التحذير من القطيعة

الخطبة بعنوان التحذير من القطيعة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٥ صفر ١٤٣٧ هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

خطورة الخصومات بين المسلمين

يتناول الخطيب خطورة القطيعة والخصومات بين المسلمين، ويحذر من عواقبها الوخيمة مستدلاً بالأحاديث النبوية.

أهمية الصلح والمصالحة

يُنبه الخطيب إلى أهمية الصلح والمصالحة بين المسلمين لتجنب غضب الله وعدم قبول الأعمال الصالحة، ويحث على التخلق بأخلاق العفو والصفح.

مكانة العفو والصفح في الإسلام

يُناقش الخطيب أهمية العفو والصفح والإحسان بين المسلمين، ويُشير إلى الأجور العظيمة التي يُكسبها الله أصحاب هذه الأخلاق.

ختام وتوجيه للصلاة

يتضمن المقطع صيغة الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه وتوجيهًا للمصلين للقيام إلى صلاتهم مع الدعاء لهم بالرعاية الإلهية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن من الظواهر المرضية والسلوكيات غير المرضية ظاهرةٌ فشت وانتشرت وطمَّت وعمَّت بين الأفراد والمجتمعات، وبين المسلمين والمسلمات، وأعني بها ظاهرةُ القطيعة والخصومات. هذه الظاهرة التي لربما ما يمرُّ علينا يومٌ من الأيام، بل ولا ساعة من ساعات الليل أو النهار، إلا وسمعنا أن فلانًا تقاطع مع أصحابه وأحبابه، وآخر تهاجر مع أخيه وزميله وجاره، وآخر لربما أعلن الإنفصال عن أهله وأولاده ومن كان في بيته. وهكذا ناهيك عما يكون في عالم النساء من القطيعة، ومن المُدابرة، ومن الشحناء والبغضاء، وغير ذلك من الأخبار التي لن قطاع عنها. وذلك إن دل على مدى انتشار هذا المرض العُضال، وهذا الخُلُق المذموم، والداء المشؤوم، والذي هو مرض القطيعة والمُهاجرة والعداوة والبغضاء. عباد الله، إن هذا المرض وهذه الظاهرة لو وقعت بين الناس، وفيهم من الندم، وفيهم من الحسرة والتألُّم، لهان الخطب ولقلنا حنانيك. لكن مما يحُزُّ في النفس أن نرى أن هذه الظاهرة تكون بين المُتخاصمين، وبين المُتقاطعين، وكلُّهم ارتياح، وكلُّهم فرحٌ وانشراح على الحالة التي هم عليها. بل إن بعضهم لربما وصل من الجُرأة أن يفتخر بتحليه بخُلُق القطيعة، فيقول مُفتخِرًا أمام أصحابه: فلانا لي كذا وكذا من السنين ما خاطبته ولا جالسته ولا دخلت إلى جوف بيته. ولا حول ولا قوة إلا بالله. اعلموا عباد الله أنني في هذا المقام لأذكر أمورا وأذكر مقامات مما تعين على إيقاف هذا الزحف الذي دخل إلى بيوتنا، حتى بالكاد أن تجد رجلا قد سلم من القطيعة. وإلا فإن الكثير والكثير من الناس قد أبتُلِي بهذا الداء العُضال، إما وقع في القطيعة بين أهله وأرحامه، أو بين زوجه وأقاربه، أو بين أهله وأصحابه، أو بين جيرانه، إلا من رحم ربي. ومن هذه المقامات التي ينبغي أن يتأمل فيها المسلمون، وخاصة من ابتُلِي بِداء القطيعة والعداوة والبغضاء، أن يستشعر الجميع من المسلمين أن الرابطة التي تربط المسلمين بعضهم ببعض، والتي أرادها الله سبحانه وتعالى، هي رابطة الأخوة لا سواها ولا غيرها. فكم هي النصوص التي جاء ذكرها في كتاب الله، والأحاديث المروية عن نبينا عليه الصلاة والسلام، إذ بهما بيان على أن علاقة المسلم مع المسلم هي علاقة أخٍ مع أخيه. يقول ربنا سبحانه وتعالى مبينا ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. تأمَّل يا عبد الله كيف أن الله سبحانه وتعالى وصف علاقة المسلم مع المسلم بعلاقة أخٍ مع أخيه. وهكذا قُل ما جاء ذكره في السنة المُطهَّرة على نبينا أفضل الصلاة والتسليم. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يخذله»، وقال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن أخ المؤمن يكُفُّ عليه ضيعته ويحُوطُه من ورائه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «وكونوا عباد الله إخوانا»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تحقِرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ذكرك أخاك بما يكره». كم وكم هي الأحاديث النبوية التي أخبر فيها نبينا عليه الصلاة والسلام على أن علاقة المسلم مع المسلم هي علاقة أخٍّ مع أخيه. فوالله والله لو أن الناس تعقَّلوا لمثل هذه النصوص، وفهموا هذه الحقيقة أن الرابطة التي أرادها الله أن تكون بين المسلمين هي رابطة الأخوة، ما كان يظهر بيننا فيما نسمع في هذه الأزمان من قطيعة ومن هجران ومن عداوة ومن بغضاء. كيف يظهر ذلك فينا والواحد قد استشعر في نفسه، وانقدح في سويداء قلبه أن هؤلاء الذين يعاشرهم ما هم بغرباء، ما هم بأجانب، إنما هم إخوةٌ له، إخوةٌ في الدين. المسلمون إخوة مهما اختلفت أنسابهم أو أحسابهم، المسلمون إخوة مهما تنوعت مشاربهم وألوانهم، المسلمون إخوة مهما اختلفت وتباينت بلدانهم وأخطارهم وألسنتهم. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، لو أن الواحد منا تعامل مع المسلمين على أنهم إخوةٌ له، لما كان هذا التعامل بيننا، لما كان هنالك عدوان، وما كان هنالك بغضاء. وأيضاً عباد الله، من تلك الأمور ومن هذه المقامات التي ينبغي أن يتفطن لها، وخاصة من اتخذ العداوة والبغضاء له خلقًا ومطيَّة. وذلك بأن يستشعر قبح ما فعل، وعظيم ما ارتكب، وكم حصَّل من أوزار ومن ذنوبٍ وآثام، حصيلة هذا الفعل المشين، إذ أنه هاجر فلانا وتقاطع من فلان. عباد الله، إن الذي يوجد في قلوب الكثير من الناس، إذ أنهم يظنون أن مسألة القطيعة هي من المسائل التي لا علاقة بالشرع فيها، بل هي راجعة إلى الحرية الشخصية. فيرى بعضهم أن له حق التصرُّف، فيصل من شاء، ويقطع، ويعاد من شاء، ويحب، ويوال من شاء، ويعادي من شاء، وأن ذلك ليس له علاقة بالشرع، بل هو راجع إلى هواه وإلى مُشتهاه. لا يا عبد الله، اعلموا رعاكم الله أن شؤون حياتنا ينبغي أن تخضع لشرع الله، سواء أكانت من شؤوننا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، بل وحتى الأمور الشخصية ينبغي أن تخضع لشرع الله. فَمَا أَقَرَّهُ الشَّرْعُ أَقْرَرْنَاهُ، وَمَا ذَمَّهُ وَمَنَعْهُ الشَّرْعُ مَنَعْنَاهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى أَنْفُسِنَا. وَلَقَدْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ، وَتَضَافَرَتِ النُّصُوصُ على حُرْمَةِ هذا الفعل. كونُك يا عبد الله أن ترفع راية العداء والبغضاء لمن شئت من المسلمين، هذا ليس لك، بل هذا عليك. قال عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيحين: «لا يحل لمسلم أن يهجُر أخاه فوق ثلاث، ليان يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض ذاك، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل، لا يجوز»، وهذا ليس ليراجع لأمرك، ولا إلى قدرتك، بل هذا إلزام من ربك. «لا يحل لمسلم أن يهجُر أخاه فوق ثلاث»، ولهذا عدَّ العلماء أن القطيعة والعداء بين المسلمين من عظائم، ومن الآثام الجسام الذي ينبغي أن يتوب منها المرء. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا». نهى نبينا صلوات ربي وسلام وعليه عن البغضاء، وعن الحسد والتحاسد، وعن المدابرة، بأن كل واحد يُعطي دُبُره لأخيه، كناية ودلالة على القطيعة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تباغضوا، لا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا»، هذا الذي أمرنا الله جل وعلا به. بل أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام عن فداحة هذا الفعل، وعظم الوزر الذي يناله المتخاصمون. فغبت في مسند الإمام أحمد، من حديث أبي خراش، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه». من هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه، لربما الواحد منا لا يتخيل أن يحمل سلاحا فيقتل أخاه على أمر حصل بينهما. وما درى هذا المسكين الذي لا يتجاسر على قتل إخوانه، أنه بهجرانه لهم لمدة سنة كافية أن تتحصل على وزر قتلهم، كأنك قتلتهم، وسفكت دمهم، وأزهقت روحهم. لعظم الوزر الذي نالك من هجر أخاه سنة، فهو كسفك دمه. وتأملوا أيضاً عباد الله في هذا الحديث، وفي عبرة وعضة لمن كان يعتبر. ما ثمت في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة، قال: عليه الصلاة والسلام: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول سبحانه: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا». فكم وكم من المتخصمين، ومن المتقاطعين والمتهاجرين، عندهم من الأعمال، عندهم من الصلوات، وفضائل الأعمال والآداب الشيء الكثير، إلا أنها معلقة بين السماء والأرض، لا يأذن لها ربنا جل وعلا بالقبول حتى تصطلح. يا عبد الله، مع من تشاحنت، معه وتخاصمت، فالبدار البدار يا عبد الله، المصالحة، مد يدك إلى من تخاصمت معه، إلى أهلك وأرحامك، وإلى أصحابك وأقربائك، حتى يتفضل الله عليك، فيتقبل أعمالك. وأيضاً عباد الله، من هذه المقامات الذي ينبغي أن يعلمها كل من كان من أمره القطيعة والهجران، فيهجر من شاء لأتفأ إلا أسباب، أن هذا الفعل ما هو إلا فعل الشياطين والأبالسة. ما هذا من فعل الصالحين، ما هذا من فعل المستقيمين، ما هذا من فعل أولياء الله الراشدين، بل هذا من فعل الأبالسة الشياطين، الذين ما فتأوا في هذه الدنيا يُحرِّضون العباد على التفريق بينهم، وتمزيق صفوفهم، والإبعاد بعضهم عن بعض. فكأصبح المتخاصم شعر بهذا أو لم يشعر، أصبح آلة يستخدمها الشياطين في زرع الفراق والشقاق والفتنة بين المجتمعات المسلمين. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، هذا الذي يُريده، هذا أمله ومقصده، أنه يُريد أن يزرع العداوة والبغضاء بين المسلمين. وهكذا ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى عن يوسف عليه السلام، إذ أنه أبان عليه السلام بأن ما حصل بينه وبين إخوته من العداء ومن الكُرْه، إنما كان ذلك من وقيعة الشيطان بينهم. فقال عليه السلام: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾، فالشيطان هو الذي نزغ. الشيطان هو الذي يسعى، إياك إياك يا عبد الله أن تكون آلة من آلات الشيطان، يستخدمها في التفريق بين المسلمين. وأيضاً ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى، في قوله: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم». الشيطان دخله اليأس عندما رأى إقبال الناس على توحيد الله سبحانه وتعالى، إلا أنه لم يأس من أمر عظيم، ألا وهو أمر التحريش. «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم»، يحرِّش بين هذا وذاك، يحرِّش بين الرجل وجاره، ويحرِّش بين الرجل وأهله وزوجته، ويحرِّش