الخطبة بعنوان خطبة عيد الأضحى المبارك لعام ١٤٣٦هـ، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٠ ذو الحجة ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُعتبر العيد موسمًا مباركًا للطاعات والقربات، ويجب تجاوز المظاهر السطحية إلى المشاركة الحقيقية في الأفراح والأحزان. يُشدد على أهمية التواصل والتفاعل مع الأهل والأسر في هذه الأيام.
يجب تحمل المسؤولية تجاه الأهل، وتشمل الرعاية والعناية والتواصل مع أفراد الأسرة. يُستشهد بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تؤكد على هذه المسؤولية وتحدد حقوق وواجبات كل فرد.
يُشدد على أهمية دور المرأة في التكافل الأسري وتقديم الدعم لزوجها وأولادها، كما يُشير إلى أهمية الأضحية وقد حث الله العباد عليها، مع ضرورة إعطاء الجيران والأقارب منها.
إننا نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى على ما أولانا به من مواسم الخيرات والطاعات، بالأمس هلت علينا عشرة من ذي الحجة، وها نحن اليوم في يوم النحر، يوم الحج الأكبر، وغدًا بإذن الله ستهل علينا أيام التشريق، إنها مواسم مباركة، مواسم فاضلة، مواسم شريفة منيفة، جعلها ربنا جل وعلا لهذه الأمة المحمدية مواسم نورانية بعضها فوق بعض، فلله الحمد من قبل ومن بعد. عباد الله، إننا في مثل هذا اليوم العظيم لتنشرح صدورنا، وتطمئن قلوبنا، وتتلألأ تباشير وجوهنا، وحق لنا ذلك في يوم قد جعله ربنا جل وعلا عيدًا لأهل الإسلام، يظهرون الفرح والسرور والبهجة والحبور. واعلموا عباد الله، إن من عظيم ما يتلذذ به المسلمون في أيام العيد، بعد أدائهم لما أمر الله جل وعلا به من الواجبات، ومما ندب إليه سبحانه وتعالى من النوافل والقربات، من ذكره ومن الصلاة ومن الذبح، ما يكون من اجتماع المرء بأهله وأسرته وزوجته وعياله. إن العبد وإن كان دائمًا عاشرًا مع أهله وأسرته، فإنه يجد حدة العلاقة تزداد قوة وصلابة في أيام الأعياد خاصة، فمنذ هذه الأيام يكون في الأسر من التوسيع على الأهل والعيال من المباحات من المأكولات والمشروبات، ومن تقسيم التهاني والتبريكات، ومن توزيع النفقات والأموال والعطايا والهبات. لكن وإن كان هذا من البر والإحسان لأهلك وأسرتك، لكن لا تظن يا عبد الله أنك بلغت بهذا المظهر والسلوك قد بلغت إلى القمة، لا يا عبد الله، هناك ما هو أعظم من ذلك مع أهلك وأسرتك، وهو أنك يا عبد الله تشاركهم في أفراحهم وأحزانهم وأمورهم. يا عبد الله، إن كنت أبًا أو كنت أخًا أو ابنًا أو زوجًا، اعلم رعاك الله أن من كمال علاقتك بأهلك وأسرتك أنك تسد حاجتهم، وتدفع عنهم ما يضرهم، وتستجلب لهم ما يصلحهم في أمر معاشهم ومعادهم. فأنت يا عبد الله إن كنت أبًا، فاعلم أن الله جل وعلا قد ألقى على عاتقك مسؤولية عظيمة، ليس فقط في إيجاد الذرية، وإنما على حسن رعايتك وعنايتك بهم، قال عليه الصلاة والسلام: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وقبل هذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. واعلم يا عبد الله أيها الأب أنك متى ما فرطت في هذه المسؤولية، أنك موعود من قبل الله بسوء العذاب والنكال، قال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَيَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ». حذار يا عبد الله، حذار يا ولي الأمر، حذار يا أب أن تترك أهلك بلا رعاية ولا حسن العناية. وهكذا يا عبد الله إن كنت زوجًا، فاعلم أن أمرك لا يقف عند أن تؤدي النفقة إلى الزوجة أو أن تقضي منها الوطر، بل عليك يا عبد الله أن تشارك الزوجة في كل أمورك في صغيرها وفي كبيرها، بل إن اللقمة التي تدخل إلى بطنك ينبغي أن المرأة تشاركك فيها. سئل نبينا عليه الصلاة والسلام: «مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ». أين نحن يا عباد الله؟ أين الأزواج؟ في ظل هذا الحق العظيم على أن المرأة الزوجة تشاركك في كل أمورك في مأكلك ومشربك، وهكذا في ملبسك ومظهرك. وهكذا يا عبد الله إن كنت أخًا حباك الله بإخوة وأخوات، فليس من القرابة في شيء أنك تهملهم أو أنك تدعهم ولا تسأل عنهم ولا تبالي بهم، وخاصة إذا كانوا بعداء أو انفصلوا عنك، لا يا عبد الله، عليك أن تشاركهم في آلامهم وأحزانهم وأن تقف بإزائهم. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء من طريق حبيب بن طارق المحاربي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ». ما أنسى نبينا عليه الصلاة والسلام التذكير بحق الأخوة والأخوات أنه في ذمتك متى ما احتاج إليك. فأنت يا عبد الله إن كنت إبنًا قد متعك الله جل وعلا بوالدين، فعليك أن تضحي بكل شيء في سبيل إرضائهما وفي سبيل إسعادهما، ولو بذلت الغالي والرخيص في سبيلهما، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. إذا كان هذا في حق والدين كافرين مشركين معاندين، ومع ذلك أمر الله بمصاحبتهما في الدنيا معروفًا، فما ظنك يا عبد الله بوالدين صالحين مسلمين، ولو كبرا في السن عتيًا، عليك يا عبد الله أن تعتني بهؤلاء. فهكذا فلتكن يا عبد الله في أهلك وفي أسرتك، سواء كنت أبًا أو ابنًا أو أخًا أو زوجًا، أن يكون لك دور فعال في أنك تخفف عنهم ما هم به. وأنت كذلك يا أمة الله، لا تظنين لكونك امرأة بأنك لا تهتمين إلا بنفسك ومظهرك، وأنك تحتاجين فقط إلى من يخدمك، بل كذلك عليك يا أمة الله أن تكون لك دور فعال في التكافل الأسري في رفع المحن والآلام والأحزان عن باقي أفراد أسرتك. فإن كنت زوجة، فعليك يا أمة الله أن تقفي بجوار زوجك بتخفيف من آلامه وأحزانه والأخذ من همومه وغمومه، ولك عبرة بخديجة رضي الله تعالى عنها عندما قدم إليها نبينا مزعورًا من الغار، فقالت وهي تطمئن حاله: «كلا والله، كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق». هذه المرأة الصادقة التي ما عرفت بالتململ ولا بالتخاذل ولا بالتقاعص، وإنما ترفع من معنويات زوجها متى ما رأت منه أنه على غير هذا الحال. وهكذا بل إن الزوجة لربما تنفق مالها في سبيل زوجها، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال لامرأة عبد الله بن مسعود: «إِنَّ زَوْجَكِ وَوَلَدَكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ». وهكذا يا أمة الله إن كنت أما من الأمهات، فاعلمي ليس فقط من حسن العناية والرعاية بأولادك وبناتك من صرف الأوقات في تزيينهم وفي تربيتهم والعناية بهم فحسب، بل ربما كان من عناية الأم بأولادها أن تقدمهم على نفسها التي بين جنبيها. قدمت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها ومعها صبيان، وكأنها طلبت الطعام، فأعطتها عائشة رضي الله تعالى عنها ثلاث تمرات للصبيين تمرة تمرة، ولتلك المرأة تمرة ثالثة، فإذا بالصبيين أكلت تمرة ثم قاما ونظرا إلى الأم ينظران إلى التمرة التي معها، فإذا بها شقتها إلى نصفين وأعطت لكل واحد منهما نصفًا، وما أكلت منه شيئًا. فتعجبت عائشة من ذلك، فلما قدم نبينا صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بما رأت، فقال عليه الصلاة والسلام: «وَمَا تَعْجَبِينَ مِنْ ذَلِكِ؟ إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَهَا بِرَحْمَتِهَا بِصَبِيَّيْهَا». نعم عباد الله، هكذا فليكن رجالًا ونساءً، لا تأخذنا العواطف ولا نستله بمثل هذه المظاهر والسلوكيات، إن القرابة وإن الأسرة تحتاج منا إلى تضحية، تحتاج منا إلى بذل، تحتاج منا إلى عطاء. فيا عبد الله الله الله في أهلك وأسرتك، سواء كنت أبًا أو زوجًا أو ابنًا أو أخًا، وأنت يا أمة الله الله الله في أهلك وأسرتك، سواء كنت زوجة أو أما أو بنتًا أو أختًا، أهلك يا عبد الله وأسرتك هم رأس مالك، هم الذين سيقفون معك متى ما تخل الناس عنك، وهم الذين يصفرون عليك متى ما ضاق الكرب منك، فهم منك وإليك، فهم من لحمك ودمك. وهكذا عباد الله، أوصي نفسي في مثل هذا اليوم الفاضل بما أننا نؤدي حقوق الآخرين، فلا ننسى أن نؤدي حق الله جل وعلا في مثل هذه الأيام المباركة بالإقبال على الطاعات والعبادات، وعلى الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ». فأكثروا يا عباد الله من ذكر الله في ليلكم ونهاركم، وفي صلواتكم وخلواتكم، فإنها من العبادات المرغوبة. واعلموا أيضًا بأن الله قد حث العباد على الأضحية على هذه النسيكة العظيمة التي كانت في سائر الأمم والمِلَل، فمن استطاع لها سبيلًا فبها ونعمت، وعليه أن لا يبخل على جيرانه ولا يبخل على قرابته من إعطائهم، فإن الله قد ندب إلى ذلك بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.