الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 69، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع كتابين رئيسيين في مراتب المدلسين: «تعريف أهل التقديس» لابن حجر و«تحفة الرسوخ» للعنصاري، مع بيان خلاف ابن حجر في مرتبة الأعمش بين الكتابين وترجيح كونها الثالثة لكثرة تدليسه، والإشارة إلى قصيدة محمد آدم الجامعة لأسماء المدلسين.
يشرح المقطع نوعي الإرسال: الظاهر الجلي والخفي، ويميز الإرسال عن التدليس مبيناً أن الإرسال ليس طعناً في الراوي لكن قد يسقط الرواية، ويستعرض أسباب كثرة الإرسال عند التابعين وأقسام من يروى عنهم بالإرسال الأربعة وأحكام كل قسم.
يبيّن المقطع أن الإرسال قد يكون لثقة الراوي في شيوخه أو نسيان السند أو للاختصار في المذاكرة والفتوى، ولا يُحكم على المرسل بحكم عام بل يُنظر في المتابعات والشواهد، مع التمييز بين إرسال الثقات وإرسال من يروي عن ضعفاء أو مجهولين.
يُبيّن المقطع سبب تضعيف المحدثين لعطية بن سعيد العوفي، حيث كان يدلس فيقول: «حدثني أبو سعيد» قاصداً الكلبي لا الصحابي أبا سعيد الخدري، مما أوقع الناس في الغلط وحملهم على رد حديثه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المؤلف: أهم الكتب في معرفة مراتب المدلسين: «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس». اعتبر الحافظ ابن حجر تقسيم العلاء لمراتب المدلسين في كتاب «جامع التحصيل في أحكام المرسل» أساساً لتصنيفه، فرتب هذا الجزء على ذلك، حيث يذكر في كل مرتبة أسماء أصحابها، وقد بلغ مجموعهم 152 راوياً مدلساً. طيب، أولاً: هذا الكتاب وهو من أهم هذه الكتب التي ألفت في هذا الباب هو «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس». وبنى الحافظ ابن حجر كتابه على تقسيم العلاء في «جامع التحصيل»، فقد سماه العلاء على خمسة أقسام، وذكر المرتبة الأولى والثانية ممن لا يضر تدليسهم، والمرتبة الثالثة والرابعة والخامسة ممن يضر تدليسهم. وذكر في كل مرتبة من وصف بها من الرواة، وإن كان مثلاً في بعضهم قد يناقش، وقد يختلف مع الحافظ في ذكرهم، لكن هذا اجتهاد منه رحمه الله لتقريب هذه المسألة، وقد انتفع به الناس كثيراً في التخريج وفي غيره. قالوا: مثال ذلك. قال: لكن قد اختلف اجتهاده في عدد من أولئك المدلسين في كتابه «النكت على كتاب ابن الصلاح»، وهو متأخر في التأليف عن كتابه «تعريف أهل التقديس»، والظاهر أن «النكت» لم يكمله، والظاهر أن وافته المنية قبل أن يكمله. قالوا: مثال ذلك: أنه ذكر سليمان بن مهران الأعمش في المرتبة الثانية في كتابه «تعريف أهل التقديس»، وذكره في المرتبة الثالثة في كتابه «النكت على كتاب ابن الصلاح». والظاهر أنها الثالثة، الظاهر أن الأعمش في الثالثة. لكن الحافظ ذكره في الثانية لأن تدليسه أكثره لا يضر؛ أكثر تدليس الأعمش لا يضر لأنه يدلس عن مشايخه المعروفين كأبي وائل وإبراهيم النخعي، وهؤلاء يُقبلون. أبو صالح... فإنه كما قال البخاري: «لا يكاد يدلس». لكن إذا روى عن من لم تشتهر روايته عنه فهذا غالباً يضر، مثلاً روايته عن مجاهد وعن كذا. فلذلك فهو في هذه المرتبة... وهذه المرتبة، فلعل الحافظ من هذا