الدرس في شرح كتاب التوحيد 186، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بآية التوكل على الله "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" ويبين أهمية التوكل في الحياة. يُفسر التوكل بصدق الاعتماد على الله دون الالتفات إلى الأسباب أو الذوات.
التوكل على الله يكفي العبد لجلب المنافع ودفع المضار، مع التأكيد على أهمية فهم أن تحقيق المراد يتوقف على قضاء الله وقدره. يُعد التوكل من المقامات الواجبة ومكملات التوحيد.
الحكمة الإلهية قد تقتضي تأخير تحقيق المراد وفقاً لوعده النافذ، ويؤكد على أهمية الصبر والتريث في انتظار تحقيق المراد مع التوكل على الله.
يُختتم الشرح بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهو لا يزال رحمه الله تعالى في هذا الباب يُرِد علينا الأدلة الدالة على وجوب مقام التوكل، وأنه من المقامات الواجبة، وهي من مكملات التوحيد. فقال ربنا جل وعلا: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، وهذه الآية فيها فضيلة من أعظم فضائل التوكل على الله. من الذي عسى لواحدٍ منا أن يُجنيه إذا اعتمد على ربه جل وعلا في قضاء أموره وحوائجه؟ فقال سبحانه وتعالى: ﴿ومن﴾، من صيغ العموم، يدخل في ذلك كل أحد، لا فرق بين صغيرٍ ولا كبير، ولا بين ذكرٍ ولا أنثى، ولا بين عظيمٍ ولا حقير، ولا بين عالمٍ ولا جاهل، ولا بين صالحٍ ولا طالح، أي أحد يطرق هذا الباب، فإن الله جل وعلا سيتفضل عليه بهذا الفضل. فقال سبحانه: ﴿ومن يتوكل على الله﴾، مر معنا في هذه الدروس أن التوكل على الله بمعنى صدق الاعتماد على الله، بأنك تصدق في اعتمادك وتفويض أمورك على ربك جل وعلا، لا تلتفت عن ربك يمنةً ولا يسرة، فلا تلتفت إلى الأسباب ولا إلى الذوات، وإنما اعتمادك في أمرك على الله جل وعلا. هنا قال: ﴿ومن يتوكل على الله﴾، يتوكل على الله في ماذا؟ يتوكل على الله في ماذا؟ لم يذكر هنا المعمول، محذوف وتقديره: ومن يتوكل على الله في كل شيء، في أي مقام، في أي حاجة من حوائجك يا عبد الله، تعتمد على الله فيها، توكل على الله، سواء كان في أمر ديني، توكل على الله، رجل همه ما كان من شقاوة أهله وعياله، اعتمد على ربك يا عبد الله واستعن بالله في تربية أهلك، يعينك الله، أو شق عليك حفظ القرآن وحفظ السنة وتلقي العلم الشرعي، اعتمد على ربك في هذا الباب واستعن بالله، فالله يعينك. وهكذا قسما، أراد أن يبني مسجدا، جمع المال وسعى في أن يبني بيتا قرة عين أهل هذا الحي، اعتمد على الله يعينك الله، في أي أمر ديني اعتمد على الله فالله يعينك، أو كان توكلك في أمر دنيوي كذلك، اعتمد على الله في أمر دنيوي، كآراد من يسعى في أرض الله طلبا للرزق والمال والتجارة، يا عبد الله اعتمد على الله، لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم، الرزق يأتيك بالتوكل، الأرزاق وحظ الدنيا. أردت أنت النجاح في المدرسة في الكلية في الجامعة في مضمار الحياة، أردت أن ترتقي في الوظيفة، اعتمد على الله، لا تبعد ربك جل وعلا حتى في حظوظ الدنيا، لأن الدنيا والدين بيد الله، وهكذا توكل على الله في جلب المنافع، جلب المنافع سبيلها الاعتماد على الله، كمن أردت من جلب المنافع أن تجلب لنفسك الغناء، الصحة، العافية، الأمن، الأمان، السلامة، النصر، الظفر، اعتمد على الله في جلب المنافع ستنالها. أو كذلك يا من أردت أن تدفع عن نفسك المفاسد، أردت أن تدفع عن نفسك المضار، اعتمد على الله في دفعها يعينك الله، يا من أردت أن تدفع عن نفسك الشر والضر من مرض، من آفة، من سقم، من فقر، من ضيق، من شدة، من كربة، من تسلط عدو، اعتمد على الله فالله يكفيك، لأن الله قال: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، هذا جواب الشرط، ما مضى فعل الشرط، فمن توفر فيه فعل الشرط فأصبح معتمدا حق الاعتماد على الله، فالله يحقق رجاه، فهو سبحانه وتعالى حسيبه. والجزاء من جنس العمل، يعاملك الله جل وعلا بالمثل، فمن