شرح كتاب لم الدر المنثور 42

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 42، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

أهمية الإسناد والتثبت في نقل الأخبار وتحذير من إشاعة الكذب

يبيّن المقطع مكانة الإسناد كاختصاص إلهي لهذه الأمة ووجوب التثبت في نقل الأخبار لا سيما من الفاسق أو المجهول، مستدلاً بآيات التثبت. كما يحذر من خطورة إشاعة الأكاذيب والإفك على المؤمنين والعلماء لكونهم ورثة الأنبياء واهتزاز الثقة فيهم يضر بالأمة.

تميز الأمة الإسلامية بالإسناد وحفظ الأنساب ومنهج السلف في التثبت

يؤكد المقطع أن من خصائص الأمة الإسناد المتقن وحفظ الأنساب، ووجوب التثبت في نقل القرآن بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويوضح أن الإسناد يقوم على انتقاء الثقات كما فعل ابن سيرين، بينما الأنساب محفوظة بالاستفاضة وينهى عن الطعن فيها بغير علم.

دور علماء الحديث الأوائل في نقد الرجال وأهمية الإسناد في حفظ السنة

يستعرض المقطع مكانة علماء الحديث من التابعين في نقد الرجال وانتقاء الرواة الثقات مع التركيز على صدق الراوي وضبطه. وينقل عن ابن المبارك أن الإسناد من الدين ولولاه لقال الناس على النبي ما لم يقل، مما يبرز دور الإسناد المتصل في حفظ السنة.