كذلك في الأسرة الواحدة، فيقطع بين الأبناء والآباء، ويقطع بين الإخوة والأخوات. ولا زال هذا حاله، ويعينه على هذا الصنيع بعضاً من المسلمين، ومن كان خُلُقه القطيعة والمخاصمة. روى الإمام مسلم في صحيحه، من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث بجنوده هنا وهنا، يخرِّبون ويدمِّرون ويفسدون في الأرض». «إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عندهم فتنة»، هذا مقياسه، أنه يستخدم هذا المقياس، مقياس الفتنة. فإذا رأى أحداً من أعوانه أكثرهم فتنة وأعظمهم فسادا، فهذا أقربهم منزلة إلى الشيطان. قال عليه الصلاة والسلام: «فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة»، فيقول لأحدهم عندما تجتمع السرايا: «ما صنعت؟». فيقول أحد الأعوان: «ما زلت بفلان حتى قال كذا وكذا»، أي من الكلمات العظيمة، فيقول الشيطان: «ما صنعت شيئاً»، فيسأل الآخر: «ما صنعت؟». فيقول: «ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين أهله»، فيقول الشيطان حينها: «نعم أنت، نعم أنت»، وفي رواية: «فيضمه ويلتزمه، يفرح أيما فرح»، عندما يحل الفراق والخصام والمهاترات والخصومات بين أفراد المسلمين، في مجتمعاتهم، وفي بيوتهم، وفي منازلهم. إياك إياك يا عبد الله أن تكون مطية للشيطان، يركبك ويسيرك حيث ما شئت، تعادي هذا وتخاصم ذاك، وتهاجر ذاك، وأنت قرة عين لإبليس اللعين، شعرت بهذا أو لم تشعر. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، أما بعد. فلا زلنا وإياكم عباد الله نستعرض هذه المقامات التي ينبغي أن يتفطن لها المسلمون جميعا، وخاصة من ابتلي بداء القطيعة والمخاصمات، فهاجر وتقاطع وتهاتر مع إخوانه المسلمين. سواء أكانت المهاجرة بين أهله وأرحامه، أو بين أقاربه وزملائه، أو بين إخوانه وجيرانه، فإن ذلك من الداء العضال الذي استشرى وعظم واستفحل في مجتمعاتنا، وخاصة في هذه الآونة الأخيرة. وعلمنا أن من هذه المقامات، أن يعلم المسلمون أن الرابطة التي تربطهم هي رابطة إلهية، ألا وهي رابطة الأخوة فينبغي الاعتناء بها، والاعتصام بها، وعدم التهاون في شأنها، لأنها رابطة مقدسة جعلها ربنا سبحانه وتعالى أن تكون بين عباده المسلمين. وأيضا المقام الثاني، أن يستشعر المتخاصمون عظم وفداحة ما صنعوه، من عظم الأوزار والآثام والذنوب التي حصلوها، والتي نالتهم من جراء فعلهم من المخاصمة والقطيعة. وأيضا على المتخاصم أن يعلم أن ما عليه من خلق ومطيَّة، ومن سلوك يعاشر به المسلمون، أن هذه الظاهرة وهذا الخلق إنما هو من أخلاق الشياطين، هي التي أرادت أن يكون هذا بين المسلمين. واعلموا عباد الله، إنما الذي نعنيه بتحريم المهاجرة وتحريم المقاطعة التي تقوم على غير سبب شرعي، أما ما كان لأمر شرعي، كأن تكون هذه الظاهرة موجهة إلى قوم ظهر فسقهم، وظهر خبثهم، وأعلنوا تمرُّدهم على شرع الله، بإعراضٍ واستهزاءٍ وسخريةٍ وتطاول، فهذا لا إشكال في تركه وهجره، إن لم يكن أسلوبٌ من ردعه سوى هذا الأسلوب. أما إن نجح معهم الكلام والنصيحة والأمر بالمعروف، فذاك، وإلا إذا تطرَّ الأمر إلى تركه، تُرِكُه. لكن ما كان ذلك لحظٍ من حُظوظ الدنيا، وما كان ذلك لحظ النفس، إنما هو صيانة لدين الله سبحانه وتعالى. واعلموا أيضاً عباد الله، من المقامات التي ينبغي أن تكون في الحُسْبان، أن يعرف المُتخاصِمُون أين هم من هذه المقامات، مقام العفو والصفح والإحسان. فإني سائلُكم بالله، من من عباد الله تسابق إلى هذه المقامات العظيمة، وهذه