الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش هذا الفصل أنواع الاختلاف في التفسير المأثور كما صنفها شيخ الإسلام ابن تيمية، مع التركيز على أمثلة وتطبيقات عملية على هذه الأنواع.
يتناول هذا الفصل التمييز بين نوعي الاختلاف في تفسير الآيات القرآنية، وهما اختلاف التنوع واختلاف التضاد، مع توضيح كيفية التعامل مع كل نوع.
يركز هذا الفصل على كيفية التعامل مع اختلاف التفسير وضرورة الترجيح بالأدلة، مع مثال عملي على ترجيح أحد الأقوال في تفسير آية "غير باغ ولا عاد".
يختص هذا الفصل بمناقشة النوع الثالث من اختلاف المأثور في التفسير حيث يختلف اللفظ والمعنى، ويتطرق إلى آداب ختام الدرس والدعاء بالنفع.
وتفسير بالرأي، والمقصود بالرأي بمعنى الاجتهاد، والتفسير بالرأي ينقسم كذلك إلى قسمين: إلى رأي محمود وإلى رأي مذموم. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "فأما من تكلم -يعني في التفسير- بما يعلم ذلك لغة وشرعًا، فلا حرج عليه"، أي هذا كان اجتهاده تكلم في تفسير كلام الله سبحانه وتعالى بما يعلم باللغة والشرع، فهذا لا عتب عليه. لكن بخلاف التفسير الآخر، وهو التفسير بالرأي، وهو مجرد هوى، مجرد هوى، فهذا تفسير مذموم. كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام". وهذا الذي ابتليت به هذه الأمم المتأخرة في هذه الأزمان المتأخرة، إذ نجد أن أناسًا من أهل الأهواء والبدع والضلالة تسلطوا على كتاب الله عز وجل، ففسروه على معتقداتهم وعلى هوى، ليس هناك أدلة تدل على ما ذهبوا إليه. فهذا تفسير بالرأي، لكنه تفسير محرم. إذن الخلاصة أن طرق التفسير على قسمين: تفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي. والتفسير بالرأي ينقسم إلى قسمين: إلى رأي محمود، وما كان مستنده إلى اللغة والشرع ولقواعد الاجتهاد، وقسم آخر وهو رأي مذموم، وما كان ذلك بمجرد الهوى، فهذا حرام، لا يجوز لأحد أن يفسر القرآن برأيه. قال رحمه الله تعالى: "الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام". القسم الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، اختلاف في اللفظ، أي تجد أن كلمة تفسر بعدة ألفاظ، لكن لو نظرت إلى المعنى تجد أن المعنى واحد. يعني هذا اللفظ، وهذا اللفظ، وهذا، كلها ترجع وتقول إلى معنى واحد. قال رحمه الله تعالى: "فهذا لا تأثير له في معنى الآية"، هذا لا يؤثر في التفسير أصلا. مثاله قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: "قضى" بمعنى "أمر". وقال مجاهد: "وصى". وقال الربيع بن أنس: "أوجب". تأمل إلى هذه المعاني في تفسير معنى "قضى". "وقضى ربك" بمعنى "أمر ربك"، بمعنى "وصى ربك"، بمعنى "أوجب ربك". فهذه تجد أنها تفسير لكلمة "قضى". فقال رحمه الله تعالى: "وهذه التفسيرات معناها واحد أو متقارب"، فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية. فهذا ما في تأثير. وهنا من الخطأ ومن الغلط أن تأتي إلى مثل هذه التفاسير الموجودة في كتب التفسير، ثم تقول: "واختلف العلماء في كلمة قضى إلى ثلاثة أقوال". هذا غلط، لا، هذا التعبير لا يصح. لا تقول: "اختلفوا على ثلاثة أقوال"، لأنه ليس اختلاف، هذا ما يسمى اختلافًا، بل هذا الترادف. فقولهم: "قضى" بمعنى "أمر"، "وصى"، "أوجب"، كلها معاني واحدة. فلا تقول: "وكلمة قضى اختلف العلماء على ثلاثة معان: قيل كذا، وقيل كذا، وقيل كذا". لا تعبر بهذا التعبير، هذا ليس له تأثير في