الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 86، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الدرس حديث «اجتنبوا السبع الموبقات» موضحاً أن الاجتناب أبلغ من النهي وأن عدد السبع ليس حصراً. ثم يفصل في السحر الواقع ثانياً في القائمة مبيناً نوعيه: سحر بالتعاويذ والشياطين وهو شرك، وسحر بالأدوية والعقاقير وهو ليس شركاً مستدلاً بعطف السحر على الشرك بالواو.
يستعرض الدرس أربع فئات من النفوس التي حرم الله قتلها: المؤمن، الذمي، المعاهد، والمستأمن مع توضيح الفروق بينها. ثم يذكر الحالات الثلاث التي يجوز فيها قتل النفس بالحق وهي القصاص، رجم الثيب الزاني، وقتل المرتد، ويختتم بتعريف اليتيم.
يبين الدرس حرمة مال اليتيم وعدم جواز التصرف فيه إلا بقدر الإصلاح، ويوضح حكم التولي يوم الزحف مع استثناءات ثلاث: التحرف للقتال، التحيز إلى فئة، والضعف عن مقاومة العدو إذا زاد على الضعف. كما يحذر من قذف المحصنات الغافلات المؤمنات ويعتبره من الموبقات مشيراً إلى خطورة السحر.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب ما جاء في السحر، بعدما ذكر الآيات المتعلقة بهذا الباب، ثنى بذكر الأحاديث، وقال: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». يقول الشيخ العثيمين: "اجتنبوا" أي اتركوا مع البعد، بأن تكون في جانب وهي في جانب آخر. والاجتناب أبلغ من مجرد النهي، من مجرد أن يقول مثلاً: لا تشركوا بالله، أو لا تستخدموا السحر، أو لا تقتلوا النفس؛ لأن الاجتناب يشمل النهي عن الشيء، وكذلك النهي عما يوصل إليه من الوسائل والطرق. فلذلك الشرك بالله جاءت بعض الأعمال التي هي ليست من الشرك، ولكنها لما توصل إلى الشرك نهي عنها وحرمت. وهكذا ما يتعلق بالسحر من الكهانة ومن كذلك التطير ونحو ذلك، فهذا نهي عنه لأنه يؤدي إلى السحر. وكذلك قتل النفس، نهي عن رفع السلاح ولو ليس على سبيل التهديد أو سبيل الشروع في القتل. فلذلك نهي أن يعني يوجه السلاح إلى المؤمن ولو مازحا، ولو مازحا. من هذا الباب، من هذا الباب. وقس على ذلك، فالاجتناب هو الترك مع البعد عن جميع أسبابه. وقوله: "السبعة"، قال الشيخ عثيمين: هذا لا يقتضي الحصر، فإن هناك موبقات أخرى. ومعنى قوله هذا أن العدد لا مفهوم له، ليس معنى أن الموبقات محصورة في هذه السبع، وإنما ذكرت على سبيل التمثيل، وعلى سبيل تقريب العلم، فيؤتى بالعدد أحياناً من أجل هذا المقصد، وإلا فهناك موبقات أخرى لم تذكر في هذا الحديث كشرب الخمر مثلاً، أو الزنا، هذه كلها من العظائم والكبائر الموبقات، لكن الحديث لا يفهم منه الحصر ولا يقتضي الحصر. وقوله: "الشرك بالله"، بدأ به لأنه من أعظم الموبقات ومن أكبر الكبائر، فبدأ به. وقوله: "السحر"، إذا كان السحر من عمل الشياطين كما تقدم معنا التفصيل في أنواع السحر، فيكون من باب عطف الخاص على العام، لأن السحر حينئذ من الشرك. وإن كان من النوع الثاني، وهو السحر: سحر الأدوية والعقاقير ونحو ذلك، فيكون هذا ليس من باب عطف الخاص على العام، لأن هذا ليس من الشرك، وإنما يكون من باب المغايرة. ولذلك استدل الإمام الشافعي بهذه اللفظة على أن السحر ليس كله من الشرك، ليس من الشرك. نعم، استدل بهذا، فقال رحمه الله تعالى: لأن فرق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الشرك والسحر، والأصل في العطف المغايرة، الأصل في العطف المغايرة، أي أن المعطوف ليس هو عين المعطوف عليه. فلما تقول: جاء زيد وعمر، فزيد غير عمر، ليس هو نفس عمر. فالفاء تفيد المغايرة، تفيد المغايرة. لكن يقال في هذه المسألة ما تم تفصيله في الدرس الماضي: أن السحر على نوعين، سحر فيه تعاويذ وعمال شيطانية، فهذا يكون من الشرك، من الشرك والكفر. ونوع آخر وهو سحر العقاقير والأدوية. أشمعنا العقاقير والأدوية يعني تستخدم هناك بعض الأدوية التي تغير الشخص، تغير الشخص، فتجعله مثلاً مريضاً، أو تجعله مبغضاً لشيء ما، أو تجعله يفعل الشيء وهو لا يفعله. هذا قد يكون ببعض الأدوية أو ببعض الحركات السريعة التي لربما تؤثر على الناظر أو على المسحور أو نحو ذلك. بل بعض أهل العلم ما جعل هذا النوع الثاني من السحر، ما جعله من السحر، وإنما سمي سحراً على سبيل المجاز، قال على سبيل المجاز. يعني النوع الثاني، النوع الثاني، قالوا: لأنه ليس هو من عمل الشياطين، وإنما بسبب أشياء يعني أدخلت في جسمي هذا المسحور فتغير وأصبح يعمل أعمالاً يعني لا يريد عملها أو لا يريد فعلها أو نحو ذلك. نعم. وقوله هنا: "قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق"، أي قتل النفس التي لا يجوز أن تقتل. والنفس التي حرم الله قتلها أربع أنفس: أربع أنفس. نفس المؤمن، وذلك لإيمانه، لا يجوز أن يقتل المؤمن إلا بإحدى ثلاث، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود. نعم. والنفس الثانية: نفس الذمي، وهو كافر ليس بمؤمن، لكن بيننا وبينه ذمة، يجلس في بلاد المسلمين مع دفعه للجزية، فيعني هذا يعد في ذمتنا لأننا بيننا وبينه ذمة، فلا يجوز قتله أو الاعتداء عليه. والنفس الثالثة: المعصومة، نفس المعاهد، وهو كافر أيضاً، لكن بيننا وبينه عهد أن لا يحاربنا ولا نحاربه، صلح: أنت تكف شرك عنا ونحن نكف شرنا عنك، لا تقاتلون ولا نقاتلك، فلا يجوز الغدر به أو قتله طالما أنه قائم بالعهد والميثاق الذي بيننا وبينه. هذا أيضاً لا يجوز قتله. والرابع: المستأمن، وهو الذي بيننا وبينه أمان، دخل بلاد المسلمين بأمان المسلمين، كأن يكون تاجراً، أو يقول: أريد أن أتعرف على الإسلام، فأدخلناه إلى بلدنا من أجل هذا المقصد، لأننا نحن دعاة إسلام، دعاة يعني هداية للناس، فدخل لهذا المقصد، فهو مستأمن في أمان المسلمين، فلا يجوز لأحد أن يعتدي عليه. طيب، إيش الفرق بين المستأمن والمعاهد؟ الفرق واضح: المعاهد بيننا وبينه عهد، سواء كان في بلادنا أو في غير بلادنا، عهد بيننا وبينه وصلح بيننا وبينه، وأن لا نعتدي عليه وأن لا يعتدي علينا. لكن المستأمن: أن بيننا وبينه أمان، ليس عهداً، أمان أن يدخل بلادنا من أجل تجارة أو ما يكون في هذه الأيام مثلاً في بعض البلاد المسلمة من أجل السياحة مثلاً، هذا دخل بأمان، دخل بأمان لغرض ما دنيوي، ومثله التجارة، فهذا يسمى مستأمناً لأنه دخل بأمان المسلمين. أما الذمي فهو من أهل الكتاب، يهودي أو نصراني، دعي إلى الإسلام فأبى، وهو