شرح الموقظة في مصطلح الحديث 1

الدرس في شرح الموقظة في مصطلح الحديث 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية علم مصطلح الحديث

يُبرز أهمية علم مصطلح الحديث في فهم السنة النبوية بشكل صحيح والتمييز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة. يُعد هذا العلم ضروريًا لفهم القرآن الكريم باعتبار السنة النبوية بيانًا وتوضيحًا له.

تعريف الحديث الصحيح وشرح شروطه

يتناول تعريف الحديث الصحيح وفقًا للإمام الذهبي، موضحًا شروطه وأهمية العدالة والإتقان في رواية الحديث. كما يشرح مسألة الاحتجاج بالمرسل واختلاف العلماء حولها.

أصح الأسانيد وتقييد الصحة

يناقش موضوع أصح الأسانيد في الحديث النبوي ويبين أن الحكم على إسناد بأنه أصح الأسانيد مطلقًا غير ممكن. يتطرق إلى تقييد الصحة بالصحابي والبلد ويذكر أمثلة على أسانيد أهل الكوفة والمدينة ومكة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فلا شك ولا ريب أن هذا العلم من أفضل العلوم العالية؛ لأنه موصل إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وموضوعه كما هو معروف معرفة مقبول الحديث ومردوده، فلهذا كان له أهمية في معرفة السنة الصحيحة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولا شك أن السنة الصحيحة هي أصل العلوم، وقولنا مثلًا أصل العلوم ليس أنها كما يظن بعض الناس مثلًا أنها أفضل من القرآن، لا، لكن هي بيان للقرآن، هي بيان للقرآن كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فبيان القرآن هي السنة، فمعرفة السنة هي معرفة القرآن، ومن فهم السنة فهم القرآن، ومن لم يفهم السنة لم يفهم القرآن. ولهذا قال مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله لما قالوا لمطرف بن عبد الله: لماذا لا تحدثون بالقرآن أنتم كل يوم حديثًا؟ قال: «وهل نريد بالقرآن بدلًا؟ هل نحن نريد بأن نبدل غير القرآن؟ لا، لكن نريد من يفهم القرآن»، ومن الذي يفهم القرآن هو النبي عليه الصلاة والسلام، الذي يعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو يعرف القرآن ويفهم القرآن. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم: «كانت خلقه القرآن»، إذا أردتم أن تعرف خلق النبي عندكم القرآن، الأخلاق التي في القرآن هي أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضًا الأحكام، وكذلك المسائل وغيرها مما في القرآن، فهو النبي عليه الصلاة والسلام كان هكذا. جاء حديث: «كان النبي صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض»، لكنه لا يصح، كان النبي صلى الله عليه وسلم مبينًا للقرآن بفعله وقوله عليه الصلاة والسلام، فلهذا كان لهذا السنة أهمية عظيمة بين العلوم، وهذا المصطلح هو وصول إلى السنة عن معرفة السنة الصحيحة من غيرها. فلهذا اهتم العلماء بهذا العلم، وقعدوا له قواعد، وأول من ألف في هذه القواعد وذكر أشياء في علم الحديث هو الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه «الرسالة»، جعل هناك في أصول فقه، وكذلك في علوم الحديث، هناك أشياء دونها الإمام الشافعي رحمه الله كالمرسل والأخذ من الثقة، وكيف معرفة الضعيف، والحديث الموقوف، والحديث المرفوع، وغيرها من الأشياء التي ذكرها رحمه الله. وإن كان ليست كلها، لكن ذكر أمورًا