الاختلاف أصلا. وهذا أيضًا يعبر عنه العلماء بما يسمى "بالاختلاف اللفظي". يعبر عنه بعضهم "بالاختلاف اللفظي". فهذا لا يؤثر أصلا في التفسير. قال رحمه الله تعالى: "القسم الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى". هذا الصورة الثانية أن يقع اختلاف في اللفظ بين المفسرين في تفسيرهم لآية من كلام الله، لا تجد أن الألفاظ اختلفت فقط، وكذلك مؤدى هذه الكلمات -يعني المعاني- مؤدى هذه الكلمات يختلف هذا عن هذا. فالألفاظ مختلفة، وكذلك المعاني الموجودة في هذا التفسير، ليس المعنى الموجود في هذا التفسير، وليس المعنى الموجود في هذا التفسير. فالألفاظ اختلفت والمعاني اختلفت. قال: "واختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما". لكن في هذا النوع الثاني من أنواع الاختلاف في الألفاظ والمعاني، أنك يمكن بنظرة واحدة، بنظرة ثاقبة، أنك تجد أن هذه المعاني يمكن أن تجمع، يمكن أن تجمع فيما بينها، ليس هناك تباين، ليس هناك تضاد. هذا سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى بالتمثيل عليه. إذن هذا القسم الثاني من أنواع الاختلاف في كتب تفسير المأثور: أن تجد أن المفسرون يفسرون الكلمات بألفاظ متباينة مختلفة، والمعاني مختلفة، لكن تجد هناك رابطًا يربط الجميع، وتجد أن يمكن لك أن تجمع بين هذه الأقوال في معنى واحد، تجتمع في معنى واحد، يمكن هذا، وليس هناك تباين ولا تضاد. قال: "فتحمل الآية عليهما"، أي على هذه التفاسير المختلفة من الألفاظ والمعاني، وتفسر بهما. "ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل لما تعنيه الآية أو التنويع". وهذا النوع من الاختلاف يعبر عنه بعض العلماء بما يسمى "باختلاف التنوع". باختلاف التنوع. وهذا النوع من الاختلاف الموجود في كتب التفاسير: أن يكون هذا ضابطه أن تجد أن تكون تفاسير تختلف في ألفاظها وفي معانيها، ولكن يمكن يجمع بينهما. وهناك ضابط يقول بعضهم: "اختلاف التنوع ضابطه إمكانية حمل الآية على جميع المعاني التي قيلت فيها". هذا معنى اختلاف التنوع: إمكانية، أي يمكن، ليس هناك كلفة ولا مشقة في الجمع بين الأقوال. لا إمكانية يمكن إمكانية حمل الآية على جميع المعاني التي قيلت فيها، سواء تغايرت هذه المعاني أم لم تتغاير. فهذا ضابط اختلاف التنوع: أنك تأتي إلى ألفاظ أو إلى معاني شرحت بها هذه الآية، وتجد أن هذه المعاني -سواء اختلفت أو لم تختلف- أنك يمكن أن تجمعها على أمر واحد. فهذا يسميه العلماء "باختلاف التنوع". قال رحمه الله تعالى: "مثاله قوله تعالى: ﴿وَتُعَلِّمُهُمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ�َاءَ﴾". إذن هذه الآية في ذكر صنف من الناس، هذا حاله من الهوان: أنه انتكس عن دين الله جل وعلا، وأخلد إلى الأرض. ماذا قال أهل التفسير في معنى هذه الآية؟ قال ابن مسعود: "هو رجل من بني إسرائيل". وعن ابن عباس: "أنه رجل من أهل اليمن". وقيل: "رجل من أهل البلقاء". إذن انظر لهذا التمثيل. عندي هذه الآية، عندما تنظر الأقوال المفسرين، من من يقول: "أن هذا الرجل هو من أهل اليمن". هذا قول. من من قال: "أن هذا من أهل البلقاء، من أهل الشام". هذا قول. وثالث: "أنه من بني إسرائيل". هذا قول. وهذا قول، وهذا قول. إذن هذا اللفظ وما فيه من معنى يختلف عن هذا اللفظ وما فيه من معنى، يختلف عن هذا اللفظ وما فيه من معنى. طب هل هذا اختلاف؟ ما يمكن الجمع. ما هو الجمع؟ أن كل هؤلاء يدخلون في نص الآية، في نص الآية. فأنا أقول: إخواني، في هذه الآية -مثلا- الذي يذكر فيها ربنا جل وعلا في حق من انسلخ من انسلخ عن أمر ربه جل وعلا، وأخلد إلى الأرض، يدخل فيه فلان، بما عرف عنه أنه كان من أهل العلم والتدين، ثم انسلخ عن دين الله وركن إلى أهل الضلال والأهواء، وانتكس عن دين الله. أقول: هذه الآية مثل فلان. فأنا ما أقول: "مثل فلان" هل أعني أن أجعل الآية هي نص في فلان؟ إنما أمثل. وهكذا كان السلف. هذه الآية نزلت، فذكر من ذكر أن هذه الآية في حق فلان، أي هذا من صفاته. ويقول الآخر: "بل هي في فلان"، هذا أي من صفاته. فهذا الذي فسر، وهذا الذي فسر، إنما مثل. ذكر التمثيل، أو ما يسمى "أتباعًا"، تنطبق عليه هذه الآية. فالآية في ذكر عام لصفة أناس إن سلخوا عن دينهم. فجاء من جاء منهم مفسرين، ومثل بهذا الرجل. وجاء آخر مثل. فانظر: هي اختلاف نعم في الألفاظ والمعاني. فهذا الرجل، وليس هذا الرجل، وهذا الرجل هو ليس بهذا الرجل، يختلفون في ذواتهم، وفي ألفاظ معانيهم، لكنهم يجتمعون في معنى الآية. فالآية تجتمل. ولهذا بإمكان المفسر يقول: "وكل هؤلاء يدخلون في الآية". هل يمكن أن أجمع؟ يمكن أن أجمع بين الجميع، ولا أرى في ذلك غضاضة، وليس في ذلك تضاد. لماذا؟ لأن كل مفسر إنما مثل بمثال. ولو جاء رابع، ولو جاء خامس، ولو جاء سادس، وكل مثل برجل في جهة من الجهات. أقول: هذا اللفظ العام يدخل، هذه الألفاظ الإشارية تدخل في هذا اللفظ العام. وهذا ما يعبر عنه العلماء "باختلاف التنوع"، أي أن الآية يمكن أن يتدخل فيها هذه المتغيرات، المتغيرات التي تغيرت في معانيها، لأن المؤدى واحد، واللفظ ماذا؟ يستسيغ الجمع بينها. قال رحمه الله تعالى: "والجمع بين هذه الأقوال أن تحمل الآية عليها كلها؛ لأنها تحتملها من غير التضاد". "ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل". ذكر على وجه التمثيل. ابن عباس، ابن مسعود، ما قال: "أنه رجل من بني إسرائيل"، ما أراد أن هذه الآية نزلت في بني إسرائيل، لا، إنما مثل على بني إسرائيل. ابن عباس قال: "كذلك". وهكذا هذه الآية تتنزل على عدة أناس، لكن من قام بالتخصيص إنما أراد التمثيل، وما أراد الحصر، ما أراد الحصر. قال رحمه الله تعالى: "ومثال آخر قوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾". قال ابن عباس: "دهاقًا" مملوء. ما معنى "دهاقًا"؟ جاء وثبت ذلك عن ابن عباس أنه فسر "الدهاق" بأنه المملوء. وقال مجاهد: "متتابعة". معنى "متتابعة": أي كل كأس يتبع الآخر، كل كأس يتبع الآخر. وهذا في نعيم أهل الجنة. وقال عكرمة: "صافية". أنت لو تلاحظ الآن هذه الألفاظ تختلف في الألفاظ، وفي معانيها. "دهاقًا" من من قال: "مملوءًا". من من قال: "متتابعة". من من قال: "صافية". فصافية هي ليست بمعنى مملوءة، ومملوءة ليس فيها معنى التتابع. إذن كل هذا لفظ مختلف في معنى، وهذا مختلف في معنى، وهذا مختلف في معنى. إذن اختلاف موجود. لكن هل يمكن أن تجمع بين الجميع؟ نعم، يمكن أن تجمع بين الجميع. قال رحمه الله تعالى: "ولا منافى بين هذه الأقوال، والآية تحتملها". فتحمل عليها جميعًا. "ويكون كل قول لنوع من المعنى". إذن ما معنى هذا؟ إذن هذه الكأس التي تعطى لأهل الجنة في نعيمهم أنها اتصفت بهذه الصفات الثلاثة: فهي كأس مملوءة، وهي كذلك متتابعة، وهي كذلك صافية. إذن هذه الصفات كلها في كأس واحد. هل هذا يمكن؟ نعم، يمكن. أنا أقول: كم يقال؟ سأتيك بكأس في نفس الوقت، هذا الكأس مملوء، وهو كذلك هذا الشراب صافي، وهذا الكأس بعد أن تنتهي منه يأتي كأس آخر، كأس آخر، كأس آخر. إذن هذه الصفات الثلاثة بإمكانك أنها تجعل في صفة واحدة. إذن ما الذي صار؟ الذي صار: أن كل مفسر إنما ذكر صفة واحدة من هذا الأمر فقط. هذا ذكر الصفة وأدلى بها، وآخر أتى بصفة وأدلى بها، وشخص أتى بصفة أخرى وأدلى بها. فهذه التفاسير اختلفت في ألفاظها ومعانيها، لكن تجمع كلها في بوتقة واحدة، وفي معنى واحد. فليس هناك تضاد، وليس هناك منافى بين الجمع. وإنما كل عبر عن صفة يراها موجودة في هذا الكأس. هذا يسمع علماء من الاختلاف في الألفاظ والمعاني، ولكن مع إمكانية الجمع، يجمع بحيث ضابط الجمع بأن الآية تشمل هذه المعاني المذكورة في التفسير. هذا النوع الثاني الذي ماذا أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى؟ وهو اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد. مثل بقصة ذاك الذي انسلخ عن آيات الله، فالأقوال التي قيلت فيها من باب التمثيل. وكذلك مثل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾، أن "دهاق" لها عدة تفاسير، وكلها يمكن أن تدخل في معنى واحد. وإنما اختلف التفسير من حيث تعين الصفة، فكله اختار الصفة يراها ملائمة. وإلا فالصفات تعود إلى شيء واحد، إلى شيء واحد. وهذا كله يدخل تحت ما يسميه العلماء "باختلاف التنوع"، وهو إمكانية الجمع بين الأقوال في التفسير، وإن اختلفت المعاني. قال رحمه الله تعالى: "القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل المعنيين معًا؛ للتضاد بينهما". الصورة الثالثة: وهو إذا كان عندي اختلاف اللفظ والمعنى، لكن هنا ما يمكن الجمع، ما يمكن أن أجمع، أن أقول: "هذه الآية" يعني "تحتوي أو تشمل على هذا وعلى هذا". هذا لا يمكن، ما يمكن أن أقول: "هذا القول". على فرق اختلاف التنوع، اختلاف التنوع: أن آتي للتفاسير المذكورة، وهذه الآية تحتمل هذا المعنى وتحتمل هذا المعنى، هذا يمكن. لكن في اختلاف التضاد ما تصل إلى هذا الحد، بل تصل إلى باب مسدود: إما هذا، وإما هذا. لماذا؟ لأن الجمع بينهما فيه تضاد، الجمع بينهما فيه تضاد. وهذا الذي يعبر عنه العلماء "باختلاف التضاد". باختلاف التضاد. وهما القولان المتنافيان الذي لا يمكن القول بهما في الآية الواحدة أبدًا، ما يمكن. بل تصل لما يسميه العلماء إلى الترجيح. يسميه العلماء إلى الترجيح. فاختلاف التضاد مآله الترجيح. على فرق اختلاف التنوع يمكن أن تجمع الأقوال جميعًا تحت آية واحدة. أما التضاد فلا. قال رحمه الله تعالى: "فيحمل الآية على الأرجح منهما بدلالة السياق أو غيره". ثم تأتي قرائن تدل على أيهما الراجح في التفسير: إما دلالة داخلية في كنف الآية، أو دلالة خارجية، أدلة أخرى تبين لك الراجح في تفسير الآية. قال: "مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾". قال ابن عباس: "غير باغ في الميتة ولا عاد في أكله". وقيل: "غير خارج على الإمام ولا عاص بسفره". إذن هذه الآية في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾، وهذا الحكم في حق المضطر. قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾، فلا إثم عليه، أن يجوز لمن كان مضطرًا أن يأكل من الميتة، لكن من وصف المضطر: أن لا يكون باغيًا ولا عادًا. ما معنى "الباغي" والعدوان في هذه الآية؟ هنا جاء التفاسير عن العلماء على قولين اثنين. قيل: "غير باغ" بمعنى "غير طالب"، يعني ليس هو طالبًا للميتة، ليس قاصدًا لأكل الميتة، فهو ليس باغيًا لها، أي ليس مبتغيها. هذا معنى "غير باغ": أي ليس مشتهيًا للميتة، ولا قاصدًا لطلب الميتة، وإنما ألجئ إليها إلجاء. هذا معنى "باغ". فهذا الشرط للمضطر: أن لا يكون مبتغ في أكل الميتة. هذا الشرط الأول: "غير باغ ولا عاد في أكله". معنى "عاد": أي أنه لا يأكل إلا بقدر الضرورة. رجل كان على مهلكة في مفازة، فرأى جيفة، فهو مضطر لأكلها، هو لا يريده. فالأكل هو مضطر، فهو غير باغ مبتغيها. وأيضًا عندما تناول الميتة إنما تناولها على قدر ما يسد به الرمق، ما أكل منها نهمة، ويتعشى منها، ويتحس منها، ويعزم أصحابه منها، لا. إنما أكل منها بقدر الضرورة. فما اعتدى، فما اعتدى في أكله. إذن هذا التفسير لمعنى "غير باغ ولا عاد": أي غير باغ، غير طالب لأكلها، ولا عاد في أكله في أكل الميتة، بحيث أنه إنما أكل بقدر الضرورة. هذا التفسير. تأتي إلى التفسير الثاني الذي ذكره الشيخ محمد بن عثيمين حول من فسر هذه الآية: "غير باغ" بمعنى "غير باغ على إمامه". وهنا "الباغي" مأخوذ من "البغاة"، من "البغاة". فيقول: "معنى تفسير الآية على قول الثاني: أن هذا الحكم لا يدخل حكم الضرورة في حكم من خرج على الإمام". كمن يخرج على الإمام من هؤلاء الذين يتمردون على ولاة أمورهم، وعلى أنظمة دولهم، فيخرجون. فإذا كانوا في مفاوز وفي صحراء، وعندهم ميتة، هذا لا يحل لهم أن يأكلوا منها البتة. لماذا؟ لأنهم "بغاة"، لأنهم "بغاة". فسرة "باغ" من البغي، فهو ماذا؟ من "البغاة". "ولا عاد" أي عاد في سفره. فمن ذهب في سفر معصية، الرجل خرج في سفر معصية، وفي سفر معصية جاءته مهلكة، هل له أن يضطر أن يأكل من الميتة؟ قال: "لا"، لا يجد أن يأكل ميتة. لماذا؟ لأنك في سفر معصية، وهذا اعتداء منك. هذا قول ثاني. إذن عندي "غير باغ ولا عاد" على هذا القول الأول الذي ذكر، وغير "باغ ولا عاد" عن القول الثاني. وهو "الباغي" من "البغاة"، و"عاد" أي أنه ماذا؟ اعتدى في سفره. فهل يمكن أن نجمع؟ ما يمكن أن نجمع. هذا قول، وهذا قول مغاير. إذن عندي اختلاف التفسير. وهذا النوع من اختلاف التفسير: اختلاف التضاد. والقول بهذا ينتفي عن ذلك، والقول بهذا ينفي هذا. إذن يدخل معي ما يسمى "بالترجيح". فأرجح قولًا على قول. فقال رحمه الله تعالى: "والأرجح الأول؛ لأنه لا دليل في الآية على الثاني". نعم، صحيح، هذا ظاهر. وكذلك هناك آيات تدلك على أن المقصود به الأمر الأول. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، دل ذلك على المعنى الأول: أن يجوز أكل الميتة؛ لأن في حق من لم يقصد أكله، وكذلك إنما أكل وهو مضطر، مع عدم الاعتداء في الأكل. هذا هو حكم الشرع في ذلك. أما المعنى الثاني: أنه لا يكون باغيًا على ولي الأمر، وأنه لا يكون كذلك معتديًا أو عاصيًا في سفره، هذا دليل تحتاج تفتق إلى دليل صريح وواضح. ولهذا فالترجيح: أن القول الأول الذي أثر عن ابن عباس هو الصحيح، وهو المعول في تفسير الآية. قال: "ولأن المقصود بحل ما ذكر: دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرم وغير ذلك". مثل الرجل خرج في سفر محرم، أراد أن يحتفل باحتفالات بدعية، احتفالات عند النصارى -مثلا- أو أراد فعل معصية في أرض ما. ففي أثناء السفر جاءته مهلكة، فإنه يدفع ضرورة بأكله، وإن كان عاصيًا في سفره. لكن الآية فيها حكم: أنه له أن يأكل من الميتة. وهذا هو الصحيح. لكن تنظر إلى أن المعاني اختلفت، ولا بد من الترجيح. قال رحمه الله