تفسير سورة الأعلى من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة الأعلى من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة الأعلى من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير القرآن من إيثار الدنيا

يتناول تحذير القرآن من تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة، ويشرح معنى الآية 'بل تؤثرون الحياة الدنيا'. الدنيا مذمومة إذا فضلت على الآخرة أو كانت هم الإنسان الوحيد.

فضل الآخرة على الدنيا

الآخرة خير وأبقى من الدنيا، فيها نعيم دائم ومقيم لا يزول ولا يفنى. هذه المعاني وردت في الآيات القرآنية والكتب السماوية السابقة.

شرح الآيات المتعلقة بالصحف السماوية

يشرح الآيات التي تشير إلى وجود نفس المضمون في صحف إبراهيم وموسى. يتناول آراء العلماء حول ماهية هذه الصحف وعلاقتها بالتوراة واللغات التي كتبت بها.

ختام الحديث حول صورة الأعلى

ينهي الحديث حول صورة الأعلى ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يشير إلى انتهاء المقام فيما يتعلق بالموضوع المحدد والتسليم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كنا بالأمس، لازلنا في سورة الأعلى، وعند قول المؤلف، أو عند قول الله جل في علاه: ﴿سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيا﴾، ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾، ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله جل في علاه: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة﴾، قال بالفوقانية والتحتانية. الحياة الدنيا على الآخرة في قوله رحمه الله تعالى: ﴿بل تؤثرون﴾ بالفوقانية والتحتانية، أي أن هذه الكلمة جاءت على لفظين، بالتا واليا، فتقرأ ﴿بل تؤثرون﴾ وتقرأ ﴿بل يؤثرون﴾، فقوله بالفوقانية أي تا ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾، وبالتحتانية أي باليا ﴿بل يؤثرون الحياة الدنيا﴾. فعلى قراءة هذه الآية القرآنية باليا سيكون بمعنى ﴿بل يؤثرون﴾، والخطاب للكفار، وهؤلاء الذين جاء وصفهم بالأشقاء، الذي كذب وتولى، وأن من صفة هؤلاء أنهم يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة. وعلى قراءتنا، وهي قراءة الأكثر من القراء، أنها بالفوقانية ﴿بل تؤثرون﴾، والخطاب لنا جميعًا، لأن مما يعاب على الإنسان، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، ما كان من إيثارنا للحياة الدنيا. فالدنيا، إخواني في الله، هي الدسيسة المميتة التي أنخرت ونخرت في قلوب العباد، فصدتهم عن عبادة رب العباد جل في علا، ولهذا جاءت هذه الآية من باب التحذير: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾. والدنيا، إخواني في الله، من نظر إلى وصف القرآن والسنة فيما يتعلق بمقتضى طلبها، تجد أنها تأتي بألفاظ: ﴿فامشوا في مناكبها﴾، لكن بخلاف الآخرة، فإن الدعوة إليها تأتي بألفاظ التسابق والتزاحم والتنافس، فقال سبحانه: ﴿ففروا إلى الله﴾، وقال جل في علاه: ﴿وسابقوا﴾، وقال جل في علاه: ﴿وسارعوا﴾. تجد أن الآخرة، الله عز وجل يحث السير إليها سيرًا حثيثًا سريعًا بالمسابقة والمسارعة والمسابقة، بخلاف الدنيا، فإنك تمشي على مهل: ﴿فامشوا في مناكبها﴾، لأن ما قدر لك سيأتيك، ما قدر لك سيأتيك. ومع هذا