الخطبة بعنوان حال المسلم في رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٩ شعبان ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يجب على المسلمين استقبال شهر رمضان بالتوبة وتحسين الأحوال والأعمال، والامتثال لأوامر الله ورسوله. ينبغي على المسلم أن يهيئ نفسه لصيام رمضان وقيامه.
يُنصح المؤمنون باستغلال شهر رمضان في الطاعات مثل الدعاء وتلاوة القرآن وإصلاح ذات البين. يُشجع على الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في الجود والبذل والإحسان في رمضان.
يخاطب الخطيب الناس حثهم على كف الأذى عن الناس خاصة في شهر رمضان. يدعو الله أن ينفعهم بما سمعوه ويجعلهم من أتباع الخير.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى على عظيم إنعامه وكبير آلائه، وعلى بِرِّه وإحسانه على هذه الأمَّ المحمدية، بما أنعم عليها وأسبغ عليها بمثل هذه المواسم الطيبات المُباركات. عباد الله، إن من الخيرية والرشاد لمن أراده الله جل وعلا للعباد أن يُطيل في أعمارهم لكي يحضُروا مثل هذه الليالي المُباركة وهذه المواسم الفاضلة. قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله»، وقال عليه الصلاة والسلام: «خياركم أطولكم أعمارًا أحسنكم أعمالًا». عباد الله، ها هو رمضان على الأبواب، شهرٌ جعله ربنا جل وعلا للمغفرة والغفران، شهرٌ جعله ربنا جل وعلا للعتق من النار، شهرٌ تسابق إليه الأولون والآخرون لاستغلال أيامه واغتنام لياليه. عباد الله، كيف ينبغي أن يكون حالنا وأحوالنا مع شهرٍ هذا وزنه وهذا مقداره وثقله؟ عباد الله، إنه يجب على كل مسلم أن يكون على حالة تليق بجناب هذا الشهر العظيم وهذا الشهر المبارك الكريم. روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: «وليكن عليك وقارٌ وسكينة في يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». هذه الحالة التي يجب على جميع المسلمين أن يوطنوا أنفسهم عليها، بأن لا نجعل أحوالنا في أيام فطرنا هي هي في أيام صيامنا ورمضاننا. عباد الله، إنه ينبغي على كل مسلم أن يهيئ نفسه وأن يهذِّبها وأن يروِّضها بأن تكون على حالة تليق بجناب هذا الشهر، وذلك بأن يربيها على مقامات وعلى أحوال تلزمنا بها هذه الشعيرة، وهي مما دعت إليها الشريعة. فمن ذلك أن يكون حالنا في رمضان أن نكون من المستجيبين لأوامر الله ولأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام، فنمتثل بكل ما أمرنا به من فرائض وواجبات وأركان ومتحتمات. فنحرِص على أداء الصلاة، فإنه لا صيام لمن لا صلاة له، بل إنه لا دين لمن لا صلاة له. احرِص يا عبد الله، وأنت في شهر الصيام، أن تُقبِل على الله جل في علاه بخمس صلوات في اليوم والليلة، وأن تُؤدِّيها في أوقاتها، واحرِص يا عبد الله أن تُؤدِّيها في بُيوت الله جماعة. وهكذا عباد الله، نحرِص على إتمام الصيام، وذلك بالكف والإمساك عن المفطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وأن نعلم عباد الله أن صوم رمضان يُعتبر من أعظم الواجبات ومن أهم أركان الإسلام التي أمر بها ربنا جل وعلا في كتابه، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم في سُنَّته. ومن سولت له نفسه فأفطر أيامًا من رمضان بغير عُذر، فليعلم أنه قد أوبق نفسه وخسر دنياه ودينه. قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: «من أفطر أيامًا من رمضان بغير عُذر، فهو شرٌّ من الزاني، ومن مُدمن الخمر». بل قال بعض العُلَماء: «إن من كان من سلفنا الصالح من رأوه بارز الله جل وعلا بفطره، كانوا يشُكُّون في إسلامه». لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان والإسلام والإستسلام، بل هذا من فعل الكفار الملاحدة الزنادق أن يُبارِزُوا الله جل وعلا بفطرهم في نهار رمضان. ولعظم هذا الذنب، فإن الله سبحانه وتعالى قد توعد بالعذاب الشديد والنكال العظيم الأليم في حق من فعل هذه الجريمة وتلبَّس بهذه الجريرة. روى الإمام خُزيمة رحمه الله تعالى من حديث أبي أمامة قال عليه الصلاة والسلام: «... هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم». قوم هم صاموا، إلا أنهم تعجلوا الفطر فأفطروا قبل وقته، فنكل الله جل وعلا بهم. فما ظنك يا عبد الله بالذي لا يصوم البتة، ممن لا يبالي بحرمة رمضان، فبارز الله جل وعلا في أيام معدودات بفطره في رمضان بغير عذر؟ فإن أمره أعظم وأمره أشد وأنكى. وهكذا عباد الله، مما ينبغي أن نهيئ به أنفسنا بعد أن نروضها على الإتيان للفارائض والواجبات، أن نهذبها وأن نحملها على المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى الطاعات والعبادات من نوافل وقربات وسنن ومستحبات. عباد الله، إن رمضان هي تجارة رابحة مع الله جل في علاه، ما من يوم وليلة من ليالي رمضان إلا وينادي منادي: «يا باغي الخير أقبل». أقبل يا عبد الله على عبوديتك لله جل في علاه، أقبل يا عبد الله على ذكر الله من تكبير واستغفار وتسبيح وتهليل. أقبل يا عبد الله على الطاعات من النوافل القبلية والبعدية، أقبل يا عبد الله على ما تستطيع من أنواع الطاعات وفنون العبادات، فإنك في رمضان التجارة مع الله لن تبور. ربنا جل في علاه قد ضاعف الأجور في رمضان، فرب عمل صالح تعمله يضاعفه ربنا جل وعلا أضعافا كثيرة. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». اعلم يا عبد الله أنه ما من عمل صالح من صيام أو غيره، عظم أو كبر، قل أو كثر، فإن الله سبحانه وتعالى يضاعف أضعافا كثيرة. حتى قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: «صوم يوم في رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة، وركعة في رمضان أفضل من ألف ركعة». فماذا بعد هذا الفضل من فضل؟ ماذا ترجو يا عبد الله من الثواب بعد هذا الثواب؟ تكبيرة، تسبيحة، تهليلة، استغفار، صدقة، نفقة، ركعة، كل ذلك يضاعف لك أضعافا مضاعفة ما لا يخطر على بال. فما على التقاعس؟ علامة تخاذل للطاعات والعبادات؟ أقبل يا عبد الله على قيام الليل، على صلاة التراويح، على صلاة التهجد، فإنها يا عبد الله كفارة للذنوب، مساحة للخطايا والعيوب. قال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه». دقائق معدودة لا تتجاوز الساعة الواحدة، تقوم فيها منتصبا لله، خاشعا متضرعا لمولاك، فإن الله جل وعلا ينزل في حقك مغفرة تمحي ما سلف وخلى من ذنوبك وعيوبك. يا عبد الله، أقبل على كل خير، أقبل على رمضان، كن في نهارك صائما، وكن في ليلك قائما. حين يا عبد الله يأتيك ما لا يخطر على بال. ذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في صحيحين، أن مر ابن عبيد قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت المكتوبات، وصمت رمضان، وقمت الشهر، وأتيت الزكاة، أي مالي؟ قال عليه الصلاة والسلام: من فعل ذلك، كان مع الصديقين والشهداء». أبشر يا عبد الله بكل خير إن كان هذا شأنه وإن كان هذا حاله. لكن تأمل يا عبد الله في الشر أن تصوم رمضان كاملا مستوفى، وأن تقوم الليالي بكمالها وتمامها، لا تجعل القيام على هواك وعلى مزاجك. فأقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، إن من عظيم إنعام الله سبحانه وتعالى علينا أن أطال في أعمارنا لكي نحضر مواسم الخيرات والبركات. كم من أناس كانوا أشد منا حرصا وأكثر منا حبا لحضور هذا الشهر، لكن سبقتهم الآجال ووافتهم المنية، وقبضت أرواحهم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور، فما استطاعوا للحضور، بينما نحن قد حبان الله واجتبانا الله من بين خلقه أن أطال في أعمارنا لكي نصلح ما فات. فلله الحمد من قبل ومن بعد. عباد الله، علينا أن نوطن أنفسنا على المسارعة إلى الطاعات والعبادات، وذلك بالمسابقة إلى فعل الفرائض والواجبات، والإقبال على السنن والمستحبات. وأيضا عباد الله، مما ينبغي