الخطبة بعنوان الرجوع إلى أهل العلم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٣٠ شوال ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن الفتن وتأثيرها على الأمة الإسلامية، ويشير إلى أهمية التمسك بعلماء الدين للنجاة منها. يُبين أن العلماء هم منارات الهدى وطرق النجاة.
يُبين أهمية اتباع العلماء في زمن الفتن، ويروي حادثتين تاريخيتين عن الخارجين على علي بن أبي طالب وجماعة كانت تسبح وتكبر باستخدام الحصى. يُظهر كيف حكم العلماء عليهم بالضلال.
يؤكد على أهمية الرجوع إلى العلماء واتباع أقوالهم لتجنب الضلال، ويقدم أمثلة تاريخية على عواقب إهمال فتاوى العلماء. يشدد على احترام العلماء وتقديرهم.
دعا الإمام للمسلمين بالغفران ودفع الفتن عن بلادهم، وتوسل إلى الله لحماية بلاد المسلمين من الفتن والزلازل، ثم أمر المصلين بالقيام إلى الصلاة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إنه لا يخفى على أحد منكم ما يجري في واقعنا المعاصر في وطننا العربي والإسلامي من نزول الفتن وتتابع المحن، فتن طلاطم أمواجها وطار شررها واستفحل خطرها، وصدق لما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم عن نزول عموم البلاء والفتن على الأمة، وخاصة من تأخر منهم. قال عليه الصلاة والسلام: «إن أمتكم هذه قد جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، تجيء الفتن يرقق بعضها بعضًا». وثبت أيضًا في البخاري من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج»، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «القتل القتل». وثبت أيضًا في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأرى الفتن، إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر»، وفي رواية: «كوقع القطر». عباد الله، إن المسلم إزاء هذه الأخبار وإزاء الفتن التي أينما كانت وكيفما كانت، سواء فتن في الشبهات والشهوات أو فتن في قتل وقتل وسفك للدماء أو فتن في اختلافات ونزاعات وفي فرق وجماعات، إن المسلم عباد الله إزاء هذه الفتن عليه أن يشغل باله ويوطن نفسه وأن يعمل فكره ووِجدانَه في معرفة كيف الخلوص من ذلك، وما هي السبل التي تنجيك من هذه المهالك. عباد الله، إن الفتن متى ما وقعت أهلكت ودمرت وأفسدت على الناس دينهم ودنياهم، والواقع خير شاهد، فها هي الفتن طاشت وهاجت وماجت هنا وهنالك، فما الذي خلفت على أهلها؟ كم من دماء سفكت؟ كم من أرواح زهقت؟ كم من أعراض انتهكت؟ كم من أموال سلبت؟ كم من محرمات أدنست؟ ناهيك يا عبد الله عن حالة الزعر والفزع وعن مظاهر الخوف والقلق والهلع، ما كان ذلك إلا في مجتمعات استهان أهلها بالفتن، عبثوا بها، تلاعبوا بها، استهانوا من أمرها، حقروا من شأنها، فكان منهم أن أحرقتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. نبينا صلوات ربي وسلامه عليه هو من هو بأبيه وأمي، ومع ذلك كان يستعيذ بالله من الفتن ويأمر أصحابه بذلك، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد، قال عليه الصلاة والسلام: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». واعلموا عباد الله أن من أعظم الأسباب الناجية والمنجية من أضرار الفتن، وأن من تمسك بها واعتصم عليها وعض عليها وحرص عليها، كتب الله له النجاح من أضرار الفتن ما ظهر منها وما بطن، ألا وهي التمسك بغرز العلماء، العلماء عباد الله ممن رسخت أقدامهم في العلم وزادهم الله جل وعلا بسطة في الفقه والفهم، تضلعوا من علم الشريعة حتى