مهمة في علم المصطلح، ثم بعد ذلك أيضًا أن الناس ألفوا في هذا، وإن كان أيضًا هناك من العلماء من كان في زمن الإمام الشافعي من قد ألف في هذا العلم، لكن في أجزاء معينة، مثل ما كتب من العلل عن يحيى بن سعيد القطان، وما كتب من العلل عن عبد الرحمن بن مهدي، وهؤلاء في زمن الشافعي. وإن كان أكبر منه، لكنهم يعتبرون في زمنه، وكذلك ما كتب من العلل أو ما كتبه الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله المديني رحمه الله، وكذلك ما كتب عن الإمام أحمد، وعن يحيى بن معين، وعن جماعات من السلف الذين كانوا في زمن الشافعي رحمه الله، فلهذا فهؤلاء أول من كتب، لكن كما قلنا غالب كتاباتهم في علوم معينة، معنى في العلل أو في الجرح والتعديل. لكن الشافعي رحمه الله ذكر قوانين في علم الحديث، معنى قواعد في علم الحديث، أخذ بها العلماء من بعده، ثم إن أول من جمع كتابًا معنى حوى فيه علم مصطلح الحديث فقط هو الإمام الرام هرمزي أبو عثمان الرام هرمزي الذي ألف في «الحد الفاصل»، فهذا «الحد الفاصل» هو أول ما ألف في علم المصطلح. وقال العلماء: إنه كما قال الحافظ ابن كثير؛ لأنه أول من ألف، وكذلك الحافظ ابن حجر؛ لأنه هو أول من ألف، فلا شك أنه سيعزى إليه النقص، وأيضًا التقصير في هذا العلم؛ لأنه أول من بدأ، لكن بعد ذلك جاء من بعده الإمام الحاكم أبو عبد الله وألف «معرفة علوم الحديث»، وجاء أيضًا القاضي عياض وألف «اللمع». وجاء أيضًا أبو نعيم وألف «مستدرك على معرفة علوم الحديث» للحاكم، وجاء أيضًا أناس كثير من العلماء وألفوا، حتى جاء الخطيب البغدادي رحمه الله وألف في أنواع كثيرة من علوم الحديث، وألف في قوانين الرواية كتابه «الكفاية»، «الكفاية» جعله في قوانين الرواية، وألف في أداب الرواية ألف «الجامع في أداب السامع والراوي»، «الجامع في أداب الراوي والسامع». ثم كما قال الإمام ابن النقطة: ثم كان الناس بعد ذلك عيال على كتب الخطيب، أن صار الناس بعد ذلك يأخذون من كتب الخطيب وينهلون، وأعظم من أخذ منها الإمام أبو عبد الرحمن أو ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري الذي يعرف بابن الصلاح، فهو أخذ ونهل من كتب الخطيب البغدادي أشياء كثيرة، وجعلها في علوم الحديث، ألف كتاب «علوم الحديث»، وأخذ كذلك من كتب غيره، وجعله كتابًا جامعًا لعلوم الحديث. وهذا سموه العلماء «المقدمة»، «مقدمة ابن الصلاح»، فصار كالمقدمة لهذا العلم، فاهتم الناس بعد ذلك بمقدمة ابن الصلاح من شارح ومن مختصر ومن مهذب ومن مقيد وموضح، وغيرها من الكتب التي ألفت في هذا الكتاب أو على هذا الكتاب، ثم إنه قد جاء بعد ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله وهذب هذا العلم، واجتهد فيه اجتهادًا عظيمًا، وألف فيه بعد ذلك «النخبة»، ألفها على ترتيب غير ترتيب ابن الصلاح. أكثر الأشياء الموجودة فيها موجودة في كتاب ابن الصلاح، لكن ألفها على طريقة سهلة، أسهل من طريقة ابن الصلاح؛ لأن ابن الصلاح لم يرتب كتابه، وقال بعض طلبته: «إنما كان رحمه الله إذا أملأ نوعًا من أنواع الحديث أو انتهى من نوع من أنواع الحديث أملاه لطلبته»، ولهذا تجد بعض الأنواع في مقدمة الكتاب، وبعض الأنواع في مؤخرتها. مثلًا تجد الغريب في مقدمة الكتاب، وتجد المشهور والعزيز في آخر الكتاب، مع أن المشهور والغريب والعزيز معناه مباحثهما واحدة غالبًا، وهكذا تجد أنه مفرق، ولهذا الحافظ ابن حجر عمل هذه الطريقة، وقال: إنها طريقة مقترحة، وهي طريقة سهلة لمعرفة علوم الحديث، وكذلك ترتيب الأنواع بعضها من بعض. وقد ألف قبل الحافظ ابن حجر الإمام الذهبي، وكذلك الإمام ابن أبي الفتح القشيري ابن دقيق العيد، ألف أيضًا «الاقتراح»، وهو كتاب طيب في هذا الباب، لكنه غير مرتب، وكذلك الحافظ ابن حجر أخذ أو الحافظ الذهبي أخذ من ما كتبه ابن الصلاح في ترتيبه في المقدمة، أو في ما كتبه في المقدمة، لكنه ترك بعض العبارات وساقها سياقًا آخر. والمهم أنه ألف هذه «الموقظة»، وهي من الكتب الجيدة، ذكر أشياء يذكرها العلماء المتقدمون في العلل وغيرها، حتى يوضح بعض الأشياء، فإن شاء الله تعالى لا نكثر في المقدمات؛ لأن الوقت قصير، والكتاب ليس بعسير به. فقال رحمه الله: «الحديث الصحيح» قال: «ما دار على عدل متقن واتصل سنده»، فإن كان مرسلًا ففي الاحتجاج به اختلاف، طيب هذا التعريف الذي ذكره الإمام الذهبي رحمه الله: «ما دار على عدل متقن واتصل سنده»، وإنما قال: «ما دار على عدل متقن»؛ معنى أدخل فيه الغريب والعزيز والمشهور وغيره. المهم أن يكون راويه متقنًا، راويه متقنًا، واتصل سنده، وهذا اختصار لما ذكره ابن الصلاح، فابن الصلاح رحمه الله كما تعلمون قال: «الحديث المتصل الذي يتصل إسناده»، معنى قال: «الحديث صحيح هو الحديث المتصل الذي يتصل إسناده بنقل العدل للضابط عن مثله إلى منتهاه»، وهنا قال: «ما دار على عدل متقن»، «ما دار على عدل متقن». لكن هذا الذي ذكره الإمام الذهبي رحمه الله قوله «متقن» هذا يدل على أنه تام الضبط؛ لأن ما يقال «متقن» إلا إذا كان تام الضبط، وهذا لا يدخل فيه الحسن؛ لأنه سيذكر بعد ذلك الحسن، فهنا أراد الصحيح، أراد الحديث الصحيح الذي لا يدخل فيه الحسن، فقال: «عدل متقن»، وهذا قد تكون أفضل من عبارة ابن الصلاح؛ لأن عبارة ابن الصلاح أوسع «بنقل العدل للضابط». لأن الضابط ممكن أن يكون ضابطًا متقنًا، وممكن أن يكون خفيف الضبط، لكن هنا أراد تعريف الحديث الصحيح لذاته؛ لأن الحديث الصحيح ينقسم إلى قسمين: حديث صحيح لذاته، وحديث صحيح لغيره، فهنا أراد الحديث الصحيح لذاته، قال: «ما دار على عدل متقن»، فعدل هنا من العدالة، والإتقان هنا من الحفظ، أن يكون عدلًا ضابطًا. والعدالة كما عرفها العلماء كما عرفها الحافظ ابن حجر: «هي ملكة تحمل صاحبها إلى ملازمة التقوى والمروءة»، وهذا تعريف صحيح، خلافًا لمن أنكر هذا التعريف، معنى هذه التقوى هي شيء يجعله الله عز وجل في قلب العبد، وهو الإيمان، هذه التقوى التي في قلب العبد أو هذه الملكة التي جعلها الله عز وجل في قلب العبد هي التي تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. فالعدالة قال: «هي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة»، وعلى أنه يخاف من الله، هذا الخوف الذي وقع في قلبه وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو الذي يجعله على ملازمة التقوى، فالعدالة هذه العدالة التي يعرف عند الناس أنه ليس بفاسق، هذا في العدالة العامة، لكن العدالة الخاصة التي في الحديث أن يكون رجلًا مستقيمًا معروفًا أنه مستقيم. ما عرف عليه كبيرة ولا صغيرة مصر عليها، ولهذا قال العلماء: إن هناك