التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 8

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحذير من الإسراف في الماء أثناء الوضوء والغسل

النص يحذر من الإسراف في استخدام الماء أثناء الوضوء والغسل مستنداً إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء. الإسراف في الماء يعتبر من التبذير المحرم.

اقتصاد الصحابة والتابعين في الماء

كان الصحابة والتابعون يتبعون نهج النبي صلى الله عليه وسلم في الاقتصاد في استعمال الماء. كانوا يكتفون بمقدار المد للوضوء والصاع أو خمسة أمداد للغسل.

النهي عن الوسوسة في الوضوء والغسل

يُنصح بالاقتصاد في استعمال الماء أثناء الوضوء وعدم الإسراف فيه. الإكثار من الماء في الوضوء يعتبر من الوسوسة التي نهى عنها العلماء.

الحذر من وسوسة الشيطان وتأثيرها

الوسوسة قد تورط الإنسان في الحرج وتشغل ذمته بالأمور التي يستعملها. يجب الحذر منها واتباع تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»: فصل، ومن ذلك الإسراف في ماء الوضوء والغسل. روى أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: «لا تسرف»، فقال: يا رسول الله، أو في الماء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جار». والحديث ضعيف. قال في جامع الترمذي من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء». وهذا أيضا لا يصح. قال في المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا، وقال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم». وهذا الحديث صحيح. وهذه الأحاديث التي فيها النهي عن الإسراف، وإن كانت ضعيفة، لكن معناها صحيح، فالله عز وجل يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، فالتبذير والإسراف في الماء في استعماله هذا من التبذير المحرم، ومن الإسراف المحرم. قالوا في كتاب الشافعي لأبي بكر عبد العزيز، من حديث أم سعد، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجزئ من الوضوء مد، والغسل صاع». وسيأتي قوم يستقلون ذلك، فأولئك خلاف أهل سنة، والآخذ بسنة في حضيرة القدس، متنزه أهل الجنة. الله أعلم بصحة هذا الأثر. الحديث، لكن الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام من فعله أنه كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، المد من كفي الرجل المعتدل من الماء، كان يتوضأ به النبي عليه الصلاة والسلام، ويغتسل بأربعة أمداد إلى خمسة أمداد تكفيه في الغسل. قالوا في السنة للأثرم، من حديث سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: «يجزئ من الوضوء المد، ومن الغسل من الجنابة الصاع»، فقال رجل: ما يكفيني؟ فغضب جابر حتى تربد وجهه، ثم قال: «قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرا». وهذا حيث أصله في مسلم، في صحيح الإمام مسلم، أنه لما ذكر ذلك جابر رضي الله عنه أن المد يكفي في الوضوء، ويكفي في الغسل الصاع، قال رجل: ما يكفيني؟ فغضب جابر رضي الله عنه، قال: «كان يكفي من هو خير منك، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر منك شعرا». النبي صلى الله عليه وسلم كان له شعر يضرب على منكبيه، ومع ذلك كان يغتسل بالصاع. قال: وقد رواه الإمام أحمد في مسنده مرفوعا، ولفظه عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجزئ من الغسل الصاع، ومن الوضوء المد». وفي صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك. وفي سنن النسائي، عن عبيد بن عمير، أن عائشة رضي الله عنها قالت: «لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا، فإذا تور -التور إناء من نحاس أو حجارة- موضوع مثل الصاع أو دونه، يعني في الحجم، يعني يحمل من الماء قدر الصاع، نشرف فيه جميعا، فأفيض بيدي على رأسي ثلاث مرات، وما أنقذ لي شعرا». قاله في سنن أبي داود والنسائي، عن عباد بن تميم، عن أم عمارة بنت كعب، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فأوتي بماء في إناء قدر ثلثي المد. وقال عبد الرحمن بن عطاء: سمعت سعيد بن المسيب يقول: «إن لي ركوة -الركوة إناء صغير من جلد يشرف فيه الماء- إن لي ركوة أو قدح ما يشع إلا نصف المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه، وأفضل منه فضلا»، يعني يزيد، يبول ويتوضأ من هذا الماء، يعني قادر نصف المد، نصف المد يعني مرتين من ملء اليد. قال: أبول، يعني يستنجي منه ويتوضأ منه ويزيد. قال عبد الرحمن: فذكرت ذلك لسليمان بن يسار، قال: «أنا وأنا يكفيني مثل ذلك». قال عبد الرحمن: فذكرت ذلك لأبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، فقال: «وهكذا سمعنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه الأثرم في سننه، يعني أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الاقتصاد في استعمال الماء وعدم الإسراف والتبذير، فكانوا يكتفون في وضوئهم على قدر المد والمدين، وهكذا أيضا في الغسل على قدر أربعة أمداد أو خمسة أمداد. وقال إبراهيم النخعي: «كانوا أشد استيفاء للماء منكم، وكانوا يرون أن ربع المد يجزئ من الوضوء». ربع المد ليس مدا كاملا، بل ربع المد يجزئ في الوضوء، فإذا حصل يعني إعطاء كل عضو حقه من الغسل، هذا وضوء مجزئ ولو كان بماء قليل أقل من المد. قالوا: هذا مبالغة عظيمة، فإن ربع المد لا يبلغ أوقية ونصفا بالدمشقي. وفي الصحيحين، عن أنس، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد». وفي صحيح مسلم، عن سفينة، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسله الصاع من الجنابة، ويوضئه المد». وتوضأ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق بقدر نصف المد أو أزيد بقليل، القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة، كان يغتسل بقدر نصف المد أو أزيد بقليل، يعني أقل من صاع كان يغتسل بأقل من صاع. وقال إبراهيم النخعي: «إني لأتوضأ من كوز الحب مرتين»، يعني الإناء الذي يوضع فيه الحب. وقال محمد بن عجلان: «الفقه في دين الله إسباغ الوضوء، وقلة إهراق الماء». إسباغ الوضوء يعني إعطاء كل عضو حقه من الغسل مع الاقتصاد في استعمال الماء، وقلة إهراق الماء يعني صب الماء وسقوط الماء في الوضوء يكون قليلا، هذا من فقه الرجل. وقال الإمام أحمد: «كان يقال: من قلة فقه الرجل ولعه بالماء»، يعني كثرة استعماله للماء. وقال الميمون: «كنت أتوضأ بماء كثير، فقال لي أحمد: يا أبا الحسن، أترضى أن تكون كذا؟ فتركته»، يعني قصرت في استعمالي للماء الكثير فترك ذلك. قال عبد الله بن أحمد: «قلت لأبي: إني لأكثر الوضوء، فنهاني عن ذلك، قال: يا بني، يقال: إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان». قال: لذلك غير مرة ينهاني عن كثرة صب الماء، وقال لي: «أقلل من هذا يا بني». وقال إسحاق بن منصور: «قلت لأحمد: نزيد على ثلاث في الوضوء؟ قال: لا، والله إلا رجل مبتلى»، يعني موسوس، ما يزيد على الثلاث إلا من ابتلي بالوسواس، وإلا العاقل الذي يعني هو متبع للشرع، فإنه لا يزيد على ثلاث مرات في الوضوء. قال أسود بن سالم: «الرجل الصالح شيخ الإمام أحمد، كنت مبتلى بالوضوء، فنزلت دجلة أتوضأ، فسمعت هاتفا: يا أسود، يحيا يحيا، عن سعيد الوضوء ثلاث، ما كان أكثر لم يرفع». فالتفت فلم أر أحدا. وقد روى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن مغفل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء». وهذا الحديث صحيح، وهذا من الاعتداء، الوضوء أكثر من ثلاث مرات، هذا يعتبر من الاعتداء في الطهور. فالموسوس يستجده يتوضأ، المرة والثانية والثالثة، الرابع، الخامس، السادس، ربما يغسل العضو الواحد عشر مرات، هذا يعتبر من الاعتداء. قال: فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وعلمت أن الله يحب عباده أن يجتنبوا هذا، أن وضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها الله تعالى، وإن أسقط الفرض عنه، وإن أسقطت الفرض عنه، فلا تفتح له أبواب الجنة الثمانية لوضوئه، يدخل بها من أيها شاء. يعني أن الموسوس وإن زاد في الوضوء هو مخطئ في هذا، وفعله هذا خلاف السنة، وإن كان يجزئه، يعني في الصلاة يحصل به سقوط الواجب، لكن طريقته خاطئة وهو على خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام في فعله هذا، وقوله، فلا تفتح أبواب الجنة لأنه لم يتوضأ الوضوء المطلوب شرعا الذي أمر الله عز وجل به، وأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، لأن أمرنا باتباعه عليه الصلاة والسلام فيما شرع، وهذا الوضوء الذي يتوضأه الموسوس بالزيادة على الثلاث لم يشرعه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ومن مفاسد الوسواس أنه يشغل ذمته بالزائد على حاجته، إذا كان الماء مملوكا لغيره، كماء الحمام، فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، ويتطاول عليه الدين حتى يرتهن من ذلك بشيء كثير جدا، يتضرر به في البرزخ ويوم القيامة، يعني إذا كان يستعمل الماء بالأجرة، فيزيد على قدر أجرته بسبب الوسوسة، فيحمل ذمته شيء هو غني عنه، فبسبب وسوسته يوقع نفسه في الحرج. وكذلك يشغل ذمته بما يحصل له من استعمال هذا الماء والأخذ منه بقدر حاجته التي يحتاج لها. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.