تحذير من القصص غير الصحيحة وإسرائيليات القصاص

يحذر المقطع من قبول الأحاديث والقصص التي يرويها القصاص المشهورون بالقصص خاصة ما يتعلق بالنار والأحداث الماضية، إذ غالباً ما تكون من الإسرائيليات أو الموضوعات. كما يشير إلى صنف من الرواة يشبهون الباعة الذين يروجون لهذه الخرافات بين الناس.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف، وهو الشيخ جمال الحارثي، في «لمع الدر المنثور من القول المأثور» في الباب العشرين، وهو باب طلب الإسناد والتثبت وعلو منزلته، وأن الله عز وجل اختص أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالإسناد. وذكرنا في هذا الباب بعض الآيات التي تدل على هذا المعنى، وهو مسألة التثبت في نقل الأخبار، خصوصا إذا جاء الخبر ممن لم يعرف حاله، أو كان فاسقا، كما ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾. وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام طلبوا من أقوامهم أن يأتوا بسلطان، وكذلك يأتوا بأثارة من علم: ﴿ إِيتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾، فيما ادعوا فيه من دعاء غير الله سبحانه وتعالى. وأن من كان قبلكم كانوا لا يعبدون الله سبحانه وتعالى وحده، وأن الرسل لم تأت بالتوحيد كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في مطلع هذا الباب في الآية الكريمة. وأن بعض العلماء قال فيها: إنه إسناد الحديث، وهو قوله: «أو أثارة من علم»، أي: أسندوا حديثكم. فالله عز وجل اختص أمة محمد عليه الصلاة والسلام بأنها تسند الأحاديث، يعني الأقوال، أقوال الرجال، فكانوا يتفحصون فيها، وكانوا يسألون عن الرجال، خاصة في كلام المعصوم عليه الصلاة والسلام فيما قال. لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا سمعوا حديث النبي عليه الصلاة والسلام أصغوا له أسماعهم، وإذا حصلت الفتن بعد ذلك لم يأخذوا إلا عمن يعرفون أن هذا الشخص ممن يقبل حديثه، وأنه أهل صدق. وكذلك الأخبار أيضا كالأحاديث النبوية، أنت لما تنقل خبرا لا بد أن يكون هذا الخبر صحيحا عمن سمعته، لا ينفع أن تقول: قالوا وقالوا، وخصوصا في أمر الفتن أو الشائعات التي فيها إيذاء للمؤمنين. فالله عز وجل حذر في كتابه الكريم من إشاعة الأقوال التي هي من باب الإفك والكذب، بأن يشاع على مسلم بأنه فعل وهو لم يفعل، وهو بريء من هذا. ولهذا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَإِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾. وحذر المؤمنين من إشاعة الأخبار: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. فهذا باب عظيم ينبغي للمسلم أن يعرف خطورته، وهو الكلام في الناس. فالواجب على المسلم أن يحفظ اللسان، وأنه إذا سمع خبرا كذلك لا يشيعه، لا يشيعه. فليست المسألة هي مسألة تشفي، يعني أنه يفرح بذلك، بل المؤمنون لا يفرحون بإشاعة الأخبار الكاذبة والإفك المبين. فكيف إذا كان هذا الإفك والكذب على العلماء؟ فإن هذا لا شك أنه أشد إثما وأعظم خطرا في الأمة، لأن العلماء هم ورثة الأنبياء. وإذا اهتزت ثقة الناس في العلماء، فمن يأخذ بعد ذلك الفتوى؟ إذا كان العلماء، والناس يسيئون الظن فيهم، وكل هذا يأتي من هؤلاء الذين يحبون إشاعة الأخبار دون تثبت وروية. فلا بد من التثبت والروية. وأن كلام الله سبحانه وتعالى، كما ذكرنا، حمله الرجال في صدورهم، فهو محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى له إلى يوم الدين. فأخذ كتاب الله عز وجل بعدما حصلت حروب الردة من صدور الرجال، ومما كتبه الصحابة رضي الله عنهم في الكتب التي عندهم، فهذا أيضا من باب إسناد الأخبار والأقوال والكلام. فكلام الله عز وجل إلى يومنا هذا يتلى بماذا؟ يتلى بالقراءة من شيخ إلى شيخ، الإسناد متصل إلى يومنا هذا، فهذا يقرأ على وهذا يقرأ على هذا بالإسناد المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وتوقفنا عند قول محمد بن أحمد: بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها من الأمم، لم تعط هذه الأشياء، وهذه مزية لأمة محمد عليه الصلاة والسلام. أولها: الإسناد، أنهم ما يحدثون إلا وهم متأكدون من الأخبار، هذا خبر صدق، وهذا خبر صحيح، يعرف قائله أنه قال هذا الكلام. الأمر الثاني: الأنساب، أن هذه الأمة تحفظ أنسابها، فكل واحد منا يعرف نسبه وقبيلته، وهذا بالاستفاضة فيما يشاع بين الناس. وأيضا نبينا عليه الصلاة والسلام قال: «الناس متمنون على أنسابهم». وأيضا حذر عليه الصلاة والسلام من ماذا؟ من الطعن في الأنساب، لأنه من أمور الجاهلية. من أمور الجاهلية أن تطعن في نسب شخص بدون تثبت وعلم، أن هذا لا ينتمي إلى هذا البيت أو إلى هذه القبيلة، فهذا من المحرمات. ما عندك علم؟ اسكت. لا تطعن في أنساب الناس. كل شخص بنسبه بما أسند لنفسه، وهو المسؤول عن ذلك. وأما الذي يطلب التثبت في الأنساب، فهذا في أمور القضايا وأمور القضاء. ولي الأمر له أن يتثبت من نسب فلان إذا احتاج إلى ذلك، لكن أنت لا تدعو أن تطعن في أنساب الناس، فلا داعي لذلك. فالجهات المسؤولة إذا أرادت التثبت من شخص، لها ذلك أن يأتي بأوراقه مثلا التي تثبت نسبه إلى فلان، خاصة في مسائل الإرث أو النكاح ونحو ذلك. فلا بأس بهذا إذا كان هذا طلبه ولي الأمر أو القاضي. كما يقال، قال يعقوب بن شيبة رحمه الله: قلت ليحيى بن معين: أتعرف أحدا من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقيهم؟ قال برأسه، يعني حرك رأسه: أي لا. يعني كان ابن سيرين رحمه الله كان ينتقي الرجال في الحديث النبوي الشريف، فما يأخذ عن كل أحد، لكن يعرف هذا الشخص أنه لا يكذب، أو أنه لا يهم، أنه لا يخلط، يعني شخص مأمون ثقة في نقل أخبار النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا من الانتقاء عند السلف، وهذا على حسب علم يحيى بن معين أنه ما علم مثل ابن سيرين في ذاك الزمان أنه كان ينتقي الرجال. قال ابن المديني، وهو علي بن المديني شيخ الإمام البخاري رحمه الله: كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحدا أول منه محمد بن سيرين. ثم كان أيوب، وهو السختياني، وتقدم ذكره، وابن عون، وهو أيضا من التابعين. هؤلاء هم سادة التابعين وأتباع التابعين، كانوا ينتقون في الرجال. ثم كان شعبة، وشعبة هو ابن الحجاج، كان من جبال الحفظ، وأول كما قيل عنه في ترجمته من فتش عن الرجال في العراق. قال: ثم كان يحيى بن سعيد، وهو الملقب بالقطان. قال: وعبد الرحمن، يعني جبال هؤلاء، عبد الرحمن هو ابن مهدي. هؤلاء كانوا جبال الحفظ وسادة هذه الأمة في علم الحديث، كانوا يدونون وكانوا يفتشون وينتقون، فيسألون عن الرجال: هذا الرجل ما حاله في الحديث؟ يعني لا يسألون: ما حاله في بيته؟ لا، ما هذا شأنهم في بيته، ما يفتشون عن هذا، وإنما عن صدقه وكلامه بين الناس، هل هذا شخص ثقة نأخذ عنه حديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ لأنه سينقل الأخبار. أما باقي الأمور الخاصة به فما يسألون عنها. فهذا من الانتقاء في الرجال، فيعرف الرجل عمن حدث حتى لا يضعف، لأنه إذا روى هذا الشخص عن شخص ضعيف أو كذاب أو متروك عند العلماء، فإنه قد يضعف ولا يؤخذ حديثه، لأن حديثه يقول عن الكذابين: هذا فلان ما ينقل إلا عن ناس كذابين، أو كذلك متروكين في الحديث لا يؤخذ بحديثه، أو عندهم من هذه البدع فيتركونه لأجل ذلك، ما عنده أو من روى. قال ابن المبارك رحمه الله: «الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء». فإذا قيل له: من حدثك؟ بقي، اتقى، هكذا موجود، اتقى، بقي، اتقى، ولعله انتقى. وقال أيضا: «طلب الإسناد المتصل من الدين». وقال أيضا: إن الله حفظ الإسناد على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا كلام ابن المبارك رحمه الله، وهو العالم الجليل الزاهد الورع الذي كان يرابط سنة ويحج سنة، كما قال أهل العلم في ترجمته. هذا يقول: الإسناد عندي من الدين، يعني من الدين أننا نأخذ الإسناد الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولولا أنهم انتقوا وتحروا لقال من شاء ما شاء، يعني ممكن أن يقول الشخص: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لم يقل. فكيف نعرف أن هذا من كلام المعصوم عليه الصلاة والسلام إلا من مثل هؤلاء الرجال؟ عرفنا أن هذا هو حديثه عليه الصلاة والسلام، وهو ما ينطق عن الهوى، لأن كلامه تشريع لهذه الأمة. فالناس محتاج إلى الدين، محتاج إلى أمور الدين لمعاملاتهم وكذلك عباداتهم، فلا بد أن تكون صحيحة حتى تكون مقبولة عند الله سبحانه وتعالى مما يتقرب به إلى الله والدار الآخرة. فهذا الأمر مهم عند هؤلاء العلماء، الإسناد قال: عندي من الدين، لأننا نتعبد الله سبحانه وتعالى بما شرعه، وليس بما قال الناس. ممكن أن يأتي واحد بحديث مثل أحاديث هؤلاء الذين يذكرهم القصاص الذين اشتهروا بالقصص، يأتي ويقص قصصا عن النار، عن أمور يعني مضت، وهي لا تصح من الإسرائيليات أو نحو ذلك. أو يأتي هؤلاء كما يقال: الباعة أصحاب الفطائر، أصحاب يعني الم