كتاب الأيمان والنذور 1

كتاب الأيمان والنذور 1

الدرس في كتاب الأيمان والنذور 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة كتاب الأيمان والنذور

يستهل المؤلف كتاب الأيمان والنذور بتعريف اليمين لغةً وشرعاً والنذر، مبيناً مشروعية اليمين وأدلة القرآن والسنة والإجماع، مع التنبيه على عدم الإكثار منها إلا لحاجة. ثم يفصل في حروف القسم (الباء، الواو، التاء، الهمزة، الهاء) وضوابط كل منها مستشهداً بأقوال الصحابة.

أحكام الأيمان: الحلف بصفات الله والقرآن

يعرض آراء الفقهاء في انعقاد اليمين بالحلف بصفات الله وبعبارات مثل "لعمري الله" و"آليت بالله"، ويبين جواز الحلف بالقرآن والمصحف. ثم يشرح حديث عبد الرحمن بن سمرة في النهي عن سؤال الإمارة وكفارة اليمين مع تفصيل قصة فتح مكة وأسبابها.

أحكام اليمين والكفارة وشروط انعقادها

يتناول غزوة حنين وعدد الجيش ثم ينتقل لأحكام اليمين والحنث والكفارة، موضحاً أن الكفارة تكون بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة مع جواز تقديمها أو تأخيرها. كما يوضح شروط صحة اليمين من تكليف وقصد وحكم يمين الصبي المميز والمكره والسكران.

حكم يمين الكافر ونذره ومشروعية الاستثناء

يبين أن يمين الكافر ونذره صحيحان عند الجمهور، واختلافهم في الكفارة حيث لا كفارة على من حنث قبل الإسلام وتجب على من حنث بعده. كما يشرع الاستثناء في اليمين بقول "إن شاء الله" فيكون الحالف مخيراً بين الفعل أو الترك بلا كفارة إن استثنى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول تتمة بابي أو كتابي الحدود، وذلك بأحاديث جعلها المصنف رحمه الله تعالى في بابي حد الخمر. وتكلمنا في الدروس الماضية حول هذه الحدود العظيمة التي جعلها الله عز وجل جزاءً دنيوياً لمن وقع في بعض الجرائم والمعاصي، كقتل النفس المحرمة، وهكذا قطع الطريق وإخافة الآمنين والحرابة، وهكذا أيضاً ما يتعلق بالزنا، ويلحق به حد اللواط، والقذف: قذف المحصنين والمحصنات من المؤمنين والمؤمنات. وهكذا أيضاً تكلمنا حول حد الخمر. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد كتابي الحدود كتاباً أيضاً هاماً، ألا وهو كتاب الأيمان والنذور. قال رحمه الله تعالى: "كتاب الأيمان والنذور". مر معنا مادة "كتب" التي تدل على الضم والجمع، ومنه سميت الكتيبة كتيبة في الجيش، وهكذا سمي الكتاب كتاباً؛ لما يضمه من الكلمات والحروف. وهكذا هاهنا: كتاب الأيمان والنذور، أي هذا مكتوب في بيان أحاديث تتعلق بالأيمان، وهكذا أيضاً تتعلق بالنذور. والأيمان جمع ماذا؟ نعم، جمع "يمين". واليمين في اللغة هو بمعنى الحلف والقسم، وأصلها في اللغة من اليد، أي اليمنى، وأطلقت على الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه. وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الأشياء، فسمي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه. وأما في الشرع: فاليمين هي عبارة عن توكيد الشيء المحلوف عليه. اليمين شرعاً هي عبارة عن توكيد الشيء المحلوف عليه بذكر اسم من أسماء الله عز وجل أو صفة من صفاته سبحانه وتعالى. ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن هذا أخصر التعاريف وأقربها. والنذور جمع ماذا؟ جمع "نذر". وذكر العلماء أن النذر في اللغة مأخوذ من الإنذار الذي هو التخويف، فهو في اللغة بمعنى الوعد بالخير أو بالشر. وأما في الشرع: فهو إلزام المكلف نفسه عبادة لم تكن لازمة عليه بأصل الشرع. يلزم المكلف نفسه بشيء، هذا الشيء لم يكن لازماً عليه بأصل الشرع، وإنما لزمه بهذا النذر. على سبيل المثال: نذر لله عز وجل أنه يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع. أصل صيام الاثنين والخميس ليس بواجب، وإنما هو مستحب، لكن بهذا النذر أصبح لازماً واجباً. والعلماء غالباً يقرنون بين الأيمان والنذور، والسبب في ذلك أنهما متقاربان في الأحكام، هناك تقارب كبير بين النذر وهكذا أيضاً بين اليمين في الأحكام. فكل منهما يقصد به التأكيد، لكن اليمين يوجب البر: أن يبر الشخص بيمينه، أو يكفر. أن يبر بيمينه أن يعمل بها، أو يكفر عن يمينه. وأما موجب النذر فهو الوفاء بما نذره، أن يفي بما نذره، ما لم يقصد بذلك النذر الحث على فعل الشيء أو المنع من فعل هذا الشيء، فيكون ههنا حكمه ومجراه مجرى اليمين، فإما أن يقوم به، وإما أن يتحلل منه بكفارة هي كفارة اليمين. وذكر العلماء جملة من الفروق بين اليمين وبين النذر. والمصنف رحمه الله تعالى بدأ ببيان أحاديث تتعلق بالأيمان، ثم بعد ذلك عقد باباً خاصاً يتعلق بالنذور. وبالنسبة للأيمان: فهي مشروعة. اليمين مشروعة، ودل على مشروعيتها آيات القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وفي الآية الأخرى قال: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. وهكذا غيرها من الآيات التي تدل على مشروعية اليمين. وأما في السنة: فأحاديث الباب، وهكذا غيرها من الأحاديث الدالة على مشروعية اليمين. وهكذا نقل إجماع العلماء في الجملة على مشروعية اليمين. لكن لا ينبغي أن يكثر العبد من الحلف، فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. لكن يجوز ويشرع اليمين عند الحاجة، عند الحاجة مثل ماذا؟ هذه الحاجة قالوا: كأن يزيل شبهة، أو ينفي تهمة عن نفسه أو عن غيره، أو إذا احتاج أن يؤكد الخبر. قال: ﴿وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِالَّذِي جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ﴾. هنا تأكيد للخبر. وإلا فالأصل هو المحافظة على الأيمان. وذكر العلماء أن لليمين والقسم حروفاً، من أشهرها ثلاثة عندنا: الباء، والواو، والتاء. هذه الثلاثة هي أشهر حروف القسم. أما بالنسبة للباء: فهي الأصل في القسم، ولهذا تدخل على الظاهر وعلى المضمر. فتقول مثلاً: بالله، وتقول: به، أو بك، إلى غير ذلك. فالباء ذكروا أنها هي الأصل. أيضاً الواو: والواو قالوا تأتي بدلاً من الباء، ولا تدخل إلا على الاسم الظاهر، لا تدخل على الاسم المضمر، لكنها هي الأكثر استعمالاً في القسم واليمين. وكذلك ثالثاً: التاء. وهذه التاء قالوا: تدخل على لفظ الجلالة فقط. هكذا قال الفقهاء: التاء في القسم لا تدخل إلا على لفظ الجلالة. ما هو لفظ الجلالة عندك؟ أحسنت: "الله". فيقول الشخص: تالله أني ما فعلت كذا. وجاء "تالرحمن" في كلامهم، لكن قالوا: هذا شاذ. إذن التاء في القسم لا تدخل إلا على لفظ الجلالة. وماذا ذكروا من حروف القسم أيضاً؟ الهمزة. والهمزة قد تأتي مذكورة وقد تأتي مقدرة، وتدخل على لفظ الجلالة، كقوله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. الله عز وجل: فهذا القسم بالهمزة. ذكروا كذلك أيضاً الهاء: أنها قد تؤتى بها لإرادة القسم. وذكروا مثالاً لذلك: قول أبي بكر الصديق. ما اسمه أبو بكر الصديق؟ أبو بكر كنية، والصديق لقب، لكن ما اسمه؟ نعم، عبد الله بن... وكأني بك تنظر لعم... أحسنت، بحث سريع وظهر الاسم: عبد الله، عبد الله بن... من عندك يا سعيد؟ عبد الله بن... أو ما ذكره صاحب الجوال. طيب، أتيت بخير، ما شاء الله، أحسنت. نعم، نعم، عند الجماعة التي لديك يا أبي الفضل، مباشرة قل ما هو السؤال ونأخذ ونعطي معك. عند صاحبك أيضاً آياب... عبد الله... آياب... آياب... أحسنت، عبد الله بن عثمان. والأسئلة يا إخوان تطرد النعاس، لم يكن عنده شيء من النعاس، فالأسئلة تطرد النعاس وتثبت المعلومة. آآ، أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال في آآ قصة خالد بن الوليد مع بعضهم، لما أراد بعضهم أن يأخذ سلباً، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "لا، هالله، لا هالله، لا يعمد إلى أسد من أسود الله فيعطيك سلبه". والسلب هو ما يأخذ من العدو من سلاح وثياب دروع إلى غير ذلك. فهذه من أشهر حروف القسم. ذكر العلماء: قولوا بعضهم: "وحق الله"، يقول: "وحق الله". أل... هذا يمين منعقدة؟ نعم، الجمهور من أهل العلم على أنها يمين منعقدة؛ قالوا: لأن لله حقوقاً يستحقها لنفسه، ومنها العظمة والألوهية والجلال والعزة وغير ذلك، ومضى هذا الاستعمال بالحلف بهذه الصفة فتنصرف إلى صفة الله تعالى. وخالف أبو حنيفة فقال: لا تنعقد. ومن أهل العلم من جعل الأمر في مثل هذا يرجع إلى نية الحالف: فان قصد بها المعنى الأول وهو الحلف بصفة من صفات الله عز وجل، فتكون يميناً منعقدة، وإلا فلا. وكذلك قول القائل: "لعمري الله"، "لعمري"، "لعمري الله". فذهب بعضهم إلى أنها يمين منعقدة، وإذا لم يقم بها الحالف يترتب عليها الكفارة؛ لأن العمر هو بمعنى البقاء والحياة، وهذه تعتبر من صفات الله عز وجل. وهذا هو مذهب الحنابلة. وهكذا أبو حنيفة: أنها يمين منعقدة. والشافعي رحمه الله تعالى. وهكذا قال بعض الحنابلة: قالوا: إن قصد يعني بها اليمين فهي يمين، وإلا فلا. وقول القائل: "أقسم بالله"، أو "أحلف بالله"، أو "آليت بالله". ماذا معنى "آليت بالله"؟ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. طيب، إيش معنى "آليت بالله" يا أبا إبراهيم؟ أي: حلفت. "الإله" هنا بمعنى الحلف، بمعنى الحلف. فهذا يمين. بل بعضهم ذكر أن قول الشخص لغيره: "أعز بالله"، "أعز بالله"، أو "أشهد بالله"، قالوا: هذا كذلك أيضاً حكمها حكم اليمين المنعقدة. وكذلك أيضاً ذكر العلماء من هذه المسائل: مسألة ما إذا حلف بالقرآن الكريم. قال: "والقرآن". هل يصح هذا اليمين وتنعقد هذه اليمين؟ الجواب: نعم، عامة العلماء على مشروعية الحلف بالقرآن، وأنها يمين منعقدة. لماذا يا إخوان؟ لماذا يجوز الحلف بالقرآن يا أبا خالد؟ ليس بمخلوق، إذن هو ماذا؟ نعم، صفة لله. صفة لله عز وجل. وسبق معنا أن اليمين المشروعة تكون باسم من أسماء الله عز وجل أو بصفة من صفاته، ومن صفات الله عز وجل الكلام، والقرآن كلام الله عز وجل. وذهب الحنفية إلى أنها لا تنعقد، إلى أنها لا تنعقد. وهذا مبني على قول بعضهم: أن القرآن مخلوق، ولا يجوز الحلف بالمخلوق، وهذا باطل. أو ماذا؟ أن بعضهم يقول: القسم به لا يعهد، لم يعهد ولم يأت، وهذا كذلك أيضاً مردود. فعامة العلماء على جواز ومشروعية الحلف بالقرآن. طيب، الحلف بالمصحف؟ يقول واحد: "والمصحف". والمصحف يجوز أو لا يجوز؟ أجازه الإمام أحمد، وهكذا إسحاق وغيرهما. قالوا: أن اليمين تنعقد بذلك؛ لأن الحلف بالمصحف إنما قصد الحالف ماذا؟ المكتوب فيه، المكتوب فيه وهو القرآن. فإنه ما بين دفتيه، أو ما بين دفتي المصحف هو القرآن، وهذا بإجماع المسلمين: أن ما بين دفتي المصحف هو القرآن. فلهذا أجاز الحلف بالمصحف. وأما إذا كان يقصد به الأوراق والمداد وغير ذلك، فهذه أشياء مخلوقة، آآ، لا يجوز الحلف بها، لا يجوز الحلف بها. قال رحمه الله تعالى: "كتاب الأيمان والنذور". قال: عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. قال: وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأتِ الذي هو خير، وأتِ الذي هو خير". وهذا الحديث صحابي، صحابي جليل هو عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، أبو سعيد. صحابي جليل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ذكروا عنه أنه أسلم يوم الفتح، أسلم يوم الفتح، أي يوم فتح مكة. متى كان فتح مكة يا أبا طاهر؟ السنة الثامنة من الهجرة. في أي شهر؟ في شهر رمضان. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وقوله عز وجل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. ما المقصود بهذا الفتح يا أبا جعفر؟ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. هذه نزلت في ماذا؟ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ الآيات. ما المقصود بالفتح هنا؟ طيب، أحسنت، أنت ترفع عندك، أحسنت. المقصود به: صلح الحديبية، الذي كان سبباً لفتح مكة. كيف كان سببا لفتح مكة؟ صلح الحديبية كان سبباً يا أبا الحسن لفتح مكة، كيف ذلك؟ طيب، من بنود صلح الحديبية: أولاً: أن تضع الحرب أوزارها بين الطرفين، كم؟ عشر سنوات. من بنود صلح الحديبية: أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هذا العام من غير عمرة، على أن يعود في العام القادم للعمرة، وليس معهم إلا سلاح الراكب، وهو السيوف في أغمادها، ويبقوا ثلاثة أيام ويخرجوا. من بنود صلح الحديبية: أن من جاء من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً يرده إلى قريش، ومن أتى من المدينة من عند النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش يجوز لهم ضمه وقبوله. من بنود صلح الحديبية: أن من أراد أن يدخل في حلف النبي صلى الله عليه وسلم من القبائل دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل. فدخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل بنو بكر بن سعد في حلف قريش. إذن ممنوع أحد يعتدي على آخر. فأي هذه البنود الأربعة كان سبباً يا أبا أسامة؟ اعتدى بنو بكر على خزاعة. طيب، وساندتهم قريش بالرجال والسلاح، فكان ذلك ماذا؟ أحسنت، كان ذلك نقضاً لصلح الحديبية. انطلق عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة، ووقف على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه، وأنشد أبياتاً مفادها: أن قريشاً نقضت العهد وأخلفت الموعد، وأنها ساندت بني بكر على خزاعة بالرجال وبالسلاح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم". بس هذه الكلمة: "نُصِرْتَ يا عمرو بن سالم". وعندها بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يعد ويجهز الجيش للفتح، وأمر الصحابة أن يخفوا هذا الخبر، ولا يجوز لأحد أن يشيعه أو يخبر أهل مكة به. جاءت بعد ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه، التي كانت سبباً في نزول أوائل سورة... يا أبا فواز، أوائل سورة... نزلت الآيات في قصة حاطب، لما أخبر بعض... لما أخبر بعض أهل مكة بخبر الفتح وما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فنزلت أوائل الآيات من سورة... من سورة... يا أبا حذيفة: الممتحنة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ الآيات. وعبد الرحمن بن سمرة كان من مسلمة الفتح، مثله أبو سفيان وغيره، كثير ممن أسلموا عام الفتح. ولهذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة ومعه كم من الرجال يا أبا نصر؟ كم عدد الجيش؟ عشرة آلاف. في رمضان... في شوال خرج إلى حنين، لأن هوازن وثقيف يجمعون الجموع لحرب المسلمين بمكة بعد الفتح، ويقولون: محمد سيعلم من الرجال الذين هم أهل القتال، ليست قريش، وأرادوا أن يحتلوا مكانة قريش بين العرب. في شوال خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بجيش بلغ اثني عشر ألفاً: عشرة آلاف قدموا لفتح مكة، وألفان قالوا: هؤلاء من مسلمة الفتح. ممن أسلموا عام الفتح: عبد الرحمن بن سمرة، كان ممن غزا خراسان، وفتح كابل وسجستان وغيرها، واستعمل أميراً على تلك المناطق. وهذا الحديث الذي افتتح به المصنف رحمه الله تعالى كتاب الأيمان والنذور يتعلق بأمر، ألا وهو: الكفارة قبل الحنث. ما هو المقصود بالحنث؟ ما هو المقصود بالحنث؟ فلان حنث في يمينه. نعم، الذم... الذم أو الذنب... الذم. طيب، أحسنت. ما هو المقصود بالذم هاهنا؟ أنت حلفت: "قتل الله لا أفعلن كذا". يمين، الواجب عليك أن تفعل. طيب، هل يجوز لك ألا تفعل؟ يجوز. حقت الله لأطعمن من كان في المسجد وجبة عشاء. طيب، هل واجب عليك أن تطعمهم؟ واجب. إذا لم تطعمهم نحن سنغضب أكيد، لكن أنت الحكم الشرعي ماذا؟ ها، كيف؟ طيب، أحسنت. نعم يا بالفضل... ها، نعم، الرجوع عن اليمين: حنث. حلفت أنك تطعم من بالمسجد وجبة عشاء، فبعدها نظرت وحسبت، العدد كبير، سمع من خارج فدخلوا إلى المسجد، ما تستطيع. يجوز لك أن ترجع، إذا رجعت هذا حنث. ماذا عليك إذا حنت؟ كفارة يمين، كفارة يمين. فهذا الحديث يتعلق بهذا الحكم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره: "قال: وإذا حلفت على يمين فرأيت... فرأيت غيرها خيراً منها، قال: فكفر عن يمينك، وآتِ الذي هو خير، وآتِ الذي هو خير". فمن حلف يا إخوان على أن يفعل أمراً، أو حلف على أن لا يفعل أمراً آخر، ثم فكر وقدر ونظر، فإذا الأصلح والأنفع هو أنه لا يقوم بهذا الذي حلف عليه، الذي حلف عليه... حلف أنه يذهب إلى الفيوش مثلاً، قال: والله قد أنسى، أذهب إلى الفيوش. طيب، وبان له أن الأصلح أنه لا يذهب، عنده دروس وإلى غير ذلك. فهنا هنا ماذا يفعل؟ لا يذهب، ويكفر عن يمينه، كفارة يمين، كفارة يمين. هذه الكفارة جاء بيانها في قول الله عز وجل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. آآ، هنا ماذا تفيد "أو" هنا يا باب محمد؟ ماذا تفيد "أو"؟ يعني أقول لك: افعل كذا، أو افعل كذا، أو افعل كذا. ألا أنا ماذا؟ تخيير. أحسنت، "أو" هنا تفيد التخيير. أنت مخير بين أحد الثلاثة: إما أن تطعم عشر مساكين، وإما أن تقوم بكسوتهم ثياباً، وإما أن تعتق رقبة. طيب، بعدها قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. إذن الإطعام... لا يكون إلا إذا عجز عن هذه الأمور الثلاثة. ومن الأخطاء التي يقع فيها الكثير: أنه إذا حلف فحنث، فماذا يفعل؟ مباشرة يذهب إلى الصيام. لا، ما يجوز إلا إذا تعذر القيام بأحد هذه الثلاثة: إطعام، كسوة، تحرير رقبة. بعدها ينتقل إلى الصيام. بالنسبة لمن حنث: يجوز له أن يكفر قبل أن يحنث، قبل أن يحنث. أب... حلف أنه يضرب ولده، قال: والله لأضرب، لأضرب الليلة. ثم هدأ الغضب والنفس، ماذا هدأت؟ فبان له أن لا يضرب هذا الولد. فيجوز يا إخوان أن يكفر قبل الحنث، ويجوز أن يكفر بعد الحنث. شخص قال: والله لا أكلم فلاناً، لا أكلم فلاناً. طيب، يجوز له إذا أراد أن يحنث: يجوز له أن يكلم هذا الشخص ثم يكفر، ويجوز له أن يكفر ثم يكلمه. كلا الأمرين يعتبر جائزاً، يعتبر جائزاً. وقد ذكر العلماء من المسائل المتعلقة باليمين: من هو الذي تصح منه اليمين؟ الذي إذا حلف يلزمه الوفاء، فإن حنث عليه كفارة يمين. قالوا: اليمين، أو الشخص الذي تصح منه اليمين هو المكلف. وقلنا: ماذا يعنى بالمكلف؟ ما هو المقصود يا خان علي بالمكلف؟ البالغ العاقل، البالغ العاقل. أيضاً القاصد لليمين، وليس مجرد لغو. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾. اللغو هذا كما سيأتي معنا إن شاء الله في أقسام اليمين، ماذا؟ لا يقصد به اليمين، وإن كان لفظه لفظ اليمين، فلا يلزمه، ولا يترتب على الحنث... أو الحنث فيه كفارة. طيب، وإنما إذا كان قاصداً لليمين، إذا كان قاصداً لليمين. فالمجنون لو حلف لا تصح يمينه، والطفل غير المميز قالوا أيضاً: لا تصح يمينه. واختلفوا في المميز، يعني ابن عشر سنوات مثلاً، تسع سنوات، وهم نصوا على العشر. إذا حلف الصبي الذي بلغ عشراً فما فوق ولم يبلغ بعده، قالوا: مثل هذا... مثل هذا إذا حنث، يخرج عنه كفارة، تخرج عنه كفارة. وهذه الكفارة هي كفارة يمين، إن كان له مال أخرجت الكفارة من ماله. لماذا يا إخوان؟ قالوا: لكي يتعود على تعظيم الله عز وجل، وهكذا تعظيم اليمين. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، قال: وفرقوا بينهم في المضاجع". أخذ العلماء من هذا الحديث أن سن السبع هو سن التعليم، وأن سن العشر هو سن الإلزام، سن العشر سن الإلزام. ولهذا قالوا: الصبي إذا حلف وقد بلغ عشراً أو ما فوق العشري ولم يبلغ بعد، قالوا: هنا يلزم. وهذا الإلزام ليس كإلزام البالغين، ليس كإلزام البالغين. لكن هنا لكي يتعود على الطاعات والعبادات، وتعظيم الله تبارك وتعالى، وتعظيم شعائره، وتعظيم شعائره. اختلف العلماء في يمين المكره. اختلف العلماء في يمين المكره: إذا أكره شخص على اليمين، فالجمهور من أهل العلم على أنها لا تصح، على أن اليمين لا تصح منه؛ لأنه غير مريد لليمين. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وهذا ليس بقاصد، وإنما هو يعتبر مكرهاً. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾. فيمين المكره لا تصح ولا تنعقد، وهذا عليه الجمهور من أهل العلم، منهم الشافعي ومالك وأحمد. وخالف أبو حنيفة، فذهب إلى أنها تنعقد؛ لأنها يمين من مكلف، لأنها يمين من مكلف. اختلف العلماء كذلك في يمين السكران: سكران وحلف على أمر، هل تنعقد هذه اليمين؟ وهل إذا حنث تلزمه الكفارة؟ خلاف مشهور بين العلماء. وقد مر معنا أن السكران على نوعين وحالين: سكر معه يعقل صاحبه، يعي ما يقول ويعقل ما يفعل، هذا مكلف، هذا مكلف. بينما آخر من كثرة السكر لا يعي ما يقول ولا يعقل ما يفعل، هذا حكمه حكم... هذا حكمه حكم... يا أبا الفضل: المجنون. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ، أو ماذا؟" النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "رفع القلم عن ثلاثة"، وذكر منهم: "المجنون حتى يعقل". أيضاً بالنسبة ليمين الكافر: كافر حلف على أمر، فهل يمينه صحيحة؟ الجواب: نعم، يمينه صحيحة، وهذا الذي عليه أكثر العلماء. قالوا: كما أن نذره صحيح أيضاً. ماذا؟ يمينه تعتبر صحيحة، تعتبر صحيحة. وما هو الدليل على صحة نذر الكافر؟ ما هو الدليل؟ نعم، يا بلحسن... أنه يذبح إبلاً ببوانة. طيب، ليس فيه أنه في الجاهلية، لكن أصرح من هذا يا بوسامة... عمر بن الخطاب، ما له؟ نعم، عمر رضي الله تعالى عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة، وفي بعضها يوماً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قال له ماذا؟ أمره أن يفي بنذره، مع أنه في الجاهلية. وهذا هو الذي ذهب إليه الشافعي وأحمد وغيرهما. لكن الذين يقولون بصحة يمين الكافر، اختلفوا فيما إذا حنث: هل عليه كفارة أم لا؟ إذا حنث، هل عليه كفارة أم لا؟ ذكروا أنه إذا حنث... إذا حنث قبل الإسلام، فهذا لا كفارة عليه. إذا حنث قبل الإسلام، فهذا لا كفارة عليه. وأما إذا حنث بعد الإسلام، فإنه ماذا؟ تلزمه الكفارة، فإنه تلزمه الكفارة. وذلك لأن الإسلام يهدم ما قبله، يهدم ما قبله، يهدم ما قبله. فهذا بالنسبة لما يتعلق بيمين الكافر. قلنا: الصحيح وهو الذي عليه الجمهور أن يمينه صحيحة، كما أن نذره يصح. واختلفوا أيضاً القائلين بصحة هذا اليمين في الكفارة إذا حنث، فقالوا: أو ذهب بعضهم إلى أنه إذا حنث قبل الإسلام، أي قبل أن يسلم، فلا كفارة عليه؛ لأنه إذا أسلم فإن الإسلام يهدم ما قبله. وأما إذا حنث بعد أن أسلم، فقالوا: هذا يلزمه... آه، ماذا؟ يلزمه... آه، يلزمه الكفارة. وهذا الذي ذهب إليه الشافعي وغيره، وهو الأقرب والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى: في الحديث الثاني من أحاديث هذا الباب: قال: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني والله، إن شاء الله، إني والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها". آآ، الحديث. الحديث الثاني من أحاديث الأيمان والنذور. صحابيه: أبو موسى اليماني، آآ، فخر لأهل اليمن. قال النبي صلى الله عليه وسلم له: "لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود"، كان حسن تلاوة للقرآن. أبو موسى الأشعري، يا أبا معاوية: عبد الله بن... بن قيس. أحسن، أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قيس، اليماني. مر معنا شيء عن ترجمة هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث يتعلق بمسألة تسمى: الاستثناء في الأيمان، تسمى الاستثناء في الأيمان. فما هو المقصود بالاستثناء في الأيمان؟ ما هو المقصود بهذا؟ كيف يستثني الواحد منا في يمينه؟ نجيب عندك: كيف الاستثناء في الأيمان من لفظ الحديث الذي بين أيدينا؟ قال: "إني والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها". نعم، نجيب، أحسنت: أنه إذا حلف يقول: "إن شاء الله". أنه إذا حلف يقول: "إن شاء الله". قال: "والله غداً أذهب الشحر، إن شاء الله". طيب، هنا استثناء في يمينه، يعني: إن ذهب فبها ونعمة، وإذا لم يذهب ليس عليه كفارة، ليس عليه كفارة يمين. هذا يسمى استثناء في اليمين. وهذا الحديث فيه جواز: أولاً، الحلف من غير استحلاف، بل لتعظيم أو تأكيد المحلوف عليه. وهكذا فيه جواز الاستثناء في اليمين، أنه يحلف ويقول: "إن شاء الله". وهنا يكون بعد ذلك مخيراً بين فعل ما حلف عليه أو ترك ما حلف عليه. فإن ترك الذي حلف عليه، هذا لا كفارة عليه. وهكذا أيضاً في هذا الحديث: جواز... أو أن من حلف على شيء ورأى غيره خيراً منه، أن يأتي الذي هو خير، أن يأتي الذي هو خير. فإن كان استثنى، فلا كفارة عليه. وإن كان لم يستثني، فتلزمه الكفارة، تلزمه الكفارة. فهذا مما يتعلق بهذا الحديث الثاني، بهذا الحديث الثاني. واليوم يا إخوان لا تنعقد إلا إذا كانت بالله عز وجل، باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، أو بصفة من صفاته، كما سيأتي معنا فيما يتعلق به حديث عمر رضي الله تعالى عنه، حين أنهاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلف بأبيه، وقال له: "فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت، أو ليصمت". وآسية معنا كذلك أيضاً خطورة الحلف بغير الله عز وجل، كائناً من كان، كائناً من كان. يأتي معنا الكلام عن ذلك إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. طيب، إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.