فرق بين عدل الذي في الرواية والعدل الذي في الشهادة، ومنهم من قال: واحد، ولهذا أكثر العلماء من الأصوليين والمحدثين يذكرون في قسم العدالة أهل الحديث يذكرون مثل ما يذكر أهل الأصول، وأهل الأصول يذكرون مثل ما يذكر أهل الحديث. لكن أحيانًا تجد أنهم يفرقون بينهما، معنى بعضهم يفرق ويقول: العدل في الرواية ليس مثل العدل في الشهادة، وهذا أصلا على مذهب الحنفية؛ لأن كثيرًا الآن من المعاصرين يقول: العفل في هذا الزمن أن يمشى على مذهب الحنفية في الشهادة؛ لأن الناس قد كثر فيهم الفسق، معنى تجد التقوى التي يطلبها العلماء قديمًا قلت في الناس. فهذا يراعى مثل هذه الأمور، فلهذا أخذ كثير من هذا العلم من المعاصرين بقول الحنفية: أنه لا يعرف عنه فسق ظاهر من الكبائر وغيرها، أما كان صغيرًا حتى ولو أصر عليها، فمعناه كأنهم يعفون عنها، ولكن نحن الآن ليس بهذا الصدد، إنما نحن بصدد الرواية، فلابد من العدالة، وهي أن الإنسان أو هذا الراوي لا يعرف بفسق، سواء كان من كبيرة أو من صغيرة مصر عليها. قال رحمه الله: «واتصل سنده»، عن اتصال السند، لابد الاتصال، هو أن يروي كل راوٍ عن من فوقه، والسند والسند هو سلسلة الرجال التي تحكي المتن أو توصل إلى المتن أو الحكاية عن المتن، فالسند الذي يعتمد عليه في الحديث؛ لأن سند الشيء هو الذي يستند عليه، فسند الحديث هو الرجال، معنى يعتمد الحديث على الرجال. فقال: «واتصل سنده»، وهذا شرط، ولهذا جمع العلماء شروط القبول كما سيأتي، قال: «فإن كان مرسلًا ففي الاحتجاج به اختلاف»، معنى أنه ليس متصل الإسناد؛ لأن المرسل ليس متصلًا عند عامة أهل العلم، ليس متصلًا عند عامة أهل العلم، وهناك من العلماء من يقول وخاصة الحنفية يقولون: إنه في حكم المتصل، لكن الحق أنه ليس بمتصل. لكن هناك مسألة أخرى وهي: هل يحتج به أو لا يحتج به؟ فذهبت الحنفية ورواية عن أحمد ومالك: أنه يحتج به، وذهب الشافعي رحمه الله، وكذلك أحمد المشهور عنه، وكذلك عامة أهل الحديث: أنه لا يحتج بالمرسل، كما قال إمام مسلم رحمه الله، والمرسل في قولنا وفي قول عامة أهل الحديث: أنه لا يحتج به، هكذا قال إمام مسلم في مقدمة صحيحه. فدل على أن المرسل عند أهل الحديث لا يحتج به، لكن عند الفقهاء اختلفوا فيه، فمنهم من قبله، ومنهم من لم يقبله؛ لأن المرسل فيه سقوط، والواجب هو الاحتياط للدين؛ لأن هذه أحكام، أحكام فيها الحلال والحرام، فإذا أخذنا بقول كل أحد ولو لم نعرف منه الواسطة، فهذا لا أخذنا بقول غير الثبت. فما دام أنها ترد رواية المجهول الذي قد علم أنه ابن فلان أو علم في أي طبقة، لكن لم يهتقه أحد يرد حديثه، فكيف بمن لا يعرف أصلا من الذي سقط؟ لو قال قائل: أن الذي يسقط هو الصحابي، قلنا: لا، ليس كذلك، ليس هو الصحابي الذي يسقط، وإنما قد يكون الصحابي، وهذا احتمال، وقد يكون أيضًا تابعي، وقد يكون أكثر من تابعي. حتى قال الحافظ ابن حجر: في الواقع العملي إلى ستة أو سبعة، معنى يروي ستة من التابعين كل واحد يروي بعضهم عن بعض، ممكن أنه يسقط في الحديث ستة أو سبعة من التابعين أو حتى من غيرهم، وأما قال: الموجود في الذهن، معناه إذا كان في الذهن ممكن أكثر من ذلك، بما لا نهاية له. أقول: مثلًا الحديث يتناقله الناس، فلا شك أن الناس يلتقي بعضهم ببعض، وهل الحديث يلتقي بعضهم ببعض؟ وقد يكون مثلًا الراوي لهذا الحديث يلقى أكثر من مئات الآلاف من الناس في عمره وهو معه هذا الحديث، فلهذا قال الحافظ: فمن بابه الموجود في الذهن أنه مما لا نهاية له، مما لا نهاية له. ثم ذكر مسألة أصح الأسانيد، فذكر من أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، التي تسمى «سلسلة الذهب»، واختارها الإمام البخاري، وكذلك أحمد، فمذهب البخاري: أن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وعن يحيى بن معين: الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، وعن عمرو بن علي الفلاس: محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي. وذكر أيضًا البخاري: الزهري عن سالم عن أبيه، وذكر بعضهم: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هذا أصح الأسانيد، والذي عول عليه بعض المتأخرين كابن الصلاح، وأيضًا العراقي وغيره، كذلك الحافظ ابن حجر، وابن رجب: أنه لا يحكم على إسناد بالصحة مطلقًا أو بأنه أصح الأسانيد مطلقًا، لا يحكم على إسناد بأنه أصح الأسانيد مطلقًا. لأن مثلًا لو حكمت مثلًا قلت: مالك عن نافع عن ابن عمر، هل مالك عن نافع عن ابن عمر أفضل من الزهري عن سالم عن أبيه؟ فلا يستطاع أن يرجح في مثل هذا، الزهري حافظ كبير جدًا، ومالك متقدم، ونافع وسالم اختلف في الترجيح بينهما، فلهذا لا يستطاع أن يرجح بين هذا، لكن ممكن أن يقيد كما قال الحاكم أبو عبد الله: أيضًا أن يقيد بالصحابي وبالبلد. وأيضًا تجد لا زال الإشكال موجود، أن يقيد بالصحابي والبلد، مثلًا يقال: أصح أسانيد أهل الكوفة عن عبد الله بن مسعود: منصور أو الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، هذا أصح أسانيد أهل الكوفة عن عبد الله بن مسعود، أصح أسانيد أهل الكوفة عن علي بن أبي طالب: ابن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي، أيضًا أصح أسانيد أهل مكة عن مثلًا عن ابن عباس: عبد الله بن طاوس عن نبيه عن ابن عباس. أو مثلًا الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر عن ابن عباس، أو ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، هذه أيضًا من أسانيد أهل مكة، أقصد الأعمش أدخلته هنا، ليس الأعمش، ابن جريج عن مجاهد أو عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عباس، أو ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، أو سفيان بن عيينة على أنه من أهل مكة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، أيضًا كذلك أسانيد أهل المدينة. أسانيد كثيرة مثلًا أسانيد أبي هريرة كثيرة جدًا، ولكن أفضلها: الزهري عن سعيد أو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أو أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أو كذلك الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، الأعمش من أهل الكوفة، رواية مثلًا رواية أهل المدينة، هذه الأسانيد الزهري يعتبر من أهل المدينة؛ لأنه من أهلها، وكذلك تعلم فيها، ثم رجع إليها في آخر. وإنما جلس في الشام عنده هشام بن عبد الملك وعنده الوليد، لكن رجع بعد ذلك إلى المدينة ومات في المدينة رحمه الله، فهو يعتبر مدني في الأصل، فرواية الزهري عن أبي سلمة وسعيد وعن أبي هريرة، أو أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هذه