الخطبة بعنوان حقوق الجار، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 13 صفر 1444هـ الموافق 9 سبتمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبين الإسلام أهمية حق الجار ويُؤكد على ضرورة الإحسان إليهم. حق الجار يشمل الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب.
الإسلام يأمر بالإحسان إلى الجيران وعدم إيذائهم، مستندًا إلى توجيهات الله ورسوله. أحاديث نبوية تؤكد على عظم حق الجوار وتوجيهات للتعامل الحسن مع الجيران.
يوصي الإسلام بالإحسان إلى الجار ويختلف حق الجار باختلاف قرابته وإسلامه. النبي عليه الصلاة والسلام أوصى بذلك وجعل للجار حقوقًا يجب احترامها.
عدم أمان الجار من شروره ينفي الإيمان، ويجب معاملة الجار بإحسان وتجنب إيذائه. نسأل الله أن يجعلنا من الممتثلين لأوامره والمجتنبين لنواهيه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾، هذه الآية عباد الله يبين فيها ربنا جل وعلا حقوقا عظيمة مما ينبغي للعبد أن يؤديها. فأول حق هو حق الله جل وعلا، وهو عبادته وحده لا شريك له والإخلاص في عبادته سبحانه وتعالى، وصرف العبادات له وحده جل وعلا، ثم بعد ذلك ذكر حق الوالدين وذكر حقوقا عظيمة. وإننا في هذا المقام إن شاء الله تعالى نذكر بحق من هذه الحقوق العظيمة التي ذكرها الله عز وجل. هذه الحقوق العظيمة التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى نذكر بحق من هذه الحقوق التي قد تناست أو قد كاد أن يذهب أكثرها من الإحسان بين الناس، ألا وهو حق الجار. عباد الله، فإن حق الجار في ديننا حق عظيم، ولهذا ربنا جل وعلا في هذه الآية ذكره على نوعين، قال: «والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب». فذكر الجار الذي هو القريب، أي الجار الذي هو من الأرحام ومن الأقرباء، ثم ذكر الجار الذي هو بجنبك، وكذلك بيته قرب بيتك، وكذلك بجوارك في مسكنك، فهذا هو الجار الذي أراده الله عز وجل، وأيضا أمر بالإحسان إليه. فلهذا فهذا الجار الذي بيّن النبي عليه الصلاة والسلام كذلك فيه من الحقوق العظيمة، فلو لم يقل النبي عليه الصلاة والسلام إلا بما جاء في الصحيحين عن عائشة وعن عبد الله بن عمر: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، هذا الحديث العظيم الذي يبين حق الجوار وأنه حق عظيم عند الله جل وعلا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، أي سيجعله وارثا. وهذا الحديث له من العظمة في حق الجار ما الله عز وجل به عليم. وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي شريح الكعبي: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»، وجاء في رواية: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره». فإنك عبد الله مأمور بالإحسان إلى الجار، والمراد بالإحسان إلى الجار هو المعاملة الحسنة وعدم أذيته. فإن من الأمور التي ينبغي بين الجيران أن يكون بينهم التواد والتراحم والتعاطف، وبينهم كذلك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك عدم الأذى وغيرها من الأمور التي ينبغي أن يكون فيها التعامل بين الجيران. وكذلك أيضا النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن المسلم لا ينبغي أن ينسى جاره حتى كذلك في طعامه وشرابه. فإن الله عز وجل لما قال على الكفار في قوله سبحانه وتعالى: ﴿الذين يراؤون ويمنعون الماعون﴾، أي يمنعون ما يتعاون به الناس من الجيران وغيرهم. فإن هذا جعله الله عز وجل من أخلاق الكفار وليس من أخلاق المسلمين. فأهل الإسلام يتعاملون فيما بينهم، وخاصة للجار مع جاره يتعاونون حتى في المال، يتعاونون في الطعام. أخرج الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه من حديث أبي ذر: «أنه قال عليه الصلاة والسلام له: يا أبا ذر، إذا طبخت مرقا فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك». وكذلك عباد الله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أيضا أوصى نساء المسلمات وحثهن على أن يحسن إلى جارتهن بالهدايا وبغيرها. كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا نساء المؤمنين، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاه»، أي لا تحتقر المرأة أن تعطي جارتها ولو شيئا يسيرا. وجاء عند أحمد وأبي داود عن عبد الله بن عمر: «أنه ذبحت شاة في بيته، فقال لأهله: أما عطيتم جارنا اليهودي؟ أما عطيتم جارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». فانظر إلى هذا الاعتناء بالجار والإحسان إليه من ديننا الحنيف العظيم. فلهذا ينبغي للمسلم أن لا يضيع جاره، ولا أيضا يقطع جاره، بل يحسن إليه بجميع الإحسان، وبما يكون فيه من المودة والرحمة والرفق بين الجيران. فالله الله عباد الله في هذا الحق الذي أمر الله عز وجل به، وأوصى به جبريل لنبي الله صلى الله عليه وسلم، وأوصانا به صلى الله عليه وسلم، وحث على ذلك، وبيّن أنه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره». فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يغفر لنا ويرحمنا. والحمد لله رب العالمين. قال كثير من أهل العلم كالقرطبي والنووي وغيرهم من أهل العلم: إن الله عز وجل جعل للجار ثلاث مراتب، فجار له ثلاث حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد. فالجار الذي له ثلاثة حقوق هو الجار المسلم القريب، هذا له حق جواره وحق قرابته وحق إسلامه. والجار الذي له حقان: حق جاره وحق إسلامه، أو حق جاره وحق قرابته. والجار الذي له حق واحد هو الجار الكافر، الجار الكافر له حق واحد وهو حق الجوار. فإن الله عز وجل قد قال سبحانه وتعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾، فربنا جل وعلا لم يمنع أهل الإسلام من الإحسان والعدل بينهم وبين الكفار من المعاملة الحسنة، وخاصة من الجيران وغيرهم. ومن أعظم الأمور التي ينبغي أن تكون بين الجيران أن العبد لا يؤذي جاره بأي أذى كان. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري: «قال: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»، أي شروره. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده المسلمين الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه. والحمد لله رب العالمين.