في بلاد المسلمين، أبى أن يسلم، فقيل له: إما أن تذهب من بلادنا، أو تبقى معنا تعيش في بلادنا لكن تدفع الجزية مقابل مكوثك في بلادنا، فإذا وافق ورضي فيكونوا في ذمة المسلمين، لا يجوز لأحد أن يعتدي عليه طالما أنه قائم بواجبه وهو دفع الجزية. نعم، هذه هي الأنفس. ومن هنا تعلم ضلال وخطأ الفرق الضالة: الخوارج، القاعدة، والدواعش، ومن نحى نحوهم في قتلهم للكفار في بلاد المسلمين. قد المسلمون يحتاجون إلى خبراء في باب التجارة، أو في باب الكهرباء والنفط، أو في باب الشركات العالمية الكبيرة، فلا يجوز لأحد أن يعتدي، لأن هؤلاء في حكم المستأمنين، في حكم المستأمنين. نعم، دخلوا بأمان المسلمين إلى بلاد المسلمين. نعم. أو مثلاً رأى كافر في بلد أخرى فقتله، ونحن بيننا وبينهم مثلاً عهد ألا أن نتعرض لهم وأن لا يتعرضوا لنا، عهد وصلح وميثاق، فكذلك لا يجوز قتلهم، لا يجوز قتلهم. وقوله: "إلا بالحق"، يعني يجوز قتل النفس إذا كانت بحق. بالنسبة للمسلم يقتل بحق، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: النفس بالنفس. إنسان قتل مسلماً متعمداً، ليس خطأً ولا شبه خطأ، إنما متعمد، رفع عليه سلاحه وقتله أمام الناس، فهنا يقتص به إذا لم يرضَ الأولياء بالدية والعفو، فيقتل. النفس بالنفس، هنا يحل قتل هذه النفس، قبل ولي الأمر. الثاني: الثيب الزاني، الثيب يعني الذي متزوج ثم زنى، ليس بكراً، يعني ليس بمتزوج... متزوج ثم زنى، سواء كان من ذكر أو من أنثى، فإذا زنى وقامت عليه البينة، الشهود الأربعة رأوا الميل في المكحلة، أو اعترف اعترافاً صريحاً مختاراً، فهنا يقتل ويرجم حداً، لأن هذا حد الزنا كما جاء في سورة النور. والثالث: النفس التي يجوز قتلها، التارك لدينه، المفارق، من ارتد عن دينه، كان مسلماً فكفر بالله، ارتد، فصار يسب الإسلام ويسب الدين ويسب أهل الدين، وتحول إلى ملة أخرى مثلاً، فهنا يقتل ردة، يقتل ردة. فقط هذه الأنفس الثلاث من أنفس الأنفس التي يجوز قتلها، وهذا معنى قول: "إلا بالحق". وقوله: "أكل مال اليتيم"، اليتيم هو من مات أبوه قبل بلوغه، ذكراً كان وأنثى، قبل بلوغ هذا الطفل، سواء كان ذكراً أو أنثى، مات أبوه. أما إذا ماتت أمه لا يسمى يتيماً. اليتيم من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ بعد. فإذا كان أبوه عنده مال، فقام أحد بحفظ هذا المال أو باستثمار هذا المال، فلا يجوز له أن يأخذ منه شيئاً بغير حق، إنما يأخذ بقدر إصلاحه وحفظه وما تعرف عليه في المجتمع من الأخذ. أما أن يأخذ زيادة على ذلك، فهذا جاء فيه الوعيد الشديد. والتولي يوم الزحف، المراد بالزحف يعني الجهاد في سبيل الله، الزحف من أجل نصرة دين الله، من أجل يعلى كلمة الله. فإذا قابلت العدو فلا يجوز للمسلم أن يولي وأن يهرب من المعركة، لما يرى من القتل والقتال، بل يصبر ويحتسب إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة، ولا يجوز له التولي والهروب إلا في حالات ثلاث ذكرت في سورة الأنفال: «إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة». وفي الآية الأخرى: «الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين». يعني الضعف. فلذلك التولي لا يجوز إلا في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: متحرفاً لقتال. إيش معنى متحرفاً لقتال؟ يعني انسحب وتولى من المعركة لينصرف إلى أسلوب آخر من أساليب القتال، لا ليذهب إلى بيته أو ليذهب إلى بلده ويترك القتال، لا. لذلك قال الشيخ العثيمين: كمن ينصرف ليصلح من شأنه ويهيئ الأسلحة، أو ينحرف ليأتي من جهة أخرى، يعني عملية تكتيكية حربية. هو الآن في هذه الجهة، رأى أن هذه الجهة ليست مجدية في الإثخام بالعدو وفي النصر على العدو، رأى أن يلتف حول العدو، فانسحب، فظن العدو أنه هرب، فأتى لي العدو من جهة أخرى. هذا مقصد حسن، من صرف خوفاً من القتل، أو انصرف ليذهب إلى بيته، وإنما ليستعد لهيئة أخرى، وليكذلك تجهيز آخر للإثخان بالعدو. هذا معنى متحرفاً لقتال، من الحرفة، وهو التكتيك والخطة العربية العسكرية. وقوله: "متحيزاً إلى فئة"، يعني ينضم مع طائفة أخرى لضرورة، مثلاً الجيش مقسم إلى ثلاث فئات: فئة مقدمة، فئة مؤخرة مثلاً، أو فئة ميمنة أو ميسرة، فهو انتقل لضعف الميمنة ولتركيز العدو على الميمنة، رأى قائد الميسرة أن مجموعة يعززون الجهة الأخرى، فينسحب بعض الجيش وينضم مع إخوانه في الميمنة. هذا أيضاً ليس هروباً وتولياً، إنما هو تكتيك وانضمام إلى فئة أخرى لضرورة أو لمصلحة رآها هذا المقاتل، أو رآها القائد للجيش المسلم، للجيش المسلم. أما الحالة الثالثة التي يجوز فيها التولي والانسحاب: إذا كان الكفار أكثر من مثلي المسلمين، مثلاً عدد المسلمين مائة، وعدد الكفار ألف. هذا الله خفف الله عنه، لأنه قال: «إن يكن منكم مائة يغلبوا مائتين»، الضعف. إذا كان عدد الكفار مائتين، وعدد المسلمين مائة، حينئذ لا يجوز للمسلم أن يتولى، بل يجاهد ويقاتل. عدد الكفار ألفان، وعدد المسلمين ألف، أيضاً يقاتل المسلمون. طيب، لكن لو عدد الكفار ثلاثة آلاف، وعدد المسلمين ألف، فهنا إن لم يستطع المسلمون المقاومة، ليس الأمر على سبيل الوجوب أن ينسحبوا، إنما هو على سبيل الجواز، يجوز لهم الانسحاب. رخص الله عز وجل، خفف الله عز وجل عنهم. طيب، ففي هذه الحالات الثلاث يجوز الانسحاب أو التولي. قال: "وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"، المراد بالمحصنات أي النساء الأحرار، نعم، اللاتي يشتغلن بأمر أزواجهن وبيوتهن وطاعة ربهن، فهن غافلات في البيوت، ما يعني يسمعن ما يدار في البلاد، كما جاء في قصة حديث الإفك، لما رُميت عائشة بما رُميت به رضي الله تعالى عنها، جلست أياماً لا تعلم، والناس يتحدثون، هذه لأنها غافلة، ما هو مثل نساء زماننا هذا، اجتمع وإيش الأخبار، أو في الواتساب: فلان فعلت، وفلان طلقت، وفلان أخطأت، وفلان كذا، لا. النساء تشتغل ببيتها وبزوجها وبتربية أولادها، فهي غافلة، فهي غافلة. فيأتي أحد فيرمي هذه المؤمنة بالزنا، نقول: زنت، وما معه بينة ولا حجة ولا برهان، فهذه من كبائر الذنوب ومن الموبقات. الشاهد من هذا الحديث قوله: "والسحر"، وتقدم معنا أنه إذا كان من النوع الأول فهو من الشرك، وكذا من النوع الثاني فهو أيضاً أمره خطير، فهو من الموبقات أيضاً. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر