عند الجوع، والصبر عند شدة الموت، وبيّن أن من ألقى رداءه على وجهه خوف السيف باء القاتل بإثمه وإثم المقتول.

واجب المسلم وطلبة العلم عند وقوع الفتن

يؤكد المقطع أن المسلم لا يسعى في الفتنة بقول أو كتابة، بل يجب رد الأمور إلى العلماء والأمراء لكفها، لأن الخوض فيها يزيدها اشتعالاً. وينصح بطاعة العلماء الراسخين والزم البيت كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، محذراً من عواقب التسرع في الفتنة وصعوبة الرجوع عنها.

حكم الخروج على الأئمة في الفتن ووجوب الصبر

يبيّن المقطع أن الفتن تتدرج في الشدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى القعود والكف عن المشاركة فيها. ويستدل بوصية عمر بن الخطاب لابنه بأن الإمام الظالم خير من فتنة تدوم، وبموقف الإمام أحمد بن حنبل الرافض للقتال في الفتنة، مؤكداً أن الصبر على جور الولاة مع حفظ الدين خير من عواقب الخروج والثورة.

محنة خلق القرآن واستمرارها ثلاثين عاماً

استمرت محنة خلق القرآن ثلاثين عاماً في عهد ثلاثة خلفاء هم المأمون والمعتصم والواثق، حيث افتتن الولاة الناس بالسؤال عن خلق القرآن وسجنوا من رفض الإجابة. لم تُرفع المحنة إلا في أواخر خلافة الواثق، ثم جاء المتوكل فأمر بإطلاق سراح المعتقلين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف حفظه الله في «لمع الدر المنثور من القول المأثور»: الباب الثامن: موقف المسلم من الفتنة. قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به». الحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه. فيه بيان أن أمر الفتن عظيم، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بحصول الفتن، وقد حصلت هذه الفتن في زمن الصحابة رضي الله عنهم، ثم من بعدهم أشد. فقال عليه الصلاة والسلام: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، أو خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي». فكلما قعد المسلم في الفتن ولم يذهب فهو خير له، إذا لزم بيته ولم يدخل في تلك الفتن التي تموج كموج البحر، كفتن القتل والقتال التي تحصل بين المسلمين. ومن تشرف لها، أي تشرف للفتن وسعى فيها، تستشرفه، أي يفتتن بها ويصير من أهل الفتنة والزيغ والانحراف، عياذا بالله. أمر النبي عليه الصلاة والسلام في الفتن المسلم أن يلزم البيت والملجأ منها والمغارات، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به، أي لا يدخل في تلك الفتن، وعليه أن يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من تلك الفتن التي تحصل، والمراد بها فتن الدين العظيمة التي تحصل في بلاد المسلمين، فعلى المسلم أن ينأى وأن يبتعد عن تلك الفتن، ويلزم الهدوء والسكينة، ويحفظ لسانه، ويحفظ يده، ولا يسعى ولا يمشي في تلك الفتن. وقال أبو ذر رضي الله عنه: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين خرج من حاشي المدينة، والمراد بحاشي المدينة البستان والنخل، المكان الذي فيه نخل وزرع ويكون محاطا بسور ونحوه، فيقال له حاشي المدينة. قال: فقال: «يا أبا ذر، أرأيت إن الناس قتلوا حتى يغرقوا حجارة الزيت من الدماء، كيف تصنع؟» حجارة الزيت: موضع بالمدينة في الحرة، وذلك لسواد الحجارة كأنها طليت بالزيت. يعني: كيف بك إذا رأيت القتل وصل إلى هذا المكان حتى غرقت تلك الحجارة بالدماء؟ فكيف تصنع؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «ادخل بيتك». يعني: فلا تشارك في القتل والقتال الذي يحصل، إذا أدركك ذلك تلزم البيت. قلت: يا رسول الله، فإن أنا دخل علي، يعني جاء واحد ودخل علي البيت يريد أن يقتلني؟ قال: «تعوذ بمن أنت منه». قلت: وأحمل السلاح؟ قال: «إذا شاركت». قال: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: «إن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق طائفة من ردائك على وجهك، يبوء بإثمك وإثمه». الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة، وهو في صحيح الجامع للألباني رحمه الله تعالى برقم سبعة آلاف وثمانمائة وتسعة عشر. وبقي منه جزء لم يذكره المؤلف في تمامه، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد حتى لا تستطيع أن تمشي من فراشك إلى مسجدك، ماذا تصنع؟» قال: تعفف يا أبا ذر. ثم قال: «يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد، ماذا تصنع؟» قال: يا أبا ذر، اصبر. «أرأيت إن أصاب الناس موت شديد حتى إن البيت بالعبد؟» إن البيت بالعبد، والمراد بالبيت القبر، حتى إن القبر بالعبد، ومعنى بالعبد: أي يشترى بقيمة عبد، من شدة الموت، شدة القتل الذي يحصل في الناس، حتى ربما لا يكادون يجدون موضعا لقتلاهم وموتاهم. فماذا تصنع؟ قال: يا أبا ذر، اصبر. ففي الأول قال له: تعفف، يعني قد يكون هناك مجاعة شديدة تصيب الناس، فماذا تصنع؟ رأيت إن أصاب الناس جوع شديد، ومن شدة الجوع ما تستطيع حتى تمشي من فراشك إلى مسجدك، قالوا: تعفف، يعني لا تسرق ولا تأخذ حق الناس، تعفف يا أبا ذر. ثم الفرضية الثانية: لو أن هناك قتل شديد بالناس حتى ما يجدون موضعا لقتلاهم وموتاهم، ربما يشترى الموضع، موضع القبر، حتى إن البيت بالعبد يشترى بقيمة عبد، فماذا تصنع؟ قال له: اصبر، يعني لا تشارك، لا تشارك الناس في القتال. ثم بعد ذلك قال: «يا أبا ذر، أرأيت لو أن الناس قتلوا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء؟» فأمره النبي عليه الصلاة والسلام بلزوم بيته. كيف تصنع؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «الزم بيتك». فالمسلم حال الفتن لا يكون ساعيا فيها، لا بأقواله ولا كذلك بكتابته، لأن بعض الناس يسعون في الفتن، عياذا بالله، إذا حصلت فتراه يقوم هنا وهنا وهنا وهنا، يعني في بيوت الله عز وجل، ويشعل هذه الفتنة، أو يكتب في أمور الفتن وهو ليس أهلا لها، وهو ليس أهلا لها، فيزيد الطين بلة كما يقال. فواجب المسلم أنه إذا حصلت فتنة بين الناس أن يردوا هذه الأمور إلى أهل العلم. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، يعني نشروه، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وأولي الأمر هم كما قال أهل العلم: الأمراء والعلماء. لو ردوه إلى الأمراء والعلماء لكفوهم. قال الحسن البصري: «الفتنة إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل». انظر إلى كلام هذا الإمام. العلماء هم الذين يعرفون الفتن، فيحذرون منها الأمة بشكل عام، وربما حذروا خواص الناس من طلبة العلم أن يخوضوا فيها، ويقولون لهم: اسكتوا، اهدأوا، لا تتكلموا، لا تتعجلوا، لا تتسرعوا. وكم من فتن حصلت عندنا، فتن كثيرة حصلت عندنا كثيرة بين من خرج على ولاة الأمر، ومن خرج على العلماء، واتخذ له حزبا أو منهجا جديدا، وصار له أتباع، والعياذ بالله. وإذا سعى طلبة العلم بالأخص في مثل هذه الفتن حصل الشر. فواجب طلبة العلم وعوام الناس أن ينقادوا للعلماء الكبار الراسخين في العلم الذين يوجهونهم وينصحونهم. لا تكن مجالسنا قيل وقال، لا تكن مجالس طلاب العلم وعوام الناس الخوض في الفتن، لأن هذا مما يزيدها ويشعلها ولا يطفئها. ولو أنهم هدوا وجعلوا الأمور لأهلها فإنه سيحصل الخير العظيم. ولا شك أن أي فتنة تحصل في البداية يكون المرء فيها أعمى، ما يعرف مع من الحق، أهم هؤلاء أم هؤلاء، ما يعرف، لقلة إدراكه وأيضا قلة حصيلته العلمية، فما يعرف كيف يحلل ولا كيف ينتقد. فإذا سارع وكتب زادت الأمور، وربما بعد ذلك صعب عليه الرجوع. ورأينا كم من طلاب العلم الذين تكلموا في العلماء وسارعوا في الفتن، وبعد ذلك إن جلت الأمور وانجلت، هل رجعوا؟ هل رجعوا إلى طريق الجادة أم استمروا على ما هم عليه؟ أغلبهم، إلا من رحم الله، استمروا على ما هم عليه، لأنهم صعب عليهم الرجوع، وسيكونون بعد ذلك عند الناس مثار شبهة، ولن يقبل منهم أحد، لن يقبل منهم أحد: أنتم الذين تكلمتم في مثل هذه الأمور وقلتم في المشايخ وقلتم في العلماء كذا وكذا. إذن تنزل مرتبتهم ومكانتهم عند الناس، فلأجل أن يحافظ في زعمه وفي رأيه على هذه المكانة يظل على ما هو عليه أنه مصيب، وأن هؤلاء كلهم مخطئون. فيا سبحان الله، أهل العلم مخطئون، وطالب العلم هو المصيب! هذه من البلايا، هذه من البلايا والرزايا التي عمت وطمت في هذا الزمان. فالفتن لا أحد يستشرفها، إذا حصلت ينبغي أن يأخذ بوصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا أبا ذر، الزم بيتك». ماذا علي لو لزمت بيتي؟ هل سينقصني شيء؟ لا، ما سينقصني شيء، سأكون فلان ابن فلان بنفس المكان وبنفس المرتبة التي أنا عليها إذا لم آخذ في الفتنة، بل سأحمد من الناس إذا أنا لزمت البيت وهدأت وسكت، لأني أعلم من نفسي أني لست من أهل الحل ولا أهل العلم الذين عندهم تحليلات وعندهم فهم للأمور وأستطيع أن أحلل هذه الأمور وأقول: فلان مصيب وفلان مخطئ، فأنا على قدر علمي. فإذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين جلسوا في بيوتهم ولم يخرجوا في القتال ولم يشاركوا في القتال الذي حصل في زمن الفتنة، فإنهم حمدوا بعد ذلك، حمدوا بعد ذلك، وكان هذا هو الرأي السديد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم، أنهم لم يشاركوا لا مع هذا ولا مع هذا، الذين خرجوا في القتال فيما بينهم، وكل يرى أنه على إصابة واجتهاد وأنه الذي معه الحق. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر الناس بالفتن وأنها ستكون لا محالة، لأن هذا أمر كوني قضاه الله سبحانه وتعالى أن هذه الفتن ستقع، إذا وقعت في ذلك الزمان الفاضل، وأيضا ستقع في غيره من الأزمنة، ففي كل مرة تقع تلك الفتن فتنة أعظم من فتنة، حتى قال النبي صلى الله عليه وعليه كما في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إنها فتن يرقق بعضها بعضا». ما معنى يرقق بعضها بعضا؟ أي الأولى تكون أصغر من الثانية، فالثانية أعظم، تكون الأولى عندها رقيقة أخف، فما ينتهون من فتنة، هذه الفتنة يرونها عظيمة، لكن ستأتي فتنة أعظم منها، يقولون: يا سبحان الله، تلك الفتنة التي رأيناها عظيمة وكادت تهلك الحرث والنسل، هذه أعظم منها، هذه ماذا؟ أعظم منها، ربما تشق الصف اثنين، ربما تشق الصف ماذا؟ اثنين. فالنبي عليه الصلاة والسلام بين المخرج منها إذا حصلت هذه الفتن، أن المسلم يكون قاعدا: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي»، الذي يذهب هنا وهنا وهنا ويفعل ويفعل، والله المستعان. فعلى المسلم حال الفتن أن يلزم الهدوء والسكوت، لا يتكلم في أحد حتى يتضح الأمر ويكون على بينة من أمره. قال: قال عمر بن الخطاب لابنه رضي الله عنهما: «يا بني، احفظ عني ما أوصيك به: إمام عدل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من إمام