الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش حكم التلفظ بالنية في العبادات ويعتبره بدعة لم ترد في الشريعة. النية محلها القلب وليس اللسان.
يُناقش أهمية النية في الصلاة وكيف أن الشيطان قد يوسوس للمصلي ويجعله يشك في نيته. النية تكون موجودة أصلا مع إرادة الفعل.
يناقش ظاهرة الوسوسة في الصلاة ويحذر من اتباع الشيطان الذي يزين هذه الأفعال ويبعد عن الهدى. التلفظ بالنية وغيرها بدعة لا أساس لها.
يبدأ بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويشير إلى أهمية النبي في الإسلام وتأكيد على احترام وتقدير المسلمين له.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن قيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشياطين في الوسوسة وذنب الموسوسين»: قال الفصل الأول في النية في الطهارة والصلاة. قال: النية هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلها القلب، لا تعلق لها باللسان أصلا. ولذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه في النية لفظ بحال، ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك، يعني ذكر التلفظ بالنية عند إرادة الوضوء أو الصلاة أو غيرها من العبادات. ما ثبت في ذلك شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن أصحابه. لماذا؟ لأن النية محلها القلب، وهي القصد والعزم على فعل الشيء، فلا دخل لللسان فيها، بل لو نطق الإنسان بلسانه ما يخالف ما نواه في قلبه، فالعبرة بما في قلبه. إذن، تلفظ اللسان وجوده كعدمه، العبرة بما في القلب لأن النية محلها القلب. قالوا: هذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة قد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس، ويريد بالألفاظ التي يتلفظ بها المصابون - يعني التلفظ بالنية - نويت أن أتوضأ أو نويت أن أصلي، ونحو ذلك من هذه الألفاظ التي لم تأت في الشريعة مشروعيتها، ولا الأمر بها. مما تلاعب به الشيطان على الموسوسين. قال: فقد جعلها الشيطان معتركا لأهل الوسواس، يحبسهم عندها ويعذبهم فيها، ويوقعهم في طلب تصحيحها. فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها، وليست من الصلاة في شيء. يعني يتعب ويشق على نفسه: نويت، نويت، نويت، نويت، نويت، عشر مرات وهو ينوي. طيب من كلفك بهذا؟ من الذي كلفك بهذا؟ الله ما أمرك بهذا، ولا رسوله عليه الصلاة والسلام أمرك بهذا. لكن إذا أمروا بهذا الشيطان، فهو متبع ومطيع لشيطان في ذلك، فأتعب نفسه وأجهد نفسه وكلف نفسه شيئا لم يكلف به الشرع، وهو في غنى عنه لأن النية كما سمعنا محلها القلب. قال: وإنما النية قصد فعل الشيء، فكل عازم على فعل فهو ناويه، لا يتصور انفكاك ذلك عن النية، فإنه حقيقتها. يعني من عزم على فعل الشيء فقد نواه، ما يتصور انفكاك النية عن الفعل. كونه فعل هذا الفعل أو أراد فعله فقد نواه. ما يمكن أن يفعله من غير نية. قال: لا يتصور انفكاك ذلك عن النية، فإنه حقيقتها. فلا يمكن عدمها في حال وجودها. ومن قعد ليتوضأ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة. يعني أنت الآن قمت تتوضأ، سمعت الأذان قمت إلى الوضوء. طيب ما الذي أقامك؟ من أجل ماذا قمت؟ وماذا تريد؟ الجواب: يريد أن يتوضأ ويرفع الحدث ويتجهز للصلاة. خرجت من بيتك إلى المسجد، ما الذي أخرجك؟ وماذا أردت بذلك؟ الجواب: أراد أن يصلي. قمت في الصف، لماذا قمت؟ تريد أن تصلي. إذن هذه النية. قال: ولا يكاد العاقل يفعل شيئا من العبادات ولا غيرها بغير نية، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل. ولو أراد إخلاء أفعاله الإختيارية عن نية لعجز عن ذلك. لو أراد إخلاء أفعاله الإختيارية - لماذا قال الإختيارية؟ لإخراج الأفعال الإضطرارية أو التي تكون على جهة الإكراه، على غير جهة الإختيار - يفعلها مكرها. فهذه قد يفعلها بغير نية، كمن أكرها وأخذ مثلا وضرب به إنسان، هو ما عنده اختيار بهذا، وما عنده نية أن يفعل هذا بهذا الإنسان. فهنا يتصور عدم وجود النية في هذا الفعل لأنه غير مختار، وإنما هو مكره أو أخذ ورمي به في بئر، هذا حصل منه الفعل بغير نية لأنه مكره. أما يفعل الفعل مختارا ويكون ماذا يفعله من غير نية، هذا ما يمكن. قال: ولو كلفه الله عز وجل الصلاة والوضوء بغير نية، لكلفه ما لا يطيق، لكلفه ما لا يطيق، ولا يدخل تحت وسعه. يعني ما يمكن أن يقال له صلي بلا نية، ما يمكن. إذا قام توضأ، هذا نية للصلاة. إذا وقف في الصف، نية للصلاة. إذا كبر، ما يمكن أن يصلي بلا نية. قال: وما كان هكذا فما وجه التعب في تحصيله؟ يعني إذا كان الأمر كذلك لا تنفك النية عن الفعل، إذا المدعو إلى التلفظ وإتعاب الإنسان لنفسه بالتلفظ بها. قال: وإن شك في حصول نيته فهو نوع جنون. فإن علم الإنسان بحال نفسه أمر يقيني، فكيف يشك فيه عاقل من نفسه؟ يعني وقف في الصف، بإيه؟ إذا وقفك يعني أنت تشك في نيتك أنك ما وقفت في الصف لأجل الصلاة. ما الذي جاء بك؟ وما الذي أخرجك من بيتك؟ وما الذي جاء بك من عملك؟ هذه نية، هذه نية الفعل وإرادة الفعل. قال: ومن قام ليصلي صلاة الظهر خلف الإمام، فكيف يشك في ذلك؟ يعني أنه يريد صلاة الظهر. طيب أنت وقفت لأجل ماذا؟ لأجل الصلاة، لأجل صلاة الظهر. قال: ولو دعاه داع إلى شغل في تلك الحال، لقال: إني مشتغل، أريد صلاة الظهر. يعني قبل أن يقف في الصف أو عند وقوفه، لو وقف في الصف قال له إنسان: تعال، سيقول: جزاك الله خير، أنا مشغول، سأصلي الظهر، سأصلي الظهر. قال: ولو قال له قائل في وقت خروجه إلى الصلاة: أين تمضي؟ قال: أريد صلاة الظهر مع الإمام. فكيف يشك عاقل في هذا من نفسه، وهو يعلمه يقينا؟ يعني هو يعلم يقينا ما أتى إلى الصلاة. فإذا وقف في الصف قال: نويت، نويت، نويت، جعل يتلفظ من نية ويتلاعب به الشيطان. قال: بل أعظم من هذا كله أن غيره يعلم بنيته بقرائن الأحوال. فإن فإنه فإنه إذا رأى إنسانا جالسا في الصف في وقت الصلاة عند اجتماع الناس، علم أنه ينتظر الصلاة. وإذا رآه قد قام عند إقامتها ونهوض الناس إليها، علم أنه إنما قام ليصلي. فإن تقدم بين يدي المأمومين، علم أنه يريد إمامتهم. فإن رآه في الصف، علم أنه يريد الإئتمام. قال: فإذا كان غيره يعلم نيته الباطن بما ظهر من قرائن الأحوال، فكيف أجهلها من نفسه مع اطلاعه هو على باطنه؟ فقبوله من الشيطان أنه ما نوى، تصديق له أنه ما نوى، تصديق له في جحد العيان وإنكار الحقائق المعلومة يقينا، ومخالفة للشرع ورغبة عن السنة وعن طريق الصحابة. يعني يقول أن الجزم بإرادته لنية الصلاة، هذا يعلمه من يراه، يعلمه من يراه بقرائن الأحوال، فضلا عن معرفة ذلك من نفسه. الذي يرى إنسان جالس في المسجد منتظر لإقامة الصلاة، لا شك إذا رأيته وبقي من الإقامة مثلا دقائق وهو جالس، ماذا يريد أن يفعل؟ جالس في المسجد يريد الصلاة. أنت يعني توقن أنه ما جلس إلا لأجل الصلاة. أقيمة الصلاة فقام مع الناس، ما الذي أقامه؟ يريد الصلاة. وقف في الصف، ما الذي أقامه في الصف؟ يريد الصلاة. أنت الآن برؤيتك له بهذه القرائن تجزم يقينا أنه ما أراد إلا الصلاة. ثم هو في نفسه يشك: هل نواها؟ لم ينوِ؟ هذا ما يعقل أن يقع من إنسان عاقل. قال: فهذا الفعل منه، كونه يشك في نيته مع وجود القرائن التي يعلمها غيره ومن يشاهده بأنه ما أراد إلا الصلاة، هذا يعني فعل يخالف به ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. قال: ثم إن النية الحاصلة لا يمكن تحصيلها، والموجودة لا يمكن إيجادها، لأن من شرط إيجاد الشيء كونه معدوما. فإن إيجاد الموجود محال. وإذا كان كذلك، فما يحصل له بوقوفه شيء. ولو وقف ألف عام، يعني لو بقي واقفا ألف عام، ما حصل شيء غير الذي أراد أن يقف لأجله. ولو كانت النية غير موجودة، لم يستطع أن يجدها لأنها موجودة أصلا. لو وقف ألف عام وينوي بلسانه، ما نفعه ذلك لأن النية موجودة في قلبه ومقرونة مع فعله. قال: ومي العجب أنه يتوسوس حال قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعا وأدرك. ربما يقول بعض الناس: هذا صحيح. الجواب: نعم صحيح، هذا الفعل والوسوسة في بعض الناس هذا أمر واقع. وأنا بنفسي قد صليت بجانب واحد من هؤلاء الموسوسين، كما ذكر رحمه الله. كبرنا للصلاة وهو ينوي: نويت، نويت، نويت، كلما رفع يديه أنزل يديه، كلما رفع يديه أنزل يديه: نويت، نويت، نويت، إلى أن يعني ركع الإمام، قارب الركوع كبر. والله لم يقرأ الفاتحة أو لم يكملها ثم ركع. قال: فمن لم يحصل النية في الوقوف الطويل حال فراغ باله، كيف يحصلها في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة؟ يعني يقول الذي لم يوجد النية في حال السعة، قبل أن يقوم في الصف، قبل أن يقوم في الصف عنده وقت واسع لتحصيل النية وإيجاد النية. الذي لم يحصلها في هذا الوقت الواسع، كيف يحصلها في الوقت الضيق؟ يقوم في الصف وهو يجري إدراك الركعة، ويبقى كما يقال حيص بيص حتى يأتي بالنية، حتى إذا ركع الإمام نوى وتلفظ بالنية. قال: ثم ما يطلبه إما أن يكون سهلا أو عسيرا. فإن كان سهلا فكيف يعسره؟ يعني إذا كانت النية سهلة، فكيف تشق عليه ويتعب ويجهد نفسه حتى يوجدها ويتحصل عليها؟ قال: فإن كان يسيرا فكيف سهلا؟ فإن كان سهلا فكيف يعسره؟ وإن كان عسيرا فكيف تيسر عند ركوع الإمام؟ يعني كيف صار سهلا عند ركوع الإمام؟ قبل الركوع صعب وعسر، ولما ركع الإمام مباشرة لفظ بالنية. ما الذي سهلها في هذا الوقت وعسرها قبل ركوع الإمام؟ قال: وكيف خفي ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من أولهم إلى آخرهم والتابعين ومن بعدهم؟ وكيف لم ينتبه له سوى من استحوذ عليه الشيطان؟ أفيظن بجهله أن الشيطان ناصح له؟ أم علم أنه لا يدعو إلى هدى ولا يهدي إلى خير؟ يعني الشيطان. وكيف يقول في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر المسلمين، وسائر المسلمين الذين لم يفعلوا فعل هذا الموسوس، أهي ناقصة عنده مفضولة؟ أم هي التامة الفاضلة؟ فما دعاه إلى مخالفتهم والرغبة عن طريقهم؟ يعني عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وسائر المسلمين في صلاتهم، الذين لا يفعلون مثل ما يفعل. يأتي مباشرة فيقف في الصف، الله أكبر، ويكبر. طيب هؤلاء جمهور المسلمين من زمن الصحابة، النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن بعدهم، هل هؤلاء كلهم ما أخلصوا النية وما حققوا النية؟ وأنت الذي تريد تحقيقها وإيجادها؟ وهل طريقك خير من طريقهم وفعلك خير من فعلهم؟ وأنت الذي على الهدى وغيرك على غير الهدى؟ قال: فإن قال: هذا مرض، هذا مرض بليت به. فهذا قول الكثير من الموسوسين إذا كلمته يقول: الله، أنا مبتلى، ابتليت بذلك. يقول: هذا بلاء ابتليت به. قال: قلنا: نعم، سببه قبولك من الشيطان، ولم يعذر الله تعالى أحدا بذلك. يعني اتباعه للشيطان. ألا ترى أن آدم وحواء لما وسوس لهما الشيطان فقبل منه أخرجا من الجنة. يعني لما زيّن لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله جل وعلا عن الأكل منها، فاتبعا الشيطان في ذلك، فلم يعذر وعوقب بالإخراج من الجنة. قال: ونودي عليهما بما سمعت، وهما أقرب إلى العذر لأنهما لم يتقدم قبلهما من يعتبران به. لأنهما أصل البشرية، لم يكن هناك أحد قبلهما يتعظون ويعتبرون به بما وقع لهم من مثل ذلك، فهم أقرب إلى العذر من هذا الموسوس. قال: وأنت قد سمعت وحذرك الله تعالى من فتنته وبيّن لك عداوته وأوضح لك الطريق، فما لك عذر ولا حجة في ترك السنة والقبول من الشيطان. قلت: قال شيخنا - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية -: ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه واحدة منها. فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت، أداءا لله تعالى، إماما أو مأموما، أربع ركعات مستقبل القبلة. ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو. يعني كأنه يكبر ينذر الجيش ويصيح في العدو بصوت مرتفع: الله أكبر، كان هو الإمام. قال: كأنه يكبر على العدو. ولو مكث أحدهم عمر نوح عليه السلام يفتشيء من ذلك لما ظفر به، إلا أن يجاهر بالكذب. يعني لو جلس يفتش عمر نوح، ألف سنة إلا خمسين عام، وهو يدور في كتب السنة ودواوين السنة أن يجد شيئا من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابته تلفظوا بذلك، لما وجد، إلا إذا كذب كذبا بحتا. أن أحد الصحابة فعل ذلك. فربما إذا كان عن طريق الكذب، أما أن يجد شيئا ثابتا أبدا. قال: فلو كان هذا خيرا لسبقونا إليه ولدلونا عليه. فإن كان هذا هدى فقد ظلوا عنه، وإن كان الذي كان عليه هو الهدى والحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ يقول: إذا كان بهذا خيرا ما يفعل هذا الموسوس من تعب نفسه وإشقاق نفسه في التلفظ بالنية، لا سبقنا إليه الصحابة رضوان الله عليهم، الذين هم أحرص على الخير، لكن ما فعلوا ذلك. إذن إذا كان هذا هدى، إذا كان هذا الذي يفعله هو الهدى، وما فعله الصحابة رضوان الله عليهم فقد ظلوا عن الهدى، وظلوا عن الهدى، ووجد هذا الموسوس هذا الهدى كما يزعم، وأن له ذلك. إذن الهدى ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وقبل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان ما كان عليه هو الهدى وهو الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ إذن ما عليه هذا الموسوس هو الضلال والزيغ والانحراف عن الصراط المستقيم. فالواجب على من كان مبتلى بذلك أن يرجع وأن يترك ويدع ما هو فيه من الوسوسة. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.