كانوا من أعلم الناس بمراد الله من أحكامه وشرعه. العلماء هم صابيح الدجى ومنارات الهدى، من تمسك بغرزهم سلم ونجا، ومن تخلف عن ركبهم غرق وهوى. قال إمام أحمد رحمه الله تعالى: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، كم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». عباد الله، العلماء ذكر الله جل وعلا أن من مناقبهم ومن فضائلهم أنه من أعلم الناس بطرق النجاة وبطرق الهداية، قال جل في علاه: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، هم من أعلم الناس بالصراط المستقيم. لكن عباد الله، أين الناس من هذا المقام العظيم وهذا السبيل المبين؟ إذ أنهم في شقاق بعيد، إن أقل الناس أحوالًا عباد الله مع العلماء هو الذي لا يكترث بأمرهم ولا يسترشد بفتاويهم، فما رفع رأسًا بأهل العلم ولا ألقى لهم بالًا. وأخبث من هؤلاء وأعظم من تطاول على العلماء فشمت بهم واستهزأ بهم وطعن في أعراضهم وعقولهم. عباد الله، لنا عبرة بتاريخ الأمة، والسعيد منا من اتعظ بغيره. وقعت فتن وفتن منذ قدم الزمن، فكان العلماء لها بالمرصاد، فكان الناجي في تلكم الأزمان في أيام الفتن من سلم أمره إلى العلماء، وأما الشقي المحروم فمن أعرض عنهم وأدبر عن أمرهم. كيف لا؟ فإن طاعة العلماء هي من طاعة الرحمن، ومعصية العلماء هي من طاعة الشيطان، قال جلًا في علاه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فاتباع العلماء هو طاعة للرحمن، والإعراض عنهم يجرك إلى طريق الشيطان. روى الدارمي في سننه من طريق عمر بن يحيى، قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبي، قال: كنا نجلس عند باب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، فإذا خرج خرجنا معه، فجاء أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، فقال: أخرج أبو عبد الرحمن؟ فقلنا: لا، قال: فجلس، فلما خرج عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قام إليه أبو موسى قائلًا: يا أبا عبد الرحمن، لقد رأيت آنفًا أمرًا أنكرته، وما أعلمه إلا خيرًا. فقال ابن مسعود: ماذا رأيت؟ قال أبو موسى: رأيت في المسجد قومًا يجلسون حلقا حلقا قبل الصلاة، وفي كل حلقة رجل يقول لهم: كبروا الله مئة فيكبرون، هللوا الله مئة فيهللون، سبحوا الله مئة فيسبحون. فقال ابن مسعود: فماذا قلت لهم؟ فقال أبو موسى: لا شيء، انتظار أمرك، وفي رواية: انتظار رأيك. فإن ابن مسعود كان من أعلم الصحابة رضي الله تعالى عنه، فذهب إليهم حتى وقف على حلق من هذه الحلقات مستفهمًا متعجبًا: ماذا تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التسبيح والتكبير والتهليل. فقال لهم رضي الله تعالى عنه: هل عددتم سيئاتكم؟ فإن نظام أن لا يضيع شيء من حسناتكم. ويحكم يا أمة محمد، ويحكم يا أمة محمد، هؤلاء أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام متوافرون، وهذه آنيته عليه الصلاة والسلام لم تكسر، وثيابه لم تبل، أما والله، فوالذي نفسي بيده، إما أنكم على هدى من ملة محمد، أو أنكم مفتتحوا باب ضلال، مفتتحوا باب ضلالة. انظر يا عبد الله إلى حكم هذا العالم الجليل على من أراد الخير في حكمه وفعله، حكم عليهم بالضلال، حكم عليهم بالزيغ والانحراف، فماذا كان الأمر؟ قال عمرو بن السلمة، راوي هذا الحديث، قال: فرأيت هؤلاء، أي أصحاب الحلق، أصحاب التهليل والتكبير، قال: فرأيت عامة هؤلاء يطاعنوننا يوم النهروان من الخوارج، يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج. نعم، عباد الله، إنه الزيغ، إنه الخروج عن طاعة العلماء وعن إرشاد العلماء، فلو أن هؤلاء اتبعوا قول هذا العالم وتركوا هذه البدعة الضليلة لما كان هذا شأنهم، وما كانت تلك نهايتهم، لكنها عبرة وعظة لنا عباد الله، نعلم أن من زاغ ومن خرج عن أمر العلماء فإن هذه نهايته. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لازلنا معكم في ذكر العبر والعظات التي جاء في تاريخ أمتنا، ومفاده في حال أفراد ومجتمعات يسر الله لهم أقوال العلماء ورزقهم الله جل وعلا بأهل العلم، فبدل من أن يأخذوا بأقوالهم ويعتدوا برأيهم، إذ أنهم اتبعوا أهواءهم فأعرضوا عنهم، فكان الأمر ما كان من ضلالهم وزيغهم وسقوطهم. وكذلك من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده في ذكره لخبر الخوارج حين خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه، وكانوا قدر ستة آلاف رجل، فذهب إليهم ابن عباس رضي الله تعالى عنه، حبر الأمة وترجمان القرآن، من أعلم الصحابة رضي الله تعالى عنه، فدخل عليهم إلى معسكرهم. فلما رأوه قالوا: مرحب الله بابن عباس، ما جاء بك؟ قال: جئتكم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، ممن نزل عليهم القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، جئتكم لأبلغكم ما يقولون وأبلغهم ما تقولون. ما تنقمون على أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام وعلى ابن عمه؟ قالوا: يا ابن عباس، ننقم عليه ثلاثًا، قال: فما هن؟ قالوا: إنه حكم الرجال في أمر الله، وإن الحكم إلا لله. قال: هذه واحدة، فما الثانية؟ قالوا: إنه قاتل، فلم يسب ولم يغنَم، فإن كانوا كفارًا، أي الذين قاتلناهم، فإن كانوا كفارًا، حل سبيهم، وإن كانوا مؤمنين، فما حل سبيهم ولا قتالهم. قال: هذه الثانية، فما الثالثة؟ قالوا: إنه محى نفسه عن أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين. قال ابن عباس: أغير ذلك؟ قالوا: حسبنا ما سمعت. قال: أرأيتكم إن رددت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما تقولون؟ أترجعون؟ قالوا: نعم. فقام ابن عباس رضي الله تعالى عنه بتفنيد تلكم الشبهة، شبهة بعد شبهة، قام بتعطيلها وببيان عوارها، بمقام لا يسع هذا المقام لذكره، حتى أتى عليها فأنسفها من أصلها. قال الراوي: بعد ذلك فرجع منهم ألفان، رجع منهم ألفان، بسلطان العلم، هؤلاء من كتبت لهم النجاح، أما البقية الباقية من الحرورية، فبقوا على ما هم عليه من ضلال وهوى، حتى أعلن عليهم علي القتل والقتال، ورفع عليهم السلاح، فقضى عليهم واستأصلهم. نعم، عباد الله، فقد كان الناجي من هؤلاء من سلم أمره إلى أهل العلم، فسلم في دينه وسلم في دنياه. وهكذا ما رواه جابر في صحيح مسلم من حديث أبي عاصم، عن يزيد الفقير، أنه قال عن نفسه: كنت شغوفًا برأي الخوارج، شغوفًا برأي الخوارج، قال: فخرجنا في عصابة ذوي عدد، نريد أن نحج، وبعد الحج نخرج على الناس، نخرج على الناس بسفك الدماء. قال: فمررنا بالمدينة، فإذا بجابر بن عبد الله الصحابي الجليل، قالوا: فإذا بجابر يحدث في المسجد، وهو يذكر الجهنميين، والجهنميون هم قوم دخلوا نار جهنم، ثم يخرجهم الله جل وعلا منها، ثم يدخلهم الجنان. قالوا: فإذا بجابر يحدث عن رسول الله وهو يذكر عن الجهنميين، فقال يزيد: فقلت: يا صاحب رسول الله، يا صاحب رسول الله، ماذا تحدث؟ ألم يقل ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؟ ألم يقل ربنا جل وعلا: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾؟ فما الذي تقول؟ قال جابر رضي الله تعالى عنه: أجاب بإجابة لمن تضلع بعلم الكتاب والسنة، قال جابر: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: أسمعت بمقام محمد الذي يبعثه الله جل وعلا فيه؟ قال: نعم، قال: فذاك مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج، أي بشفاعته عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر جابر أقوامًا خرجوا من نار جهنم، فيدخلهم ربنا جل وعلا في نهر من أنهار الجنة، فيغسلون فيه، ثم يخرجون من هذا النهر كأنهم القراطيس، ومعنى القراطيس: أي الصحف، وذلك دلالة على نقائهم وعلى بياضهم وذهاب ما لصقوا من استوداد نار جهنم. قال: فيخرجون من نهر الجنة كأنهم القراطيس، فيدخلهم الله الجنة. فقال يزيد: فنظر بعضنا إلى بعض، قالوا: أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فرجعنا، فلا والله، فلا والله، ما خرج منا إلا رجلًا واحدًا. عباد الله، العلماء، الأخذ بفتاويهم سلامة لك يا عبد الله في دينك وفي دنياك وفي آخراك، وهذا في كل زمان وفي كل مكان. الجعد بن درهم كان على خير حال، إلا أن الأمر طال به، لما خرج عن فتاوى أهل العلم، كان يأتي إلى وهب بن منبه إلى وهب بن منبه من علماء الأمة، فكان يسأله في باب الصفات، وكان يتعمق في المسألة حتى أمره وهب بترك الأسئلة، وقال: يا جعد، إن الله جل وعلا أخبرنا بأن له يدًا، وأخبرنا بأن له عينًا، ولو لم يخبرنا بذلك ما قلنا بذلك. يا جعد، يا جعد، أنقص المسألة، فما أظنك إلا من الهالكين، ما أظنك إلا من الهالكين. إلا أن جعد ما أنقص المسألة، وإنما طال في غيه، فما النهاية؟ وما كان مآله؟ قال معقل، راوي هذه القصة، قال: فما لبث جعد إلا أن صلب، قتل على الزندقة، قتل على مروقه من دين الله جل وعلا. لو أنه استمسك بقول ذاك العالم: أنقص المسألة، فما أظنك من الهالكين، لما هلك. وهكذا يا عبد الله، قل في حق واصل بن عطاء، وجه من صفوان، ومقاتل بن سليمان، وأفرادًا وجماعات، يسر الله لهم وجود العلم والعلماء، إلا أنهم أعرضوا، إلا أنهم أدبروا، فكان من أمرهم ما كان من ضلال وهلاك في الدنيا والآخرة، أشد أمرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال الإمام البربهاري رحمه الله تعالى في شرح السنة: «قال: وانظر رحمك الله إلى من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء حتى تنظر: هل تكلم به أصحاب رسول الله أو أحد من العلماء؟ فإن ظفرت بشيء من ذلك، قال: فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا تختار عليه شيئًا، فتسقط في النار». صدق، والله، سقوط في نار الدنيا، في بدع وجهالات وضلالات، وسقوط في نار الآخرة، جهنم وبئس القرار. عباد الله، علينا أن نعطي للعلماء قدرهم وحالهم وشأنهم، وأن ما نبتلى به من الفتن والمحن والنوازل أن يرجع الأمر إلى أهله، فاعطوا القوس باريها، يا عبد الله، اعطوا القوس باريها، الأحكام الشرعية، العلماء الشريعة هم أهلها، هم الذين يستنبطون الأحكام منها، فالقول قولهم، والحكم حكمهم. وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن البركة في فتاويهم، قال عليه الصلاة والسلام: «البركة مع أكابيركم». فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ادفع عن بلادنا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين الفتن والقلاقل والزلازل بقدرتك يا أكرم الأكرمين، ويا ذا الجلال والإكرام. أقول قولي هذا، وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.