الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح أهمية اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام والتحذير من عداوة الشيطان. يُؤكد ضرورة معاداة الشيطان ومخالفته لتحقيق محبة الله والهداية.
يُحذّر من اتباع الشيطان ويُشدد على اتباع الصراط المستقيم عبر اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم. يُوضح أن مخالفة سنته تعني اتباع سبيل الشيطان.
يصف كيف يوسوس الشيطان ويشكك الناس في عباداتهم مثل الوضوء والصلاة، مما يؤدي إلى طاعة مفرطة لإبليس وتأثير سلبي على الحياة اليومية.
يُناشد الله السلامة من وسوسة الشيطان ويُنهي بالدعوة للصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشددًا على أهمية تجنب وسوسة الشيطان.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "مكائد الشيطان للمسوسين" وهو شرح لكتاب "ذم الوسواس" للإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله. في هذا الموضع، سيقل الإمام ابن القيم رحمه الله كلام الإمام ابن قدامة. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في كتابه "ذم الوسواس": الحمد لله الذي أدانا بنعمته، وشرفنا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وبرسالته، ووفقنا للاقتداء به والتمسك بسنته، ومن علينا باتباعه الذي جعله علمًا على محبته، وسببًا لكتابة رحمته وحصول هدايته. فقال سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾، وقال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾، ثم قال: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾. فالشاهد من الآية أن الله جل وعلا علق محبته باتباع رسوله، فمن ادعى محبة الله جل وعلا فإن صدق هذه الدعوى يقتضي متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام. ولهذا روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال عند هذه الآية: "إن أقوامًا ادعوا محبة الله جل وعلا فابتلاهم الله بهذه الآية". ورتب الله جل وعلا على اتباع رسوله عليه الصلاة والسلام محبته ومغفرته له. وفي الآية الثانية، بيَّن الله جل وعلا أن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام سبب للهداية: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾. أما بعد، فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوًا للإنسان، يقعد له على الصراط المستقيم ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾. وهذا يدل على شدة عداوة الشيطان للإنسان وأنه قاعد له في كل طريق وسبيل، عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه. وحذرنا الله عز وجل من متابعته وأمرنا بمعاداته ومخالفته، وقال سبحانه: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا﴾. فالشيطان أعدى أعداء الإنسان، وأخبر أنه أقرب الأعداء إليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". ولا يجد عدوًا هو بهذا القرب مثل الشيطان، فلهذا كان أشد الأعداء خطرًا ووسوسة وصدًا عن سبيل الله جل وعلا. وقال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾، يعني لا يفتننكم عن الهدى والصراط المستقيم والهداية والسير على الطريق الذي يوصل إلى الله جل وعلا وجنته ورحمته، فيصيبكم بسبب ذلك كما كان سببًا في إخراج أبويكم من الجنة، آدم وحواء، حين وسوس لهما بالأكل من الشجرة التي نهاهما الله جل وعلا عن الأكل منها. قالوا: أخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرًا لنا من طاعته وقطعًا للعذر في متابعته. وأمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع صراطه المستقيم ونهانا عن اتباع السبل، فقال سبحانه: ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. وصراط الله وسبيله المستقيم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، بدليل قوله عز وجل: ﴿يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم﴾، وقال: ﴿وإنك لعلى هدى مستقيم﴾، وقال: ﴿إنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. إذًا، قوله جل وعلاه: ﴿أن هذا صراطي مستقيمًا﴾ يراد به ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل هذه الآيات. فالله عز وجل وصف نبيه بهذا الوصف بأنه على صراط مستقيم وأنه يهدي إلى الطريق المستقيم. فمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه. ومن خالفه في قوله أو فعله فهو المبتدع متبع لسبيل الشيطان، غير داخل فيمن وعد الله له بالجنة والمغفرة والإحسان. والمسوس كما سيأتي هو غير متبع للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أيضًا مخالف للصراط المستقيم. فصل: ثم إن طائفة من المسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان حتى اتصفوا بوسوسته وقبلوا قوله وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صلى كصلاته فوضوؤه باطل وصلاته غير صحيحة. ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواكلة الصبيان وأكل طعام عامة المسلمين أنه قد صار نجسًا يجب عليه غسل يديه سبعًا كما يجب غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب. وهذا يدل على شدة مسوسة الشيطان لهم واتباعهم له ومخالفتهم لهدي خير الأنام عليه الصلاة والسلام. يرى أنه لو توضأ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لما كان هذا الوضوء صحيحًا، ولو صلى صلاته لما كانت صلاته صحيحة. فلهذا تجده لا بد أن يكرر الوضوء المرة والثانية والثالثة، ويرى أنه ما توضأ حتى يجهد نفسه جهدًا شديدًا. وهذا في الوضوء، وفي الصلاة يكرر النية، وفي قراءة الفاتحة يكررها مرات، ويظن أنه على خير وعلى هدى، ولا يعلم أنه بهذا متبع للشيطان مفارق لهدي النبي عليه الصلاة والسلام. ثم إنه بلغ من تسلط إبليس عليهم أنهم أجابوا إلى ما يشبه الجنون، ويطالب مذهب السفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور المحسوسات -يعني من الفلاسفة- ومن يرى أن ما أخبر به الله عز وجل والنبي عليه الصلاة والسلام من أمور غيبية ليست بحقيقية، ولا يؤمنون إلا بالأشياء المخصوصة التي تدرك بالحواس. في هذا ينكرون وجود الجنة والنار وغير ذلك من الأمور الغيبية. قالوا: علم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضرورية اليقينية. وهؤلاء ينغمس أحدهم في غسل عضوه غسلًا يشاهده بعينه ويكبر ويتلفظ بلسانه بحيث يسمعه نفسه ويعلمه، بل يعلمه غيره من أحواله، ثم يشك ألف مرة في ذلك: أغسله أم لم يغسله؟ يعني بعد أن يتوضأ هو يرى -يعني يديه- يراها بعينه أنه يغسل يده، بعد أن يغسل يقول: هل غسلتها أم لم أغسلها؟ فيعيد غسلها من أول مرة أخرى، ثم يقول: لا، ما غسلتها. الثالثة والرابعة هكذا، حتى إن من يراه يقول: بجنونه. يقول: إن هذا بجنون، ليس بعاقل. وكذلك يشككه الشيطان في نيته وقصده التي يعلمها من نفسه يقينًا، بل يعلمها غيره من أحواله. يعني يقول: إذا أراد الصلاة، ما الذي أقامه؟ ما الذي جاء به حتى يقف في الصف؟ أليس يريد أن يصلي؟ الجواب: نعم، بلا شك. هو يعلم هذا من نفسه، ويعلم هذا من يراه أنه ما جاء إلى هذا الموضع -إلى المسجد- وقف في الصف إلا لأنه يريد الصلاة. ثم يلعب به الشيطان في نويته: نويته، نويته، نويته، نويته، نويته. وإنه يكررها عشرة مرات وأخرى. ومع هذا يقبل قول إبليس في أنه منوسوس، ولأنه أرادها مكابرة منه لعيان وجحدًا ليقين نفسه، حتى تراه مترددًا متحيرًا كأنه يعالج شيئًا يجتذبه أو يجد شيئًا في باطنه يستخرجه، كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس وقبول وسوسته. ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية في طاعته. ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه ويطيعه في الإضرار بجسده، تارة بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإرهاق البدن. وربما فتح عينيه في الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضر ببصره. وربما أرغم نفسه على كشف عورته للناس -يعني مجثمًا مبالغًا في غسل قدميه- ويرفع رجليه حتى ترى عورته. وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزئ به من يراه. وهذا يقع فيه كثير من أنخدع أولاد المسلمين بسبب اتباع الشيطان في هذه الوسوسة. نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية لنا وللمسلمين منها. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.