ظالم، وإمام ظالم غشوم خير من فتنة تدوم». انظر إلى فقه الصحابة، احفظ هذه الكلمات، يوصي ولده: إمام عادل خير من مطر وابل، يعني مطر غزير فيه رخاء، لكن الإمام العادل الموجود في الأرض خير من هذا المطر. وأسد يحطم الناس خير من إمام ظالم، وإمام ظالم غاشم خير من فتنة دائمة، خير من فتنة دائمة تهلك الحرث والنسل. وهذا منه رضي الله عنه بمعنى الصبر على ولاة الأمر، ولو حصل منهم ما حصل، لأنه إن جاروا وظلموا فظلمهم وجورهم على أنفسهم، ويوشك أن الله سبحانه وتعالى يأخذهم، وأنت أيها الصابر سيعافيك الله سبحانه وتعالى من ظلمهم وجورهم إذا احتسبت وصبرت وسمعت وأطعت. لكن لو خرجت فإن هناك الفتن التي ستقع، وسيكون هناك أمر عظيم في الأمة بسفك الدماء. قال: قال أحمد بن حنبل رحمه الله: «لا تقاتل في فتنة، والزم بيتك». هذا ما اجتمع عليه العلماء في الآفاق، إذا حصلت فتن الهرج التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام الناس تقع في آخر الزمان، فعلى المسلم أن يلزم بيته، بل ويكسر سيفه، يكسر هذا السيف. يقول لأبي ذر: «ادخل بيتك وأكسر هذا السيف». يقول: «أرأيت إن دخل علي؟» قال: «غَطِّ وجهك، غَطِّ وجهك، واجعله يبوء بإثمه وإثمك». لا تشارك في القتال أبدا، مهما دعوك أو غير ذلك، دعه يبوء بإثمه وإثمك. قال أبو الحارث الصائغ أحمد بن محمد: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟ فأنكر ذلك عليهم، وجعل يقول: سبحان الله، الدماء، الدماء، لا أرى ذلك ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال وينتهك فيها المحارم. أما علمت ما كان الناس فيه، يعني أيام الفتنة؟ يقول هذا: أما علمت ما حصل أيام الفتنة، كيف حصل ما حصل بين علي رضي الله تعالى عنه في وقعة الجمل وقعة صفين؟ من مات فيها مات فيها خيار، قتل فيها خيار من خيار الصحابة، قتل فيها حفاظ، قتل فيها علماء، قتل فيها قراء، ما علمت ماذا حصل أيام الفتنة؟ سبحان الله، الدماء، الدماء. هكذا يحافظ الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الدماء. قلت: والناس اليوم ليسوا في فتنة، يا أبا عبد الله؟ قال: وإن كان، فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة. فتنة خاصة، تقع فتنة خاصة بين فئة من الناس، هذه أهون، لكن كيف لو وقعت الفتنة في الأمة جمعا، وخرج الناس وثاروا على ذلك الإمام القائل بهذه المقالة، فإنه سيعمل فيهم السيف، فستكون هناك انتهاك للحرمات، كل حرمات، سواء كانت في أمر الدين وغيرها في أمور الناس، ستنتقض بحجة الفتنة، بحجة أن هذا عدوي، حتى ربما يقتل صاحب القبيلة القبيلة الأخرى وهم أبناء عمومة وبينهم قرابة، لأنها فرصة، ما دام هناك ليس فيه أمن. قال: فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا ويسلم دينك خير لك. ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال: الدماء، لا أرى ذلك ولا آمر به. قال حنبل رحمه الله: وحمل هذا ابن عمي، الإمام أحمد رحمه الله. اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله، يعني الإمام أحمد، فجاءوا فاستأذنوا لهم، فقالوا: يا أبا عبد الله، يعني الإمام أحمد، هذا الأمر قد تفاقم وفشى. انظروا: فتنة خلق القرآن كم استمرت؟ استمرت ثلاثين عاما، والولاة يفتنون الناس بهذه المحنة، ثلاثة من الخلفاء: المأمون، ثم بعد ذلك المعتصم، ثم بعد ذلك الواثق، وما أزيلت هذه الفتنة إلا في آخر خلافة الواثق، ثم مات وجاء المتوكل بعد ذلك فأمر بإخراج من كان في السجن ثلاثين عاما. وهؤلاء الولاة يفتنون الناس أن القرآن مخلوق، فمن أجاب