الخطبة بعنوان التحذير من ظاهرة الردة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 16 ربيع الآخر 1441هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول الخطيب خطورة الردة في الإسلام وتعدد أشكالها مثل الإشراك بالله وسب الدين. يُوضح أن هذه الأفعال تُعتبر كفرًا مبينًا وتترتب عليها عواقب وخيمة.
يُبين المقطع أن ضعف الإيمان والجهل بدين الله من أسباب الكفر والردة، ويحذر من مخالطة أعداء الدين ومتابعة قنواتهم. يُؤكد على أهمية حفظ الدين والعقيدة.
يُنبه الخطيب إلى أهمية الثبات على الدين وسط الفتن ويحذر من الانحراف والضلال. يُوضح أن المرتدين يحتجون بوجود سلبيات في الإسلام، ويُؤكد أن الإسلام دين الله الكامل.
يتضمن المقطع دعاء بالصلاح والهداية وطلب حفظ الدين في جميع الأحوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أنا من أعظم المظاهر فضاعةً وشناعةً وأشدها خيبةً وخسارةً ظاهرة يوبق بها المسلم دينه ودنياه وأولاه وأخراه، ألا وهي ظاهرة الردة والعياذ بالله، وهو خروج الإنسان من دين الإسلام. وقد أصبحت هذه الظاهرة ظاهرة الردة والدعوة إليها تظهر بين الفينة والأخرى تحت مسميات شتى، مرة باسم حرية الاعتقاد، ومرة باسم التعرف على الثقافات والديانات، ومرة تحت مفهوم توحيد الأديان، إذ أن الأديان كلها ملة واحدة كما يزعم أصحابها، فلا بأس عليك أن تنتقل من دين إلى آخر. وقد ظهر مؤخرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي خبر ومقطع عن شابين يمنيين أعلنا كفرهما وإلحادَهما وتبرؤهما من دين الإسلام، وكم تفاعل الناس مع هذه القضية بإظهار مقتهم وصفحهم وغضبهم ومدى الأسى والحزن والأسف الذي كان من أمر الناس. إذا هذه الظاهرة الرزية المزرية عباد الله، وإنني في هذا المقام لأقف أربع وقفات مع ظاهرة الردة بشكل عام ومع هذه الظاهرة بشكل خاص. أولى هذه الوقفات علينا أن نعلم جميعًا عباد الله خطورة وفداحة جريمة الردة، فإن إعلان الردة والكفر من أعظم الجرائم في الإسلام، بل لا جرم بعد جرم الردة ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. لكن ينبغي أن نجعل في الحسبان أن الردة ليست هي الصورة الوحيدة للخروج عن الدين، بل إن للردة صورًا عديدة ومختلفة ومتنوعة جهلها كثير من الناس، حتى إن بعضهم لربما ابتلي بشيء منها وهو لا يشعر بها. فمن صور الردة الإشراك بالله في ملكه وعبادته، وذلك بصرف الطاعات والعبادات لغير الله، كمن صرفها لصنم أو وثن أو لشجر أو حجر، أو صرفها لنبي أو ولي، كحال النصارى ممن عبدوا عيسى، فصرفوا له الطاعات والعبادات. وكأهل الجاهلية ممن تقربوا إلى الصالحين كاللات والعزى، وهكذا مثل ما تورط به بعض جهلة المسلمين إذ أخذوا يتقربون إلى الأولياء والصالحين، كما هو مشاهد في الزيارات الشركية، حيث يقوم بعض منهم بالتقرّب بالذبائح والقرابين إلى الموتى والأضرحة، وكل ذلك من الكفر المبين. قال الله ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. ومن صور الردة مزاولة السحر وتعاطيه وتعلمه وتعليمه وتصديق أهله، قال عليه الصلاة والسلام «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». ومن صور الردة والكفر سب الدين والرب، وذلك بالتطاول على الذات الإلهية بالانتقاص والثلب، وللأسف كم ظهرت هذه الظاهرة حتى شبع عليها الصغير ودرج عليها الكبير، سب الدين والرب، وهي من الكفر المبين