الرُّتَب المنيفة، أن تعفُو يا عبد الله عمن ظلمك، وأن تصفح وتتجاوز عمن تطاول عليك، وأن تُحسِن إلى من أساء إليك. إنه القليل والقليل والقليل منا من امتثَلنا، ومن اهتم باللُّجوء لهذه المقامات. إن الناس لو علموا عظم الأجور، وعظم الرُّتَب العالية التي سيُحصِّلونها من وراء هذه الأخلاق العظيمة، من العفو والصفح والإحسان عن الآخرين، والله لن تجِد قطيعة ولا عداوة ولا بغضاء. لأن الكل همَّه أن يلتحق بهذه المقامات العالية، فكان من أمره أن يتجاوز عن الآخرين، ولو ظلموه، ولو أخطأوا عليه. وكم هي الآيات التي يأمرنا ربُّنا بذلك. قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وقال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. أجرك على الله، أين الناس من هذه الآيات؟ أليست لها وقعٌ في قلوبهم؟ أما تشعرون يا عبد الله بالندامة والتحسُّر، أن لم تكونوا من العافين، ولم تكونوا من المُحسنين؟ إن الصُدِّيق رضي الله تعالى عنه كان ينفِق على رجلٍ من قرابته، وكان من أهل المسكنة، واسمُه مصطح. فلما وقعت حادثة الإفك، وتكلم من تكلم في عرض عائشة بنت الصُدِّيق رضي الله تعالى عنهما، وتطاولوا على عرضها، وبعدها أنزل الله آيات من السماوات في تبرِئتها، ومن تطهيرها مما قاله الأفاكون. فكان مصطح رضي الله تعالى عنه ممن تكلم في عائشة، فبلغ ذلك الصُدِّيق رضي الله تعالى عنه، فغضِب، قال: «والله لن أنفِق على مصطح، لن أنفِق على مصطح، وقد قال الذي قاله في عائشة». فأنزل ربنا سبحانه وتعالى تلكم الآيات: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فلما سمع الصديق هذه الآية، وهو المسدد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: «بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي»، فأرجع الصدق إلى مصطح، وقال: «والله لن أنزعها منه أبدا، لن أنزعها منه أبدا». لله در العارفين، لله در الصالحين، لله در الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، رجل تكلم في عرضه، وتطاول على ابنته، ومع ذلك ما كان من أمره إلا أن عفى وأصفح، بل وأنفق عليه. كل ذلك منه رضي الله تعالى عنه مسابقة إلى إدراك مراتب العفو والصفح والإحسان عن الغير. هذا حال الصديق، فكيف أحوالنا نحن عباد الله؟ رب الواحد منا لربما يقع مع غيره أقل بكثير بكثير مما وقع للصديق رضي الله تعالى عنه. لربما يقع بيننا وبين بعضنا من أكفه الأسباب، بل لربما كان الخصام والمهاترات من أجل أطفال، من أجل أطفال. فإذا بالنفوس قد مليت غيظا وكمدا وحقدا وحسدا، فيا سبحان الله، يا سبحان الله. يا عباد الله، الله الله في هذه المقامات، تخلق بها، فهذا مجالها، وهذا مقامها، أن تعفو عمن ظلمك، وأن تحسن عمن أساء إليك، وأن تتجاوز عمن تطاول عليك. إذا نحن عباد الله ما قمنا بهذه الآيات، من ذا الذي يقوم بها؟ اليهود والنصارى؟ هذه الآيات أنزلها ربنا على أمة محمد عليه الصلاة والسلام، لأن يتخلق بها، ويعاشر بها بعضهم بعضا. عباد الله، إخواني في الله، الله الله في هذه المقامات، وعلينا أن نستشعر بها دائما وأبدا. وإلا فإن المقامات أكثر من ذلك بكثير، لكن حسبنا ما ذكر في هذه الخطبة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. الله مدفع عن بلادنا اليمن، وعن سائر بلاد المسلمين، الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن. الله من أراد بلادنا خاصة، وسائر بلاد المسلمين بسوء، فاشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.