تعالى: "ومثال آخر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾". اختلف العلماء: من هو الذي بيده عقدة النكاح الذي له أن يعفو، يعفو عن حقه؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى: "الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج". هذا قول. وقال ابن عباس: "هو الولي"، أي ولي المرأة. إذن هذا اختلاف موجود. "الزوج" هو ليس وليًا، "الولي" لفظة لها معنى، و"الزوج" لفظة لها معنى. وانظر: هذا الاختلاف جاء عن أئمة التفسير، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى، وعن ابن عباس. وهنا لا يمكن. لو قال: "قال: لا، الآية تحتمل جميعًا". يقول: "كيف تحتمل؟ من هو ولي الأمر؟ من الذي بيده عقد النكاح؟" لو قال: "قال: الذي بيده عقد النكاح هو الزوج ووليها". لا، لا، لا، لا، لا، لا يمكن تجمعه. هذا لا يمكن تختار واحد: إما هذا، وإما هذا. وهنا يأخذ من يسمعون باختلاف الأئمة: أنه لا يمكن أن تحمل آية على التفسير التي قيلت فيها. فلابد أنك تختار واحدًا على الآخر، وذلك بأدلة. قال رحمه الله تعالى: "والراجح الأول، وهو أن الذي بيده عقد النكاح هو الزوج". قال: "دلالة المعنى عليه". "ولأنه قد روي فيه حديث عن النبي". أما يتعلق بالحديث الذي روي عن نبينا في هذه القضية: وهو حديث بمعنى، أو بلفظ: "ولي العقد الزوج". هكذا أثر، وجاء حديث مرفوع عن رسول الله: "بأن ولي العقد الزوج". هذا لا يصح، هذا الحديث لا يصح. قد رواه الدارقطني والبيهقي من طريق عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه. لكن الحديث مداره على ابن لهيعة. لكن الحديث مداره على ابن لهيعة. حديث "ولي العقد الزوج" المرفوع عن نبينا هذا لم يثبت؛ لأنه مدار ابن لهيعة. ولهذا أعله الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في "الإرواء". أعله في "الإرواء". لكن صح عن علي موقوفًا، صح عن علي رضي الله تعالى عنه موقوفًا عليه. إذن فالحديث ما صح. لكن إذا ماذا بقي؟ المعنى. المعنى يدل عليه. المعنى يدل عليه؛ لأن: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ وهي المرأة، فإذا عفَتْ. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. فإن أردنا القسمة الصحيحة، لا بدّك قسمة مقابل طرف الثاني. فالعطف من يقول: بأن الذي بيده عقد النكاح هو الولي. إذا ماذا جعلنا الكفة هنا؟ إما أن المرأة تعفو، وإما أن وليها هو الذي يعفو. إذن ما القسمة الثانية؟ المعنى ما يقتضي ذلك. إنما أن يكون المناصفة: إما أن يكون عفوًا من المرأة عن حقها، وإما أن يكون عفوًا من الزوج لحقه. وهذا الذي أراده معه في قوله: "والراجح الأول لدلالة المعنى". المعنى يدل على ذلك. وهذا الذي ترجحه عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن الذي بيده عقد النكاح هو الزوج، ليس الولي. وهكذا ابن القيم رحمه الله تعالى. فهذا التمثيل المؤلف رحمه الله تعالى حول النوع الثالث من اختلاف المأثور: أن يكون هناك اختلاف في اللفظ والمعنى، ولا يمكن الجمع بينهما. فيكون الجمع حينها يحتاج إلى ما يسميه العلماء "بالترجيح". فهذا إخواني في الله: خلاصة ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من الاختلاف الوارد في التفسير المأثور. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا. نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسن. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.