اعتمد على الله كفاه الله ووقاه وشفاه وعافاه سبحانه وتعالى، فهو حسبه. ومر معنى في درس أمس معنى الحسيب، أي الكافي، فالله يكفيك في أمر الدنيا، الله كافيك في أمر الدين، الله كافيك في جلب المنافع ودفع المضار، فالله كافيك في أي حال اعتمدت على ربك جل وعلا، فالله يكفيك، يكفيك يا عبد الله. لكن هنا مسألة إخواني في الله، ألا وهي: فإن من التوكل على الله أن الله يكفيك، قد يقول قائل: أحيانا نجد أن الناس يعتمدون ويتوجهون إلى الله لا إلى رب سواه، لكن ما يحقق الله ما نراه كما نراه في مثل هذه الأزمان المزرية والأوضاع المخزية، وما كان من تسلط اليهود الصهاين على أهل الإسلام ضربا وقصفا، ونحن انفوضنا أمورنا إلى الله، ندعو الله ليل نهار في مساجدنا في دعائنا في قيامنا في خطبنا في كل أوقاتنا، لازلنا نلح على الله بالدعاء، لكن ما تحقق شيء مما أردناه من ربنا جل وعلا. فيقال: يا عبد الله، الله عز وجل وعد، ووعده حق النافذ، لا شك في ذلك ولا ريب، ولا يرد، لكن هناك أمر لا بد أن يقع قبل ما يقع ما تؤمله أنت، هناك أمر أراده الله، وما هو قضاؤه وقدره، قضاؤه وقدره، ولهذا في هذه الآية في سياقها قال الله: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾، ذكر جماعة من المفسرين كالإمام السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية ما ذكر من كفاية الله لعباده إذا توكلوا عليه. أن الحكمة الإلهية أحياناً تقتضي التأخير في تحقق المراد، المراد الذي نريده يتأخر أحياناً، حقق يا عبد الله الأمر في هذا الواقع الملموس يتأخر، لماذا يتأخر؟ يتأخر، الحكمة الإلهية، ما المراد؟ ذكر إمام السعدي هذه الآية: ﴿إن الله بالغ أمره﴾، هناك أمر أراده الله أن يقع ولابد أن يقع، لابد أن يقع، فيقع التأخير، يقع التمديد، يقع التأخير ويقع التمديد مع وجود الأسباب، منها من صدق الاعتماد وصدق الدعاء والالتجاء إلى الله، إلا أن الله يؤخر المراد لكي يحقق الله جل وعلا وعده النافذ، وما كان من أمره وقضائه وقدره في خلقه ومخلوقاته، هذا لابد أن يقع لحكمة، وكل أفعال الله مبنية على الحكمة، لكل شيء قد جعل الله لكل شيء قدر، فكل شيء له قدر. فيأتي المراد الذي نريده من الله يأتي في حينه، في حينه، ولهذا تأمل في من هم من أم من هم أفضل منا حالا، تضرعوا إلى الله وتوكلوا عليه ورجوه بكل قلوبهم، قال الله جل وعلا: «حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله»، شدة صدق الاعتماد على الله، ما التفت إلى غيره، تأخر النصر، قال: «إن نصر الله قريب»، سيأتي في وقته في حينه، لكن لحكمة، لحكمة أرادها الله جل وعلا أن يؤخر المراد الذي نحن نريده لأمر أراده الله جل وعلا. ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾، لكل شيء قدر، الباطل ما يدوم، ما يدوم أبدا، له فترة، سيضمحل ويزول. وهذه الآية التي بين أيدينا في قول المؤلف رحمه الله: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، كذلك هي شبيه بما جاء في قوله تعالى: ﴿وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا﴾، جل في علا، توكل على الله، فوض أمرك على الله جل في علا، وتوكل على الله، وكفى، وكفى بالله وكيلا، قال المفسرون: تقدير الآية: وكفى الله وكيلا، الفاعلية لله، فهو الفاعل، الوكالة والحماية، وكفى الله وكيلا، أي كفى، أعظم كفاية هي لله، أعظم كفاية هي كفاية الله لخلقه، فاعتمد عليه يا عبد الله. فهذه الآية التي بين أيدينا من أعظم الآيات التي تدل على فضيلة التوكل على الله، وأنا من صدق مع الله في اعتماده ورجائه في دينه ودنياه، وفي جلب المنافع ودفع المضار، فالله جل وعلا سيكفيه ما أهمه في دينه ودنياه وأخرى. وإنما عليك يا عبد الله بالصبر والتريث، ولا تفقدن الأمل بالله، فإن وعد الله حق ولن يخلف الله وعده، ولكن لحكمة، لحكمة لربنا عز وجل، أخر المراد الذي يراد يريده العباد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.