الخطبة بعنوان عمارة الأرض، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٧ رجب ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُبين الخطيب أهمية الأوطان ونعم الله علينا بوجودها، ويوضح الانتماء الحقيقي لها يكون بالإعمار وتأدية الحقوق.
يجب على الأفراد إعمار أوطانهم بالطاعات ليرجع ذلك عليهم بالخير، حيث أن الأرض تشهد على أعمالهم وتكره المعصية.
يُبين أن الأرض تتأذى من الفاسدين وتفرح بموتهم، ويشير إلى أهمية إعمار الأرض بطاعة الله ورفع معالم التوحيد.
يتضمن صيغة الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختم بالدعاء للمصلين بالرعاية الإلهية عند قيامهم للصلاة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن من أعظم نعم الله العظيمة ومن آلائه الجليلة التي منها على عبيده أن جعل لهم أرضًا تكون لهم سكنًا ويتخذونها موطنًا، يتقلبون بين مواردها وخيراتها ويتنعمون بنعمها وثرواتها، يجتمعون بها مع أهاليهم وذويهم، وقبل هذا وذاك هي أرضٌ مُبكَنَت لهم لتأدية عبادتهم لربهم. عباد الله، إن العبد المسلم إزاء هذه النعمة وفي سبيل الحفاظ عليها والضمان لبقائها كان لا بد عليه أن يؤدي ما يجب عليه لبلده ولوطنه. إن للأوطان علينا حقوقًا لا بد أن تؤدى حتى نتمتع بهذه النعم التي نتقلب فيها صباح مساء. ولا تظن يا عبد الله أن انتماءك لوطنك أو تأدية هذه الحقوق إنما تكون بكلمات معسولة أو عبارات منمقة أو برفع شعارات جوفاء مزيفة، أو تظن يا عبد الله أن انتماءك لوطنك إنما يكمن في التغزل بتضاريسها ومناخها أو أنك تتغنى وتنشد بجمال سمائها وأرضها أو أنك تكثر من مدحها أو أنك تطنب من ذكرها. لا يا عبد الله، إن تأدية حق الأوطان والاعتراف بانتمائك للأوطان إنما يكون ذلك جليًا فيما يقع في أرض الواقع مما يعود منفعته للوطن ولأهله. وقد ذكر العلماء أن من أعظم حقوق الأوطان وبها يكون الفرد منتميًا لهذه الأوطان أن تختزل هذه المهمة في كلمة واحدة، ألا وهي الإعمار. إن الله جل وعلا خلق الخليقة على هذه البسيطة، فكان من أهم أعمالهم ومن أولويات وظائفهم القيام بإعمار الأرض. قال سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. فإن كان فرد من الأفراد أراد أن يظهر صدق حبه وانتمائه لوطنه وأن يظهر مدى إخلاصه لبلده، فعليه بعمارة الوطن، وذلك بما يستطيع وبكل قوة وبكل قدرة. فإنك يا عبد الله ما تعمره في وطنك وفي أرضك يبقى لك باقيًا في صحيفة مآثرك. واعلموا رعاكم الله أن من أعظم صور الإعمار والتي دلت عليها الأدلة الشرعية والتي ينبغي علينا جميعًا أن نتكاتف على إظهارها وإبرازها الإعمار المعنوي، وذلك بأن تحيا أرض الوطن بشعائر الدين، برفع راية التوحيد والإقبال على الطاعات والعبادات، وأن نملأ جنبات الوطن وأرجاء البلاد بالتسبيح والاستغفار وبأداء الفرائض والواجبات. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون». قال الإمام النووي معلقًا على هذا الحديث: «أي هل تعملون بطاعته أم تعملون بمعصيته». عباد الله، ونحن إذ نؤصل لهذا الإعمار المعنوي وبضرورة أن تعمر الأرض وأن يعمر الوطن بالطاعات والعبادات، علينا أن نعلم أن هذه الأرض التي نمشي عليها ونمشي عليها، أن الله جل وعلا جعل لها إدراكًا، جعل لها إحساسًا. قال جل في علاه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «أحد جبل يحبنا ونحبه». فهي ذوات على صورة جمادات، إلا أن الله جل وعلا جعلها مشاعر وأحاسيس تحب وتكره وتبغض وتشهد. عباد الله، إن خيرية الأرض وخيرية الوطن إنما تكمن بإقامة الدين، وأن تمتلئ جنباتها وأرجاؤها بمن يعمرها بطاعة الله وبذكر الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، فإن الأرض أنسها ووجدها وسعد عيشها إنما يكمن فيمن يربطها بربها وبخالقها وموجدها. فمما مضى علمنا ما تكنه أرض الوطن لكل من ساهم في إعمارها إعمارًا معنويًا، وذلك بأن يشغلها وأن يشغل جنباتها وأرجاءها بطاعة الله، بإقامة دين الله، وهكذا بتحكيم شرع الله. قال عليه الصلاة والسلام: «لحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا». عباد الله، أين هذا الإجلال وأين هذا الإكرام وأين هذه الحفاوة والإعظام من فرد من أفراد الوطن ما بال بدينه أو رضي بالدنية في دينه والإعراض عن شريعة ربه، فلا صلى ولا صام ولا زكى ولا قام ولا ساهم في إعمار وطنه بعمل صالح ولا بقول نافع. فهؤلاء عباد الله، هذا الصنف شؤم على الوطن وشؤم على أهله، فلا عجب أن نجد أن أرض الوطن تفرح بمهلك هؤلاء وبموت هؤلاء حتى تستريح من خبثهم وشرهم. فعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ طلعت علينا جنازة، فقال عليه الصلاة والسلام: «مستريح ومستراح منه». فقلنا: يا رسول الله، ما المستريح وما المستراح منه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد المؤمن إذا مات استراح من نصب الدنيا وأذاها، وإن العبد الفاجر إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب». عباد الله، فلا غرابة بعد ذلك أن نجد أن الأراضي المنكوبة والأراضي المغصوبة على أيدي أعداء الدين تتطلع وتناشد لمن يخلصها منهم ولمن يحررها من أسرهم من الكفار والأشرار. ثبت في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فينتصر المسلمون، فيختبئ اليهود خلف الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله». عباد الله، إن إرادة الدنيا لعمارة الدين لمن يعمرها بالطاعات والعبادات والعبودية لله جل وعلا، لا تتطلع الأراضي لمن يعمرها بالعمارات الشاهقة أو بعقارات فارهة بغير إيمان ولا عمل صالح. عباد الله، إن الأرض كما أنها تتأذى ممن هو على ظهرها ممن أرهقها خبثًا وأرهقها معاصي وذنوبًا، فإنها كذلك تتأذى منه وهو في بطنها. فإن الأوطان والأرض إن وجدت سبيلًا إلى إخراجه وإلى لفظه وتقيئه أخرجته من بطنها وجعلته خارجًا عنها. ففي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رجل نصرانيًا أسلم فقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام، لكنه ارتد فكان يقول للناس: إن محمدًا لا يدري إلا ما كتبت له. قال الراوي: فأماته الله، فقام قومه وأهله فدفنوه، فلما أصبحوا رأوه مرميًا على ظهرها. عباد الله، هذه الأرض جعل الله جل وعلا لها الميزة في معرفة المصلح من المفسد، فعلينا عباد الله جميعًا أن نستغل الأوقات وأن نستغل الأعمار بإعمار هذه الأرض وكل أراضي المسلمين، أن نشغلها بطاعة الله، برفع معالم التوحيد والإقبال على الفرائض والواجبات والإتيان للسنن والمستحبات، وفي كل ما يرضي ربنا جل وعلا. أقول قولي هذا وأسأل مولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.