كله، إخواني في الله، ينبغي أن نعلم أن الدنيا ليست مذمومة بشكل عام، بل إنما الدنيا قد تكون مطلوبة، كما قال سبحانه: ﴿ولا تنسى نصيبك من الدنيا﴾، وخاصة في أن تأخذ مما فيه قوام الحياة، مما يتعلق بقوام مأكلك ومشربك وبقائك، وأن تصرف على من تعيل، هذه أشياء ضرورية. فكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول، فالدنيا تأخذ منها بقدر ما يكفيك، لكن الزيادة على ذلك مذموم، فالدنيا مذمومة إذا كان صاحبها قد فضلها على الآخرة، واستحب الدنيا على الآخرة، ذلك بأنه مستحب الحياة الدنيا على الآخرة، هذا من صفات من لا خلاق له، يحب الدنيا أشد من حبه للآخرة. هذه الدنيا المذمومة، أو أن تكون الدنيا المذمومة، يا عبد الله، أن تكون هي همك، تصبح وتمسي في هذه الأرض، ولا همك إلا أن تصيب من الدنيا، وهذا كذلك يذم صاحبه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه». وأيضًا الدنيا مذمومة إن جعلتها مطية لترك ما أمر الله به، فإذا كان الإنسان يطلب الدنيا على حساب الآخرة، وهذا للأسف تجد أن بعض الناس على هذا الحال، تقام الصلوات في بيوت الله جل وعلا، وهذا في دكانه، وهذا في محله، وذاك يكد على سيارته، وكلهم همهم أن ينال من الدنيا على حساب الضياع الآخرة، هذا يذم صاحبه عليها. وأن هذه الدنيا لا يبارك الله جل وعلا فيها، فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيمة هي المأوى، فينبغي للإنسان، إخواني في الله، أن يعلم أنه لا ينبغي أن يؤثر هذه الحياة الدنيا على الآخرة، فإن ذلك من علامات الشقاء. وقال سبحانه: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة﴾، والآخرة المجتملة على الجنة خير وأبقى، لماذا عليك يا عبد الله أن تشد الحثة والسيرة إلى الدار الآخرة إلى الجنة؟ لأنها خير وأبقى، فيها هذه الأوصاف العظيمة. فمن حيث الخيرية، فإن الحياة الأخروية لهي الحيوان، الحيوان أي الحياة الكاملة الكاملة الفاضلة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، تأمل في نفسك يا صاحب الدنيا، على ماذا تلهث؟ تلهث على الذهب، على القصور، على الدور، على الزواج، على النكاح، على مشاريع، اجعل كل ما في خلدك في هذه الدنيا نصب عينيك. اعلم أن الآخرة فيها أضعاف أضعاف أضعاف، بحيث أنه يتناهى الضعف أمام الآخرة، أما تدري يا عبد الله أن بيوت أهل الجنة لبن من ذهب ولبن من فضة؟ أما تدري يا عبد الله أن رمل رمل أهل الجنة عبارة عن الزعفران؟ أتدري أن أنهار أهل الجنة نهر من لبن، نهر من خمر، نهر من ماء، ومن عسل مصفاة؟ كم وكم يا عبد الله تحدث عن نعيم الجنة؟ فهي خير، فأي نعيم يا عبد الله أنت تؤمله في الدنيا؟ اعلم أن الله أعد لك فيه أعظم مما تظنه، ثم الفضيلة الثانية في الآخرة أنها أبقى، بمعنى أنها باقية، فهي دار خالدة مخلدة، من عاش فيها لا موت، فهو خلود سرمدي أبدي لا فناء بعده. كما جاء في الحديث الصحيح: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قيل لهم: يا أهل الجنة خلود بلا موت»، هذه فقط نعمة كافية، أنك تعيش مخلدًا، تقيل أنت في الدنيا، لو جاءك رجل يشبه لك رجل من أهل الجنة، وأراد أن يضحك عليك، وقال: «أنا عندي علاج، وهذا يجعلك تعيش ألفين سنة»، حين ستلهث، ويسيل لعابك على هذه النعمة، ألفين سنة، ألفين سنة، لكن في