من أفضل روايات أهل المدينة، وكذلك أيضًا عن ابن عمر، معنى من أصح أسانيد أهل المدينة عن ابن عمر: مالك عن نافع عن ابن عمر. والزهري عن سالم عن أبيه، والزهري عن سالم عن أبيه، هذه من أفضل الأسانيد، أسانيد أهل المدينة، قال: ثم بعده معمر عن همام عن أبي هريرة، وهذا إنما كانت بعده كما ذكر هنا؛ لأنها صحيفة، صحيفة همام بن المنبه، وأكثرها رواها البخاري ومسلم، قال: وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس، وهنا جعل ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرتبة أقل، ليس بصحيح. لكن الظاهر من كلام الإمام الذهبي: أن ابن أبي عروبة أصلا حصل له اختلاف، ابن أبي عروبة حصل له اختلاف، فلهذا صار حديثه أنزل؛ لأنه اختلط سنوات، معنى اختلط سنة مئة وخمسة وأربعين أيام الهزيمة، وبقي بعدها ست سنوات، فاختلاطه كان كثيرًا، فلهذا حصل الخلط في حديثه، فصار حديثه في الدرجة الأقل. وإلا فحديثه يعتبر من الحديث المقدم، ومن الصحاح، لكن رواية شعبة وهشام عن قتادة تعتبر من الدرجة الأولى، وهي من رواية البصريين عن أنس، رواية البصريين عن أنس من أفضلها رواية شعبة وهشام عن قتادة، ورواية أيضًا كذلك أبي قلابة، رواية أيوب وأيضًا يونس وغيرها عن أبي قلابة عن أنس، وغيرها من هذه الرواية، رواية أهل بصرة أيضًا رواية أيوب عن ابن سيرين عن أنس. قاله ابن جريج عن عطاء عن جابر، وأمثاله، وإنما قلت مرتبة ابن جريج؛ لأنه كان يدلس عن الضعفة، وإلا ابن جريج ثقة لا يقل عن مالك كما قال الإمام أحمد وغيره، معنى ابن جريج لا يقل في الحفظ عن مالك والإتقان، لكن الشيء الذي نزل روايته أنه كان يدلس، يدلس عن الضعفة، لهذا قال إمام الدار قطني: «كان ابن جريج يدلس تدليسًا خبيثًا»، وهو التدليس عن الضعفة. قال: «ثم بعده في المرتبة الليث، وزهير عن أبي الزبير عن جابر»، وجعلت هذه المرتبة قلت؛ لأنه قد اختلف في أحاديث أبي الزبير عن جابر، وأنها ليست سماعًا، لكن رواية الليث عنه سماع، رواية الليث عنه سماع، وأيضًا زد على ذلك أن أبا الزبير قد تكلم فيه شعبة وغيره، فلهذا كانت روايته أنزل. قال: «وسماك عن عكرمة عن ابن عباس»، وهذا سماك عن عكرمة عن ابن عباس متكلم فيها، فهي ليست في مرتبة الصحة؛ لأن رواية سماك عن عكرمة واضطربة، إلا ما كانت من رواية سفيان وشعبة وسلام ابن مسكين، أبو الأحوص سلام من مسكين، إذا رووا عن سماك سفيان أو شعبة أو أبو الأحوص، فإن روايتهم صحيحة، وأما بقية من رووا عن سماك فروايتهم خاصة عن عكرمة مضطربة. رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب، فلهذا لم يقبلها للعلم، بل بعضهم لم يقبلها مطلقًا، سواء كان روى عنه سفيان وشعبة وغيرهما، قال: «وأبو بكر بن عياش عن نبي سحاق عن البراء»، وهذا ممكن، أبو بكر بن عياش فيه ضعف في حفظه، لكنه لا ينزل ضعفه إلى أو لا ينزل حديثه إلى مرتبة الضعيف، وإنما يكون في الحسن. أو العلاء بن عبد الرحمن عن نبيه، نبي هريرة أيضًا، هذه النسخة فيها حديث منكر، لكن أكثرها صحيحة، أيضًا يدخل في هذا رواية محمد بن عمر بن علقمة مع نبي سلمة عن نبي هريرة، وكذلك رواية سهيل بن أبي صالح عن نبيه عن نبي هريرة؛ لأن هذه حصلت فيها منكرات، وإلا الأصل فيها الصحة، ولهذا صارت من مرتبة الحسن، عمر بن شعيب عن نبيه عن جدة، صارت في مرتبة الحسن.