برب العالمين بإجماع علماء المسلمين. ومن صور الكفر والردة موالاة أعداء الدين ممن حاد الله ورسوله والمؤمنين، فمن لم يكفرهم أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فقد كفر. ومن صور الردة والكفر أيضًا ترك الصلاة، كما قال بذلك جماعات من العلماء مستدلين بقول الله جل في علاه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، وبقوله عليه الصلاة والسلام «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وإن القائمة لتطول في ذكر نواقض الإسلام وما يبطل به الإيمان من أقوال وأفعال وأعمال، كان ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتفقهها في دين الله، وخاصة في هذا الباب، حتى يعلم صور الكفر والردة فيبتعد عنها، وينقي بنفسه أن يقع فيها. الوقفة الثانية مما ينبغي أن نعتبر به من هذه القضية، التعرف على أسباب الكفر والردة، فإن كفر من كفر ما أتى من فراغ، وإنما كان ذلك بمقدمات وبأسباب تعاطاها هؤلاء، فتلبسوا بها، فكانت سببًا في كفرهم وردتهم ومروقهم عن دين ربهم. ومن أعظم أسباب الكفر والردة أن يكون بسبب ضعف الإيمان، إذ ملئت القلوب بالشهوات، أو يكون بسبب الجهل بدين الله، حيث شحنت الصدور بالشبهات، وهو الأكثر. والشبهات التي يبثها أعداء الدين من كفار وملحدين ومن يهود ونصارى، ولا دينيين، ببث شبهات مغرضة ودعايات مضللة، تهدف إلى الطعن في الدين وإلى التشكيك في عقائد المسلمين. فما كان من حال بعض ضعاف الإيمان والعلم ممن هم من جلدتنا، إلا أن أرعوا أسماعهم لها، فكانت عاقبة أمرهم خسرًا، إذ نجت هذه الشبهات إلى عقولهم، إلى صدورهم، إلى أفئدتهم، فما استطاعوا الخروج منها، فاستسلموا لها، فكانوا من أهلها. ولا حول ولا قوة إلا بالله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. ومن هنا جاءت الأدلة الكثيرة القاضية بتحريم مجالسة أعداء الدين، متى ما كان الكلام والحوار طعنًا في الدين، وذلك سلامة لاعتقادنا، فلا نجالسهم، ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. إياك أن تخالط أعداء الدين فتعطيهم قلبك وعقلك، ومن هذا الباب عدم متابعة القنوات التي بها يبثون كفرهم وشركهم، كالقنوات التي تبث التنصير، وأخرى تدعو إلى التشيع، وأخرى تبث الإباحية والإلحاد، فإن هذه القنوات لتحريمها في عدم متابعتها آكد وأشد من تحريم قنوات الخنا والغناء. فاحرص يا عبد الله على حفظ دينك وعقيدتك، احفظه من أن يعتريه شيء من التلف والعطب مما يبث أعداء الدين في قنواتهم وفي أقلامهم، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. في هذا المقام عباد الله، نستعرض وإياكم أهم الوقفات التي ينبغي علينا أن نقف إزاء ظاهرة الرد وما كان من ظهورها بين الفينة والأخرى. فكانت الوقفة الأولى أن يتعرف على صور الرد، وأما الوقفة الثانية في التعرف على شيء من أسباب الرد. وأما الوقفة الثالثة، وهو ينبغي أن يعلم كل مسلم ومسلمة أن الهداية بيد الله جل في علاه، وأن الإنسان مهما بلغ صلاحه وتقواه فإنه لا يأمن على نفسه من الضلال والهلاك. لذا كان الإلزام على كل واحد منا دومًا أن يسأل ربه جل وعلا أن يثبته على الدين، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، أزمان الفتن والمعن، وأزمان الشهوات والشبهات، والتي يصدق فيها قول رسول الله عليه الصلاة والسلام «يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». فلا تغتر يا عبد الله بنفسك، ولا تتكل على شخصك، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وهذا نبيك صلوات ربي وسلامه عليه كان كثيرًا ما يدعو «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، وكان الصالحون يلجأون إلى الله ويتضرعون إليه بهذا الدعاء «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا». الخوف، الخوف من الضلال والانحراف، ما هنالك أحد له ضمان عند الله، فاحذر على نفسك يا عبد الله من أن تقع في شيء من صور الهلاك والضلال. الوقفة الرابعة والأخيرة عباد الله، إن بعضًا ممن أعلن إلحاده لم يكتف بإضلال نفسه، وإنما أخذ يدعو غيره بأن يكتفي أثاره بأن يعلن كفره وردته، محتجين بأن الإسلام فيه سلبيات وفيه نقص وقصور، من سفك للدماء، ومن تحريض على القتل والقتال، وعلى سبي النساء. فيا سبحان الله، فأي إسلام يعنون هذا؟ إن كان بفعل من ينتمي إليه من بعض الفرق الضالة والجماعات المنحرفة الذين سعوا في الأرض فسادًا، فهم لا يمثلون الإسلام، بل إن الإسلام منهم براء. وما ذنب الإسلام أن يتحمل جريمة قوم سفها، حدثاء الأسنان، أهلكوا الحرث والنسل، هم اللهم شؤم على الإسلام وأهله. وأما إن كان المرتدون يعنون بالإسلام الذي فيه سلبيات هو هذا الإسلام الذي جاء به القرآن، والذي بعث به عليه الصلاة والسلام، فهي الفاجعة الكبرى والداهية العظمى أن يرمى به ديننا، وأن يشير إلى إسلامنا بأن فيه نقص وعيب، أو فيه شر وضير. دين الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لجميع عباده، هو شريعته الذي ألزم بها جميع خلقه، بضرورة أن ينطو تحت حكمه، بل إن الإسلام هو النور، هو النور للبشرية، فلا يمكن أن تعيش إلا من خلاله. ومن يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين، فوالله لو علم الناس حقيقة الإسلام وما جاء به من أحكام، لتدافعوا إليه وتسابقوا إليه. لكن شوهت أحكامه وطمست معالمه، فنفر من نفر عن الدين، ومع هذا فلا زالت قلوب العباد من شرق الدنيا وغربها يدخلون في دين الله أفرادًا ووحدانًا وأفواجًا، مؤمنين به معتنقين إياه، لعلمهم أنه الدين الأوحد الذي به صلاح الراعي والرعية في الدنيا والآخرة. كيف لا وهو دين الله، هو الذي حماه وجعله القبول في هذه الدار، ثم بعد هذا ماذا يريد منا المرتدون؟ إن تركنا دين الإسلام أن نذهب إلى الإلحاد، نكون ملاحدة، لا رب لنا، لا خالق لنا، لا نؤمن بجنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور، نكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. نعيش بلا شريعة، لا حلال ولا حرام، حالنا كحال الدواب والبهائم، أف لهذه الحياة، فوالله للعيش في باطن الأرض خير وأحب أن نعيش على ظاهرها. الذين كفروا يأكلون يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم، والنار مثوى لهم. فاحمد الله يا عبد الله أن جعلك الله من أهل الإسلام، فاسأل ربك جل وعلا صباح مساء ليل نهار أن يحييك على الإسلام وأن يميتك عليه وأن يبعثك عليه. فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام «يا ولي الإسلام وأهله، مسكني بالإسلام حتى أنقاك». عباد الله، ما من الله على عباده بنعمة عظمى كنعمة دين الإسلام، قال سبحانه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. أسأل المولى جل وعلا أن يرحمنا وأن يغفر لنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.