الخطبة بعنوان أهمية العبادة في الأيام الفاضلة - الجزء الثاني، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٩ ذو الحجة ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يوم عرفة يوم عظيم ومقدس يتميز بغفران الذنوب وتكفير السيئات، وصومه يكفر ذنوب سنتين. اختاره الله لختم أكمل الأديان وبلوغ الشريعة إلى حد الإتمام والكمال.
يشرع في يوم العيد الإكثار من التكبير، ويوم عرفة هو يوم الدعاء والتضرع إلى الله، وأيام التشريق هي أيام معدودات يُذكر فيها الله تعالى. يوم النحر هو يوم الحج الأكبر وأفضل من عيد الفطر.
يُستحب الدعاء لله تعالى لإصلاح أحوال المسلمين والبلاد، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وصحبه. يُنهي بالحث على إقامة الصلاة ومراعاة أوامر الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يُصلِح لكم أعمالكم ويغفِر لكم ذنوبكم ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، لا زالت النفحاتُ الإلهية والرحماتُ الربانية تتنزَّل على هذه الأمَّ المحمدية، فما إن ينتهي موسمٌ من مواسم الخيرات والبركات إلا وأُتبِع بموسمٍ آخر، منةٌ من الله، منحةٌ من الله جل في علاه، إن الله لذو فضلٍ على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. فما إن كادت أن تنتهي الأيام العشر الأول منذ الحجَّة، والتي قد بلغت من قُدسيتها وقداستها أن التعبُّد فيها أفضل من رفع الأسنَّة في سبيل الله، فشمَّر منا من شمَّر عن ساعد الجد وأقبل على التعبُّد لربه، فذاك بصالاته وتهجُده، وذاك بقراءته وتلاوته، وآخر بذكره لربه من تسبيحه وتكبيره. ثم أصبحنا على هذا اليوم، يوم عرفة، والذي هو يومٌ ليس كسائر الأيام، بل هو يومٌ عظيم، يومٌ شريف، يومٌ ميَّزه الله جل وعلا بالتقديس والتشريف، وكيف لا، فإن الله جل في علا اختارَ هذا اليوم لأن يكون فيه ختمُ أكمل الأديان وبلوغ الشريعة إلى حدِّ الإتمام والكمال. روى الإمام البخاري في صحيحه أن يهوديًا قال لعمر رضي الله تعالى عنه: «يا أمير المؤمنين، آية لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذناها عيدًا: اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينا»، قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إِنِّي لأعلم أيَّ يومٍ نزلَتْ، نَزَلَتْ في يومِ عَرَفَةَ، من يومِ جُمْعَةَ، نَزَلَتْ في يومِ عَرَفَةَ، من يومِ جُمْعَةَ». فلهذه المزيَّة الذي وجدَتْ في مثل هذا اليوم جعل الشرع يوم عَرَفَةَ يومُ عِيدٍ يُحْتَفَى بِهِ. روى أهل السنن من حديث عُقب بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يومُ عَرَفَةَ، ويومُ النَّحْر، وأيامُ التشريق عيدُنا أهل الإسلام». وأيضًا عباد الله، من مزايا هذا اليوم أن الله جل وعلا يغفر فيه من الذنوب ويتجاوز فيه عن الخطايا والعُيوب. فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من يومٍ أكثر من أن يُعْتِقَ الله جل وعلا فيه عبدًا من النار من يوم عَرَفَةَ، ما من يومٍ أكثر من أن يُعْتِقَ الله جل وعلا فيه عبدًا من النار من يوم عَرَفَةَ». قال العُلَمَاء: وفي هذا الحديث دلالةٌ على أنهم قد غُفِرَ لهم، لأن الله جل وعلا لا يُباهِي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغُفران. عباد الله، إذا كان يومٌ هذا مقداره وهذا ثقله وحاله، فكان ينبغي أن يُستقبل باستقبالٍ يليقُ به وبجنابه وبفضائله، وذلك بأن تسابق إلى عبادات وإلى طاعات حثَّ عليها الشرع الكريم فيها. فمن ذلكم الحرص على صومه، فقد ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: «صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده». فأيُّ فضلٍ يا عبد الله بعد هذا الفضل؟ يوم واحد، يوم عرفة، صومه يتكفَّل به الرب جل وعلا ويُكفِّر عن ذنوب سنتين، فيُغسِّل عن ذنوبك ويستر عن عيوبك ما خلَ الكبائر، فإنها تحتاج إلى توبة. وأيضًا مما يُشرَع في مثل هذا اليوم وحثَّ عليه الشَّرع الإكثارُ من التكبير، الإكثارُ من التكبير صباحًا ومساءًا، ليلاً ونهارًا. في مثل هذا اليوم اجتمعت أنواع التكبير المُطلق والمُقَيَّد، فأصبَحَ التكبيرُ في كلِّ الأوقات، في الفلوات والجلوات والخلوات، وفي المساجد والمدارس وأدبار الصلوات، ابتداءً من فجر اليوم وانتهاءً إلى آخر عصر أيام التشريق. وهذا الذي كان عليه سلفُنا الصالح من أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، مع التنبيه يا عبد الله أن يكون هذا التكبير الفاضه مأخوذ من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم قدوتنا وهم أسوتنا. وهكذا عباد الله، مما ينبغي أن يُستغلَّ به مثل هذا اليوم الإكثار من الدُعاء والتضرُّع إلى الله سبحانه وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام: «خير الدُعاء دُعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». قال الإمام بن عبد البر رحمه الله تعالى: وهذا الحديث يدلُّ على أن الدُعاء يوم عرفة مُجابٌ في الأغلب. ثم أعلموا عباد الله، ما إن ينتهي هذا اليوم وينقضي حتى يدخل علينا يومٌ آخر لا يقلُّ رتبة ولا ينزلُ شرفاً عما مضى، بل إن أمره أجلُّ وأسمى وأمره وشأنه أعظم وأعلى، ألا وهو يوم النحر، يوم الحج الأكبر. هذا اليوم التي تضافرت فيه الأدلة وتتابعت في فضيلته أحاديثُ السنة. قال عليه الصلاة والسلام: «أعظمُ الأيام عند الله يوم النحر»، فلا هناك يومٌ يُدانيه ولا يُوازيه. ومن هنا فإن عيد الأضحى وهو يوم النحر أفضلُ من عيد الفطر. قال شيخُ الإسلام رحمه الله تعالى: ويوم النحر، أي عيد الأضحى، ويوم النحر أفضلُ من يوم الفطر، وعلَّل رحمه الله تعالى أن في يوم النحر تجتمع الصلاة مع النحر، وفي عيد الفطر تجتمع الصلاة مع الصدقة. قال: والنحر أعظم عند الله من الصدقة. ولكن إن تعجب فعجبٌ لحال الناس كيف هم في تعاملهم واستقبالهم لمثل هذا اليوم، فتراهم أقلُّ نشاطا وأضعفُ حالا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. واعلموا عباد الله أنه في هذا اليوم الجليل، ألا في يوم النحر يُشرع ذبحُ الأضاحي، والتي تُعتبر من أعظم شعائر أهل الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾. وليست هذه الذبيحة وهذه الأضحية خاصة أو من خصائص هذه الأمة، بل هي كذلك لسائر الأمم والأديان، ولكلٍّ جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. وقد حرص نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال سنته القولية والفعلية والتقريرية على آداء هذه النسيكة، فما كان يُفرِّط فيها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدعُ الأضحية. ولهذا ذهب العلماء إلى أن الأضحية سنةٌ مُؤكَّدة ينبغي الحرص عليها، وخاصة لمن استطاع لها سبيلا. بل إن من العلماء من ذهب إلى وجوبها لصراحة الأدلة في ذلك. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلازلنا عباد الله نستعرض وإياكم هذه المواسم التي تتابعت علينا، والتي خصَّن الله جل وعلا بها من دون سائر الناس، فكان من ذلك الأيام العشر الأول منذ الحجة، ثم ألحقت بما نحن فيه من يوم عرفة، ثم تلحق بعد ذلك بيوم النحر. واعلموا عباد الله أن فضل الباري جل في علاه لم يقتصر على هذه الأيام فحسب، بل ما إن تنتهي هذه الأيام إلا وأتبعت بأيامٍ فاضلة بأيامٍ عظيمة، ألا وهي أيام التشريق، وهي الأيام الثلاث التي تلي يوم النحر، فهي أيامٌ زادها الله جل وعلا تعظيماً، وزادها الله سبحانه وتعالى شرفاً. قال ربنا جل في علاه: ﴿واذكروا الله في أيامٍ معدودات﴾. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: لا خلاف في أنها أيام التشريق. فهي أيامٌ معظمة عظمها ربنا جل وعلا أن جعل فيها أعمال الحج، أيامٌ شريفة خصَّها الله جل وعلا بأن يوقع فيها الذبح والنحر. وهكذا جبجَّلها ربنا جل وعلا، ومن تبجيل الرب لها أن جعل فيها يوما من أعظم أيام الشريعة، يومٌ له ثقله ووزنه، ألا وهو يوم القر. قال عليه الصلاة والسلام: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر». والقر هو اليوم الحادي عشر، أي بعد يوم النحر. نعم عباد الله، هذه الأيام الفاضلة، ولفضيلتها فإن الله جل وعلا اتخذها عيدا لأهل الإسلام، يُشرع لهم فيها أن يُظهروا الفرح والسرور والبهجة والحبور. فعن عقب بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام». عباد الله، بعد هذا المرور السريع في ذكر هذه المواسم الفاضلة، وبذكر هذه الأيام المباركة التي حبان الله جل وعلا بها، ينبغي أن ننبِّها على أمور. أولاها أن نشكر الله جل وعلا حق شكره، وأن تلهج ألسنتنا بذكره وحمده على ما أولى به علينا من تتابع هذه النعم، نعمة بعد نعمة بعد نعمة. فلك الحمد ربي حتى ترضى، ولك الحمد حين الرضى، ولك الحمد بعد الرضى. ﴿قل بفضل الله فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾. وأيضا عباد الله، مما ينبغي أن نتعرَّف عليه من خلال هذه المواسم المباركة فضل هذه الأمة المحمدية عن سائر الأمم والأديان والمحل والملل، فلا أحد، فلا أمة توازي ولا تساوي ولا تداني هذه الأمة المحمدية بما آتاها الله جل وعلا من تشريف وتعظيم، وبما خصها من مناقب وفضائل. ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾. فإذا كان الأمر كذلك، فعلام عباد الله الدني في ديننا والتبعي لغيرنا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضا مما ينبَّه عليه عباد الله، وأننا في هذه الأيام المباركة ينبغي أن نتعامل معها بمعاملة تليق بجلالتها وبعظمتها وبشرفها وبهيبتها، فهي أيام مشرفة، أيام مقدسة. إياكم إياكم أن تدنسوها بمعاصيكم. لا شك ولا ريب أن أيام الأعياد أيام فيها الترويح عن النفس والتوسيع على الغير والتوسع في الملهيات من المباحات، لكن مع ذلك تُعتبر هذه الأيام أيام عبادة وأيام قربة وطاعة. فقد قال عليه الصلاة والسلام في يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفي أيام التشريق: «هي أيام أكل وشرب وذكر لله». فعلينا عباد الله أن نغتنم هذه الأيام كما نغتنمها بالملهيات المباحات، فلا تُطغى ذلك على عباداتنا. بل إن من العلماء من ذكر أن الأيام العشر منذ الحجة وما ذكر من فضلها، وأن التعبُّد فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، قال من قال من أهل العلم: وأن هذا الحكم ينسحب ويجري حتى في أيام التشريق سواء بسواء. وهذا ظاهر صنيع الإمام البخاري رحمه الله تعالى. فيا عبد الله، حافظ على استقامتك، حافظ على خيريتك، حافظ على جدك واجتهادك وحرصك على الطاعات والواجبات قبل العيد وفي أيام العيد وبعد أيام العيد. وإن من سوء الظن أن تظن يا عبد الله أن سعة أيام الأعياد أن تُجرِّئك على أن تطاول على شريعة رب العباد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهكذا عباد الله، مما ينبغي أن نُنبِّيه عليه ونحن في هذه الأيام وفي هذه الأفراح وفي هذه الأزمان الملاح، أن لا نتناسى أو نتجاهل أن لنا إخوةً في الدين، حالت بينهم الفتن وبين أن يستشعروا بما نستشعر نحن فيه من عظيم الفرحة ومن بلوغ البهشة. فإن هؤلاء من إخواننا هنا وهنالك لهم حق علينا، وذلك بأن نستشعر بمصابهم، وأن نألم لآلامهم، وأن ندعو الله سبحانه وتعالى لهم بأن الله جل وعلا يدفى عنا وعنهم كل سوءٍ ومكروه، وأنه سبحانه وتعالى يقينا وإياهم الفتن ما ظهر منها وما بطن. ونسأله جل في علاه أن الرب جل في علاه يُصلِح أحوالنا وأحوالهم وأحوال البلاد والعباد، فإنه جل في علاه على كل شيءٍ قدير، وهو بالإجابة جدير. وصلى الله على نبينا محمد الهادي الأمين، وعلى صحبه وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.