أن نقبل عليه في رمضان أن نقبل على الله جل وعلا بالدعاء، فإن الله سبحانه وتعالى قد تكفل في هذا الشهر العظيم بإجابة دعوة الداعين، وبإجابة دعاء المضطرين. فما عليك يا عبد الله في هذا الشهر الكريم إلا أن ترفع أكف الضراعة إلى ربك، فتتلذذ بمناجاة خالقك سبحانه وتعالى. سل الله ما شئت من خير الدنيا والآخرة، فإن الله سبحانه وتعالى بيده ملكوت كل شيء جل في علاه. ابدأ بنفسك أن تدعو الله جل وعلا بإصلاحها وتهذيبها، وأن يثبتك على الخط المستقيم وعلى الصراط القويم. وتدعو كذلك لوالديك من الأحياء منهم والميتين، وأن تدعو كذلك لقرابتك ولأرحامك. ولا تنس وأنت في دعاءك أن تدعو لجماعة المسلمين في شرق الدنيا وفي غربها، بأن الله سبحانه وتعالى يرفع عنهم البلاء والفتن والمحن، وأن يدفع عنهم كل سوء ومكروه. وأيضا عباد الله، وأنت في أيام رمضان، أقبل بكل ما تستطيع على كتاب الله سبحانه وتعالى. أقبل على القرآن، وكيف لا؟ فإن رمضان هو شهر القرآن. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. وقد كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه يعتني بالقرآن عناية خاصة في أيام رمضان. فذاك جبريل عليه السلام كان يدارس نبينا القرآن في ليالي رمضان. وعلى هذا درج سلفنا الصالح، فقد كانوا مع كتاب الله سبحانه وتعالى الأعاجيب. فكانوا يقبلون عليه في ليلهم ونهارهم، كانت ألسنتهم لا تفتأ بتلاوة القرآن، يتلذذون بقراءة كتاب الله جل وعلا. حتى تسابقوا على قراءته وعلى تلاوته وعلى ختمته، حتى أن بعضهم لربما في هذا الشهر ختمه عشرات المرات. لكن فليعلم أن ختم القرآن ما ينبغي أن يكون على حساب أحكامه، من تدبر لمعانيه والتأمل في ألفاظه. أفلا يتدبرون القرآن؟ وأيضا يا عبد الله، وأنت في أيام رمضان، لا يكن همك إصلاح ذات البين بينك وبين ربك فحسب، بل كذلك يا عبد الله، كما أنك تُصلِح ما بينك وبين ربك، اصلح ما بينك وبين إخوانك من أهل الإسلام. وذلك بأن تُربي نفسك على الأخلاق الحميدة والآداب السليمة والأقوال السديدة. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم». احرص يا عبد الله على هذا الخلق النبيل في رمضان. احذر أن ترد السبّة بالسبّة، أو الشتمة بالشتمة، أو الوقيعة بالوقيعة، أو اللعنة باللعنة. لا تُجارِ السفهاء، لا تُجارِ الغوغاء ممن لا يبالون برمضان. فما رفعوا له رأسا، وما ألقوا له بالا، فما عظموه، وما وقروه، وما قدروه، ولا احترموه. جعلوا رمضان شهر فوضى، شهر فتن، شهر محاق، شهر تخريب وتدمير وتكسير، شهر اعتداء على الآخرين. انتبه يا عبد الله، يا عبد الله، يكون هذا حالك ويكون هذا منوالك. فليكن يا هذا الشهر عظمته في قلبك، فيظهر ذلك في جوارحك، بأن تكون عليك الوقار، وأن تكون عليك السكينة. إن كان لك عمر يا عبد الله مع الناس، عليك أن تُبذِل الخير لا أن تُبذِل الشر. ابذل يا عبد الله ما تستطيع به من قوة على نفع الناس، على نفع الفقراء والمساكين. احرص يا عبد الله على إفطار الصائمين، احرص على الجود، احرص على البذل، احرص على المعروف. هكذا كان شأن نبيك صلى الله عليه وسلم. ففي البخاري: «كان نبينا أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان». كانت يده صلوات ربي وسلام عليه ممدودة بماذا؟ بالنفقة والصدقة والإعتاق وإفطار للصائمين وبذل للمعروف. قال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: «وأحب الرجل زيادة بالجود في رمضان». اقتداء برسول الله، ولحاجة الناس لذلك. فهذا الذي ينبغي يا عبد الله أن يكون حالك في رمضان مع سائر الناس، أن تكون يا عبد الله على خلق عظيم وعلى أدب رفيع. فإن عجزت يا عبد الله عن هذا الحال، فلا أقل أن تكف شرك وبلواك عن الناس، وخاصة ونحن في هذا الشهر المفضال. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون الخير فيتبعون أحسنه. إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.