الدنيا سترضى في الدنيا، معنى الدنيا ما هي خالية من التعب والنكد والنصب والمرض والزعل والضيق والفقر، يأتيك، ومع ذلك ترضى بألفي سنة، لأنها نعمة تعيش وترتع. فما ظنك بالذي يقول لك: أنك لا يقال ألف سنة، ولا ألفين، ولا خمسين، ولا مئات، بل سنوات، الله أعلم بها، ما هناك عد ولا حصر، قد يقول قائل: «أما هناك سآمة؟» لا، ما هناك سآمة، ولا ملل، بل نعيم الجنة يتجدد، نعيم الجنة يتجدد، لا يبغون عنها حولا، كلما عاشوا في الجنة استمسكوا فيها أكثر فأكثر، لا يبغون عنها تحويلًا، ولهذا سميت الجنة بدار المقامة، أي من عاش فيها أقام فيها، واستروح فيها. وكيف لا؟ فربنا عز وجل أنشأها إن شاء لأهلها وأصحابها، فشاهد يا عبد الله أن في هذه الآية الكريمة دعوة لكل مسلم ومسلمة أن يعلم فضل الآخرة، وأنها قد فضلت عن الدنيا بهذين الوصفين العظيمين، بأنها خير، وأنها كذلك أبقى، فكل عاقل لا يستبدل الأدنى بالأعلى، وإنما يرضى بالأعلى دون الأدنى. قال رحمه الله تعالى: «والآخرة المجتملة على الجنة خير وأبقى»، قال: «إن هذا أي إفلاح من تزكى، وكون الآخرة خيرًا لفي الصحف الأولى»، أي المنزلة قبل القرآن، قال: «صحف إبراهيم وموسى». طيب، إن هذا اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إن هذا﴾ اسم الإشارة يعود على ماذا؟ الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره ذكر الخلاف الحاصل في قوله تعالى: ﴿إن هذا﴾ الإشارة إلى ماذا؟ ﴿إن هذا﴾ على عدة أقوال، منهم من أشار إلى القرآن، ومنهم من أشار إلى هذه السورة. والصحيح، والله تعالى أعلم، وهذا الذي رجح الطبري، وجماع من أهل العلم، أن قوله تعالى: ﴿إن هذا﴾ إشارة لهذه الآيات السابقة السالفة، ما هي؟ ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، هذه ما بها؟ قال سبحانه: ﴿إن هذا﴾، قال هنا: «أي إفلاح من تزكى، وكون الآخرة خيرًا لفي الصحف الأولى»، أي المنزلة قبل القرآن، ما معنى؟ أي أن هذه الآيات التي سمعتها يا عبد الله: ﴿قد أفلح من تزكى﴾، هذه وما بعدها، مسطر مدون، قد تلي، تلي في الكتب السماوية السابقة، هذه التي نقرأها، وجدت قد قرأتها الأمم من قبلنا، أين قرأوها؟ أشار ربنا عز وجل إلى هذين المصدرين، قال سبحانه: ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾. أي أن هذه الآيات: ﴿قد أفلح من تزكى﴾، ﴿أن تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾، ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾، ﴿والآخرة خير وأبقى﴾، هي هي موجودة، أين؟ في صحف إبراهيم، وهي هي موجودة في التوراة. نعم، بعض العلماء يرى أن مضمونها، وبعض العلماء يرى هي هي، والأظهر لأقوله تعالى: ﴿إن هذا﴾، أي هذا الأشياء المذكورة موجودة، وهذا مثله، وربنا عز وجل يذكر يذكر لنا بعض ما كان في الكتب السماوية السابقة، يذكرها لنا في القرآن، كهذه الآية، والآية في سورة النجم، في قوله تعالى: ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى﴾، ﴿في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ إلى آخر الآية. هذه وجدت، وجدت في الصحف القديمة، فهذا الذي نقرأه في القرآن، وجد في صحف إبراهيم، وجد أيضًا في التوراة، هذه فربنا عز وجل يذكر لنا شيئًا مما وجد في الكتب السماوية، فذكر ربنا عز وجل هذه، وغيرها من الأحكام، وقول ربنا عز وجل: ﴿في صحف إبراهيم وموسى﴾، الكتب المنزلة كثيرة، لكن أشار ربنا عز وجل إلى الصحف المنزلة على إبراهيم، وعلى موسى. قال العلماء: إشارة إلى فضيلة هذين النبيين الكريمين، فهما من أعظم الرسل بعد نبينا عليه الصلاة والسلام، موسى وإبراهيم من أعظم الأنبياء والرسل، الذي لهم من الفضائل والمنزلة العلية عند رب البرية، موسى وإبراهيم، ومن تأمل في حوادثهما، وفي أحداثهما، وما كان من الأمور التي أجراها الله على أيديهما، تعلم يا عبد الله ذلك علم اليقين. فقال سبحانه: ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾، وهي عشر صحف لإبراهيم، والتوراة لموسى، صحف إبراهيم وموسى من الكتب المنزلة، نزل الله عز وجل على إبراهيم الصحف، الله أعلم، الله أعلم بصحف إبراهيم كيف كانت؟ لكن يقول العلماء: أنها كانت باللغة السريانية، أنها كانت باللغة السريانية. واللغة السريانية هي لغة مذكورة من اللغات القديمة، كانت في أرض العراق، وكانت في أرض الشام، وتدرس، ولها أحرف خاصة، ولها لغة خاصة، هذا تسمى اللغة السريانية، وكانت صحف إبراهيم مكتوبة بها، وأما صحف إبراهيم وموسى، أي صحف موسى، وهنا وقع النزاع بين العلماء، هل صحف موسى هي التوراة أم شيء آخر؟ على خلاف بين أهل العلم. أكثر العلماء يرون أن صحف موسى هي هي التوراة، هي هي التوراة، وإنما سميت صحفًا؛ لأن عبارة عن أجزاء؛ لأنه يقولون أن التوراة عبارة عن خمسة أجزاء، خمسة أحزاب، كلها تسمى التوراة، فبمفراداتها سميت صحفًا، بهذا الاعتبار، هذا قول، أن الصحف هي هي التوراة، ومنهم من قال: لا، بل أن الصحف شيء، والتوراة شيء، وأن التوراة هي كانت عبارة كتبت في ألواح، كما قال ربنا: ﴿وكتبنا له في الألواح﴾. وربنا عز وجل أنزل التوراة على الألواح، وهي مكتوبة من كتبها الله عز وجل، فالتوراة هو الكتاب الوحيد المقدس الذي كتبه الله بيده: ﴿وكتبنا له فيها﴾، لهذا في حديث الشفاعة الكبير العظيم، عندما يقول الناس لموسى: «أنت الذي كتب الله لك التوراة بيمينه»، وفي لفظه: «بيده»، فالتوراة هو الكتاب المقدس السماوي المنزل الوحيد الذي كتبه الله جل وعلا في يده، وأنزله الله عز وجل ألواحًا من السماء على موسى عليه السلام. فاختلف العلماء عن ما هي الألواح؟ الله أعلم بكون هذه الألواح، فالشاهد، قال العلماء: أن التوراة عبارة عن ألواح، وأن الصحف شيء آخر، شيء آخر، قيل أنها وجدت قبل التوراة، فالله أعلم، لكن أكثر العلماء، كما سمعتم، يرون أن التوراة هي هي الصحف. والفرق بين التوراة وبين صحف إبراهيم، أن صحف إبراهيم كتبت بالسريانية، على لغة قومهم، وأما التوراة فهي بالعبرانية، فهي بالعبرانية، وهي لغة اليهود الآن، لا زالوا يتلفظون بها، تسمى باللغة العبرية أو بالعبرانية. فهذا، إخواني في الله، ما يتعلق، وأما قول المؤلف: «وهي عشر صحف لإبراهيم»، هو نعم، استدل المؤلف بحديث ضعيف لم يثبت في هذا المقام، فالله أعلم بصحف إإبراهيم، لكن يذكر العلماء أن صحف إبراهيم عبارة عن أمثال، وعبارة عن مواعظ، وعبارة عن حكم، هذه الصحف التي أنزلها الله عز وجل على إبراهيم. وبهذا، إخواني في الله، نختم الحديث، وننتهي إلى ختام المقام، فيما يتعلق بصورة الأعلى، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.