الباب ذكره في المرتبة الثانية. لكن الصحيح أنه يكون في المرتبة الثالثة؛ لأن الأصل فيه عدم قبول روايته إلا بالتصريح، هذا الأصل، لأن تدليسه يكثر، فلذلك فهو في الثالثة أولى. ولعل المؤلف هنا أراد مثالاً مما ينتقد عليه في كتابه. الثاني: «تحفة الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ» للشيخ حمد بن محمد العنصاري، وهو مرتّب على الحروف، وجامع لما فيه ثلاث رسائل في أسماء المدلسين: للحافظ ابن حجر، وبرهان الدين الحلبي، والسيوطي. وقد بلغ عددهم لديه 161 راوياً مدلساً. وقد ذكر أيضاً الشيخ محمد آدم... له قصيدة جمع فيها هذه الكتب، له قصيدة في المدلسين، وهي أشمل ما ألف في هذا الباب. قال: الوجه الثاني: كثرة الإرسال. أنا هنا أولاً: التدليس من ما لا يتعلق بالعدالة ولا بالضبط غالباً، ومن ذلك أيضاً كثرة الإرسال. والإرسال نوعان: هما الإرسال الظاهر الجلي، والإرسال الخفي. أما الإرسال الظاهر الجلي فقد تكلمنا عليه فيما قبل، وهو رواية التابعي عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا إرسال يسمى إرسالاً جلياً. والإرسال الخفي: قال: فأوله ما يعرف بعدم المعاصرة بين الراويين، إذا كان لم يعاصره ولم يدرك وقته، فهذا يعتبر جلياً... إرسالاً جلياً. والثاني: يعرف بعدم اللقاء بينهما مع تحقق المعاصرة، وأن يروي المعاصر عن معاصره ولم يثبت لقاؤهما، فهذا يعتبر إرسالاً خفياً. وكما هو معروف أن الفرق بينه وبين التدليس: أن التدليس أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، والإرسال أن يروي عمن عاصره ما لم يلتق به. وذكر هذه المرتبة أو هذا الأمر ابن الصلاح في التدليس، ابن الصلاح جعل ذلك من التدليس، والصحيح أنه ليس من التدليس، وإنما هو من الإرسال الخفي، حتى يميز بينه وبين التدليس. وقد أكثر كثير من التابعين في كثرة الإرسال، كثروا في الإرسال، فقيل في كثير منهم: كثير الإرسال. وهذا ليس طعناً في الراوي، ليس طعناً في الراوي على الصحيح، لكنه قد يكون مسقطاً للرواية، قد يكون مسقطاً للرواية، وإن كان ليس طعناً في الراوي مثل التدليس. التدليس ليس طعناً في الراوي على الأغلب، لكن هو مسقط للرواية إذا كان تدليسه مما يضر. قال: أسباب الإرسال الحامل لمن كان لا يرسل إلا عن ثقة للإرسال: أسباب، منها أن يكون سمع الحديث عن جماعة ثقات وصحّ عنده فيرسله اعتماداً على الصحة عن شيوخه. وهذا كثيراً ما يفعله كثير من التابعين، فتجد يرسل هذا اعتماداً على ثقة من سمع منه. ولهذا لما قيل للحسن: ممن سمعت هذا؟ فقال: «تظنون أننا نسمع من السوقة، أننا نسمع من السوقة ونأتيكم بهذا الحديث؟ لا، نسمع من أناس ثقات... ونسمع من أهل العلم». لكن قال الحافظ ابن حجر: هل يجوز التعمد في الإرسال؟ قال الحافظ ابن حجر: لا يخلو المرسل أن يكون شيخ من أرسل الذي حدث به عدلاً عنده وعند غيره، أو غير عدل عنده وعند غيره، أو عدلاً عنده لا عند غيره، أو غير عدل عنده عدلاً عند غيره. أن هذه الاحتمالات الأربع فيمن يروى عنه بالإرسال: ممن يكون عدلاً عنده وعند غيره، أو يكون عدلاً عنده وليس عدلاً عند غيره، أو لا يكون عدلاً عنده ولا عدلاً عند غيره، أو يكون عدلاً عند غيره ولا يكون عدلاً عنده. فهذه أربعة أقسام فيمن يروى عنه بالإرسال. قال: هذه أربعة أقسام: الأول: جائز بلا خلاف إذا كان عدلاً عند غيره. الثاني: ممنوع بلا خلاف؛ لأنه ليس بعدل عنده ولا عند غيره. وكل من الثالث والرابع احتمل الجواز وعدمه، وتردده بينهما بحسب الأسباب الحاملة عليه. قد يكون مثلاً له متابع، له شواهد في إرساله فيرتقي. ولهذا لا يحكم عليه بحكم عام، وإنما ينظر فيه الشواهد، المتابعات، وغيرها مما يؤيد هذا الإرسال. طيب. قال: أسباب الإرسال الحامل لمن كان لا يرسل إلا عن ثقة على الإرسال: أسباب، منها أن يكون سمع الحديث عن جماعة ثقات وصحّ عنده فيرسله اعتماداً على الصحة عن شيوخه. سمع الحديث عن جماعة ثقات وصحّ عنده، فلذلك فيرسله اعتماداً على هؤلاء الثقات. وتجد كما قلنا أنهم لا يتعمدون هذا الإرسال، وإنما فقط من باب الاستدلال، فيأتي مثلاً إلى مسألة فيقول: النبي عليه الصلاة والسلام يقول كذا، وهو لا يريد أن يرسل أصلاً، وإنما يريد أن يستشهد بالحديث، فلذلك لا يذكر الواسطة. ولهذا دائماً تجد الحسن وغيره يُقال له: من حدثك بهذا؟ فيقول: فلان الصحابي، أو حدثني فلان، يذكر مثلاً من التابعين من الثقات. قال: من السيرين سألوا الحسن عمن سمع حديث العقيقة، فسألوا الحسن فقال: سمعته من سمرة، قال: سمعته من سمرة. وهكذا يحصل أن الراوي يرسل ليس تعمداً في الإرسال، وإنما فقط لأنه سمعه من ثقات فتأكد عنده، فتأكد عنده. فأيضاً مما كأنهم يرون هذا جائزاً مادام أنه متأكد أنه صحيح، فلا يلزم مثلاً يرى أن الطلب لا يلزمهم أنهم يسألون عنه لأنه يعلم أنه ما حدث به إلا لأنه متأكد منه. لكن وجد أن هناك من التابعين من يرسل ويرسل عن ضعفاء، أو عن عدم، أو عن أناس غير معروفين. قال: أن يكون نسي من حدثه به، وعرف المتن فذكره مرسلاً. هذا السبب أيضاً؛ لأن أصل طريقته أنه لا يحتمل إلا عن ثقة، فيرسل لأجل أنه يعرف أن من حدثه ثقة، لكن من نسي من حدثه. قال: أنه لا يقصد التحديث بأن يذكر الحديث على وجه المذاكرة، أو على وجه الفتوى، فيذكر المتن؛ لأن المقصود في تلك الحالة دون السند، لا سيما أن كان السامع عارفاً بمن طُويَ لشهرته أو غير ذلك من الأسباب. يعني يذكر هذا استشهاداً، سيذكر هذا للاستشهاد، يعني يذكره لأجل الاستشهاد في فتوى، أو في حديث، أو مثلاً مذاكرة، فهذا يحصل. قالوا: أما من كان يرسل عن كل أحد، يعني يروي عمن هبّ ودبّ ويرسل، فربما كان الباعث له على الإرسال ضعفه من حدثه، لكن هذا يقتضي القدح في فاعله لما يترتب عليه من الخيانة. وغالباً لا يفعل هذا إلا بعض المتأخرين، أما التابعون فغالباً لا يفعلون هذا، وأحياناً يفعلون، يفعل بعضهم لأجل مثلاً أنه وثق في هذا الرجل لكن الناس لا يثقون فيه، فيقوم فيقفيه، فيكون الحديث مرسلاً، حديثاً مرسلاً. مثل مثلاً ما يفعل بعضهم كحمد بن وسامة، لا يفصح عن الكلبي. أيضاً عطية بن سعيد العوفي، ضعفه بسبب إرساله عن أبي سعيد، حتى كان يقول: «حدثني أبو سعيد»، وهو يريد الكلبي، لا يريد أبا سعيد الخدري، لأنه قد سمع من أبي سعيد الخدري، فلذلك اتقى الناس حديثه بسبب هذا التدليس العظيم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.