الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 8، ألقاها
التوكل على الله يتطلب الجمع بين الاعتماد على الله والثقة به وبين الأخذ بالأسباب المأذون بها شرعا. العبد لا يكون متوكلا حق التوكل إلا إذا صدق في اعتماده على الله مع الاجتهاد في الأسباب.
التوكل على الله يتطلب أخذ الأسباب والاجتهاد في فعل الطاعات وترك المعاصي، مع الاعتماد على الله واللجوء إليه. من يتوكل على الله دون أخذ بالأسباب يعتبر عاجزاً.
أهل الإحسان يبذلون النصح والإرشاد للآخرين ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، مع الحفاظ على قربهم من الله وطاعته. المحسنون أحسنوا معاملة الله بتحقيق العبودية ومعاملة الخلق ببذل الخير.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في منظومته في السير إلى الله والدار الآخرة: قال: «صحب التوكل في جميع أمورهم مع بذل جهدٍ في رضا الرحمن». ويشير رحمه الله بهذا إلى أن من صفات هؤلاء السعداء الذين حصلت لهم السعادة في سيرهم إلى الله جل وعلا والدار الآخرة أنهم جمعوا بين التوكل على الله جل وعلا في سائر أمورهم مع بذل الجهد في الأخذ بالأسباب التي توصلهم وتعينهم في تحقيق هذا المقام العظيم فيما يرضي الرحمن جل وعلا ويوصلهم إلى رضا الرحمن سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «يكمل العبد في هذين الأمرين وهما التوكل على الله والاجتهاد في طاعة الله، ويتخلف عن العبد الكمال بفقد واحد منهما». فحقيقة التوكل تجمع الأمرين: الاعتماد على الله والثقة بالله. فيعتمد على ربه بقلبه في جلب ما ينفعه في أمر دينه ودنياه، فيبرأ من نفسه وحولها وقوتها، ويثق بالله في حصول ما ينفعه ودفع ما يضره، ويجتهد في الأسباب التي بها يتوصل إلى المطلوب. قوله: «فحقيقة التوكيل أن الصواب حقيقة التوكل تجمع أمرين»، يعني لا يكون العبد متوكلا على الله جل وعلا حق التوكل إلا بوجود هذين الأمرين. أولهما: الاعتماد على الله والثقة بالله جل وعلا. وهذا هو أصل التوكل، وهو صدق الاعتماد على الله جل وعلا في جلب المنافع ودفع المضار. فيعتمد على الله في تحصيل ما يريد من نفع أو في دفع ما يريد أن يدفعه من ضر، ويكون عنده ثقة بالله جل وعلا في تحصيل هذا الأمر أو في دفعه. فيكون معتمدا على الله جل وعلا بقلبه، لاجيا إلى الله جل وعلا. التوكل على الله جل وعلا كما نعلم مقام عظيم من مقامات الإيمان، بل جعله الله سبحانه وتعالى شرطا في الإيمان كما في قوله: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، وهذا قال الله جل وعلا: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، وقال: ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾. قال: «فيبرأ من نفسه وحولها وقوتها»، يعني أنه يعتمد على الله جل وعلا ولا يتعلق بنفسه ولا بقوته ولا بذكائه ولا بشطارته، بل يعلم أن تحقيق هذا الأمر هو محض من الله سبحانه وتعالى وفضل منه سبحانه وتعالى. ومن يتوكل على الله فهو حسبه، أي كافيه. فلا يعتمد على نفسه ولا يغتر بما أتاه الله سبحانه وتعالى من قوة أو ذكاء أو غير ذلك. كحال مثلا من يريد طلب الرزق والاتجار والربح في التجارة، فهو يتاجر معتمدا على الله سبحانه وتعالى في تحصيل الرزق، غير معتمد على نفسه، وإن كان عنده خبرة في البيع والشراء في التجارة، لكن لا يعتمد على ذلك وإنما كل اعتماده على الله سبحانه وتعالى الذي بيده الأرزاق جل وعلا. ثم الأمر الثاني: الاجتهاد في الأسباب التي بها يتوصل إلى المطلوب. فإن العبد لا يكون متوكلا إلا إذا صدق في اعتماده على الله مع الأخذ بالأسباب المأذون بها شرعا. فكونه يقول: «أنا معتمد على الله» ويترك الأسباب، هذا في الحقيقة ليس بمتوكل. فمن قال: «أنا أعتمد على الله في طلب الرزق» ثم يجلس في بيته ولا يعمل، هذا ليس بمتوكل. أو يقول: «أنا أعتمد على الله جل وعلا في تحصيل الأولاد» ثم لا يتزوج، هل يكون بذلك متوكلا؟ الجواب: لا. أو هكذا أيضا من يسافر ويترك الزاد ويقول: «أنا متوكل على الله»، هذا يعرض نفسه للهلاك والتهلكة. ومن يلقى العدو ثم لا يأخذ السلاح الذي به يقاتل الأعداء ويقول: «أنا متوكل على الله»، هذا في الحقيقة ليس بمتوكل. إذا لا بد في تحقيق هذا المقام من الأخذ بالأسباب. قد قال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المتوكلين، يأخذ بالأسباب. إذا سافر أخذ الزاد، وإذا لقي العدو لبس اللأمة وأخذ السلاح عليه الصلاة والسلام، كل ذلك عملا بالأسباب. قالوا: تفصيل ذلك أنه إذا عزم على فعل عبادة بذل جهده في تكميلها وتحسينها، ولا يبقي من مجهوده مقدورا، وتبرأ من النظر إلى نفسه وقوتها، بل لجأ إلى ربه واعتمد عليه في تكميلها، وأحسن الظن ووثق في حصول ما توكل به عليه. إذا عزم على فعل عبادة بذل جهده في تكميلها وتحسينها، أي تكميل هذه العبادة وإتمامها على أكمل وجهها. فهو يبذل كل ما يستطيع من جهده في إقامة هذه العبادة والطاعة على أكمل وجهها الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. ويبرأ من نفسه وقوتها، بل ويلجأ إلى الله جل وعلا ويسأل من الله جل وعلا الإعانة والتوفيق. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾. قال: وإذا عزم على ترك معصية قد دعته نفسه إليها، لأن النفس أمارة بالسوء قد تدعو صاحبها إلى فعل المعاصي والذنوب. قال: بذل جهده في الأسباب الموجب لتركها. فهو يأخذ بالأسباب التي بها يتوكل على الله جل وعلا مع توكله على الله في الابتعاد عن هذه الذنوب والمعاصي. فيعتمد على الله ويلجأ إليه أن يبعده ويجنبه الوقوع في معصيته، ويأخذ بالأسباب التي تبعده عن الوقوع في الذنوب والمعاصي، من التفكر بها، فلا يتفكر في هذه المعصية والذنب الذي ربما يكون سببا في وقوعه فيها، بل يشغل نفسه بما ينفعه من أمور دينه ودنياه، وصر في الجوارح عنها. ثم اعتمد على الله ولجأ إليه في عصمته منها، سواء كان ذلك بالدعاء أو كان بالعبادة والصلاة أو كان بالصيام أو بغير ذلك من أنواع الطاعات والعبادات. وأحسن الظن به في عصمته له. فإنه إذا فعل ذلك في جميع ما يأتي ويذر، رجي له الفلاح إن شاء الله تعالى. يعني إذا اعتمد على الله بجميع أموره في فعل الطاعات وفي ترك المعاصي والمحرمات، وأخذ بالأسباب التي تعينه على ذلك، فإنه يوفق بإذن الله جل وعلا لما يكون به فلاحه في الدنيا والآخرة. وأما من استعان بالله وتوكل عليه مع تركه الاجتهاد اللازم له، فهذا ليس بتوكل، بل عجز ومهانة. يقول أنه متوكل على الله ثم لا يأخذ بالأسباب ولا يجتهد في تحصيل ما توكل على الله به، فهذا في الحقيقة عجز وليس بتوكل. وكذلك من يبذل اجتهاده ويعتمد على نفسه ولا يتوكل على ربه، فهو مخذول. الذي يريد أن يحقق العبادة لله جل وعلا ويؤدي العبادات على وجهها الأكمل، ثم يعتمد على نفسه وعلى قوته ولا يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يوفق إلى تحقيق هذا المقام العظيم من تحقيق عبودية الله سبحانه وتعالى. وهكذا من أراد تحصيل الرزق وهو يعتمد على نفسه وذكاءه وشطارته ولا يلجأ إلى الله ولا يعتمد عليه، فإنه كذلك يكون مخذولا. وهكذا قس على ذلك في سائر أموره. قال رحمه الله: «عبد الإله عن اعتقاد حضوره فتبوأوا في منزل الإحسان». أي أن هؤلاء السعداء من صفاتهم أنهم حققوا هذا المقام العظيم من مقامات الإيمان، وهو مقام الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهذا معنى قوله: «عبد الإله على اعتقاد حضوره»، أي أنه كأنه موجود يرونه. فإن لم يكونوا يرونه فهم يعبدونه عبادة خوف وكذلك إحاطة وطلاع. فتبوأوا في منزل الإحسان، أي صاروا بهذه المنزلة من أهل الإحسان الذين هم أعلى أهل مراتب الدين، الذين حققوا هذه المرتبة العظيمة. قال رحمه الله: «هذه المنزلة يقارن لها منزلة الإحسان، وهي كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: أن تعبد الله وحده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». كما جاء في حديث عمر في حديث جبريل المشهور في صحيح الإمام مسلم، وجاء بمعنى في الصحيحين، حيث بهريرة رضي الله تعالى عنه، قال: حين سئل عن الإحسان أو سأله جبريل عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله وحده كأنك تراه»، أي أنه يعبد الله عز وجل عبادة رؤية ومشاهدة. فإن لم تكن تراه حقيقة فإنه يراك، فتعبده عبادة خوف ورهبة. قال: فإذا تصور الإنسان هذا المقام في جميع أحواله، لا سيما حال العبادة، يعني يحقق هذا المقام في عبوديته لله سبحانه وتعالى، منعه من الالتفات بقلبه إلى غير ربه، بل أقبل بكليته على الله وتوجه بقلبه إليه، متأدبا في عبادته، آتيا بجميع ما يكملها، مجتنبا كل منقص لها. وهذه المنزلة من أعظم المنازل وأجلها، ولكنها تحتاج إلى تدريج للنفوس شيئا فشيئا، يعني حتى يبلغ هذه المنزلة العظيمة. بأول ذلك بتحقيق الإسلام وأركانه، وثم كذلك يصل إلى مرتبة الإيمان، ثم بعد ذلك يصل إلى مرتبة الإحسان. ولا يزال العبد يعودها نفسه حتى تنجذب إليها وتعتادها. يعني في تحقيق هذا المقام يحقق مقام الإحسان في عبادته. إذا صلى يستشعر هذا المقام العظيم، أنه يقف بين يدي الله جل وعلا، وأنه يعبد الله كأنه يراه. فإن لم يكن يراه فيعلم أن الله يراه ويعلم مقامه ويعلم حاله وأنه مطلع عليه، فيكون ذلك معينا له على تحقيق هذه العبادة بأكمل وجهها. قال: ولا يزال العبد يعودها نفسه حتى تنجذب إليها وتعتادها، فيعيش العبد قرير العين بربه، فرحا مسرورا بخدمته. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم بتحقيق هذا المقام العظيم. قال رحمه الله: «نصح الخليقة في رضا محبوبهم بالعلم والإرشاد والإحسان. صحبوا الخلائق بالجسوم، وإنما أرواحهم في منزل فوقاني». ويشير بهذين البيتين لأن من صفات هؤلاء السعداء أنهم حرصوا على نصح الخلق بالعلم والوعظ والبيان والتذكير بما وفقهم الله سبحانه وتعالى له. فهم يرشدونهم ويعلمونهم ويوجهونهم. كذلك يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. فصحبوا الخلائق بالجسوم، صاحبوا الناس بأجسادهم وبأبدانهم، لكن قلوبهم مع الله سبحانه وتعالى في طاعته وعبادته، ومتعلقة بالآخرة وما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب. قال: «هذه حالهم مع الخلق أكملوا حال وأجلها، فأبدوا لهم غاية النصح، وأحبوا لهم ما أحبوا لأنفسهم من الخير». عملا بقول نبي عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فلما رأوا ما وفقهم الله عز وجل له من الهدى والعلم والصلاح والاستقامة، أحبوا هذا الخير لغيرهم، فبذلوا لهم النصح والتوجيه. وكرهوا لهم ما كرهوا لأنفسهم من الشر، فسعوا في إزالة الشر عنهم بكل ممكن. فلذلك كانوا قائمين بالمعروف، ناهين عن المنكر، واجتهدوا في إيصال النفع إليهم بكل مقدور، من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وهذه من أعظم صفات أهل الإيمان، كما قال الله جل وعلا: ﴿والمؤمنون بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾. قال: «وإطعام جائعهم، وكسوة عاريهم، وإغاثة ملهوفهم، وتعليم جاهلهم، ورجوع ظالمهم، ونصر مظلومهم، واحتمال أذاهم، وكفهم أذى أنفسهم عنهم». ومع هذا فصحبتهم لهم بالظاهر والجسم، يعني هم بهذا يصحبونهم بأجسادهم وأجسامهم فقط، فيبذلون لهم كل معروف، يبذلون لهم كل معروف سواء كان حسيا أو كان معنويا أو كان دينيا أو كان دنيويا. قال: «وأما قلوبهم وأرواحهم فإنها تجول حول الحبيب وتطلب من قربه أعظم نصيب». أي هي مع الله سبحانه وتعالى بطاعته وعبادته والقرب من الله جل وعلا بما يحب سبحانه وتعالى. فتارة تنكسر بين يديه وتخشع وتخضع لديه، يعني يذل ويخضع، وربما يبكي ويتضرع بين يدي الله جل وعلا، يطلب رحمته ومغفرته، ويرجو ثوابه وعطاءه. قال: «وتارة تشكره بحبه وتدل عليه لاستحضاره بره وقربه، ثم تميل إلى مراضيه فتجتهد في عباداته وتحسن إلى مخلوقاته». فهم أحسنوا في معاملتهم مع الله جل وعلا بتحقيق العبودية له، وكذلك أحسنوا مع الخلق في معاملتهم لهم ببذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه. فكانوا على غاية الإحسان مع الله جل وعلا ومع خلقه. قال: «فأولئك هم الناس، بل هم العقلاء الأكياس». ولا حول ولا قوة إلا بالله. صلى الله وسلم على نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين.