شرح الشمائل المحمدية 39

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 39، باب ما جاء في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

باب صفة وضوء النبي عند الطعام

يستعرض هذا المحور الأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم عند الطعام، مبيناً أن الصحيح يدل على عدم وضوئه للطعام بل غسل اليدين عند الحاجة، بينما حديث البركة ضعيف. كما يشير إلى خلاف العلماء في استحباب غسل اليدين قبل الأكل وبعده.

خلاف العلماء في غسل اليدين والوضوء للطعام

يناقش هذا المحور خلاف العلماء في استحباب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، حيث يستحبه النووي للنظافة ويقتصر مالك على وجود قذر، مع توضيح أن الوضوء الشرعي للطعام غير مستحب ولا ثابت. ويرجح النووي وابن القيم أن المراد بالوضوء في الأحاديث هو وضوء الصلاة لا غسل اليدين.

تفصيل الحكم الشرعي للوضوء وغسل اليدين عند الأكل

يبيّن هذا المحور عدم مشروعية الوضوء قبل الأكل أو بعده لضعف حديث سلمان، وصحة أن النبي لا يتوضأ إلا للصلاة. كما يفصل في الخلاف حول غسل اليدين بين استحباب الشافعية وكراهة مالك وأحمد، والراجح الإباحة للضرورة مع التأكيد على غسل اليد بعد الطعام لدفع الأذى.

خاتمة الدرس والإشارة للباب القادم

يختتم الشيخ الدرس الحالي بالإشارة إلى الدرس القادم في الباب التالي، ويختم بالتسبيح والاستغفار والدعاء بالتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنواصل كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وقد أخذنا ثمانية وثلاثين درسًا، ووقفنا في باب كيف كان إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الباب السادس والعشرون، فأخذنا فيه جملة من الأحاديث. وهذا الباب هو الباب السابع والعشرون. قال الترمذي رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». معنى هذا الباب: هل كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ عند الطعام؟ يعني: إذا أراد أن يأكل، هل كان يتوضأ الوضوء المعروف، وهو وضوء الصلاة، أم كان يكتفي بغسل يديه؟ وكذلك عند الفراغ من الطعام، هل ورد ما يدل على أنه كان يتوضأ وضوء الصلاة بعد الفراغ من الطعام؟ فذكر الترمذي رحمه الله تعالى ثلاثة أحاديث في هذا الباب، وبعض العلماء فهم منها الوضوء الشرعي، لكن الصحيح -كما سيأتي من أقوالهم في شرح الأحاديث- أنه ليس المراد به الوضوء الشرعي الذي هو وضوء الصلاة، يعني: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ قبل الطعام ولا بعد الطعام، وإنما كان يغسل يديه عند الحاجة، يعني: إذا رأى فيهما مثلاً وسخًا. قال الترمذي رحمه الله: حدثنا أحمد بن منيع، وهو ثقة حافظ، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الملقب بابن علية، وهو ثقة حافظ أيضًا، قال: عن أيوب، وهو ابن أبي تميمة السختياني، كان شديدًا على أهل الأهواء والبدع، وهو ثقة ثبت حجة، له أقوال كثيرة تذكر في كتب السنة، أيوب رحمه الله تعالى، قال: عن ابن أبي مليكة، وهو عبد الله، وهو ثقة فقيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج من الخلاء، فقرب إليه الطعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». وهذا الحديث صححه الألباني برقم 158 في صحيح الشمائل. نأخذ الحديث الآخر لأنها كلها في نفس الباب. قال رحمه الله: وحدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وهو ثقة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي، قال: عن عمر بن دينار، فقيه ثبت، وكان سفيان ملازمًا لعمر بن دينار، لازمه عشرين سنة أو أكثر حتى سقط لحيي عمر، بمعنى أنه لا يفهم من كلامه إلا ما فهمه ابن عيينة لكثرة ملازمته، قال: عن سعيد بن الحويرث، ووثقه، عن ابن عباس، حبر هذه الأمة، رضي الله عنهما، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط، فأتي بطعام، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: «أصلي فأتوضأ». وهذا الحديث أيضًا صحيح، وقد صححه الألباني برقم مئة وثمانية وخمسين. قال رحمه الله: وحدثنا يحيى بن موسى، ولقبه خُتَّة، وقد تقدمت هذه الأسانيد، بعض رجالها قد تقدم معنا في الأحاديث الماضية، ومن شاء أن يرجع إلى بعض الرجال الذين ترجمنا لهم، فيرجع إلى الدروس الأولى، الدروس الأولى فيها فائدة إن شاء الله. قال: حدثنا عبد الله بن نمير، وهو ثقة صاحب حديث من أهل السنة، قال: حدثنا قيس بن الربيع، وهو صدوق تغير لما كبر. وحدثنا قتيبة بن سعيد، وقيل إن اسمه يحيى، وهو أبو رجاء، ثقف البغلاني، قال: حدثنا عبد الكريم الجرجاني، وهو مقبول، عن قيس بن الربيع. إذن الحديث يدور على من؟ يدور على قيس بن الربيع، لأن الإسنادين الذين ساقهما الإمام الترمذي ينتهيان إلى قيس بن الربيع. قال: عن أبي هاشم، وهو الرماني، ثقة، عن زاذان، وهو صدوق يرسل، عن سلمان. من أين سلمان يا أخي؟ من أين سلمان الفارسي؟ من فارس. وإن فارس، فارس أين هي؟ في أي بلاد تقع؟ في السعودية، في الكويت، في العراق؟ من يذكر؟ في العراق، إيران. نعم، سلمان الفارسي، وله قصة طويلة في قصة إسلامه، قصة تفيد البحث عن الحق، وكيف أن سلمان رضي الله عنه بحث عن الحق حتى وفقه الله إليه، وخرج من بلده، خرج من بلده، وهكذا ينبغي على الإنسان أن يبحث عن الحق. الذين يجلسون في بلاد الكفار ليس لهم عذر وليس لهم حجة، خاصة الآن بعد ماذا؟ بعد انتشار الإسلام ووضوح الإسلام، وأيضًا أيش؟ ماذا التقنيات الآن الموجودة من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وغيرها تصل إلى بلاد الكفار ولا ما تصل؟ تصل. ومن الآن في بلاد الكفار يقول: ما نعرف أن هناك مسلمين في بلاد العالم. الآن صار المسلمون يعيشون في كل بلاد العالم، في كل بلاد العالم، اذهب إلى أي قطر من الأقطار ستجد فيها مسلمين. إذن صار الإسلام معروفًا، فهل هناك الآن عذر لمن لا يعرف الإسلام؟ الجواب: لا، لأن الإسلام قد انتشر، وقد أخبر بانتشاره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، فما من بيت حجر ولا مدر إلا سيدخله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل. قال: عن سلمان، وهو الفارسي، رضي الله تعالى عنه، قال: قرأت في التوراة إن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بما قرأته في التوراة، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده». وهذا الحديث ضعيف، وقد ضعفه الألباني رحمه الله برقم مئة وتسعة وخمسين كما في الشمائل، وأيضًا ضعفه الإمام أحمد رحمه الله قبل ذلك بسبب قيس بن الربيع الذي في إسناد هذا الحديث. إذن معنا ثلاثة أحاديث في هذا الباب، مفادها: هل يتوضأ قبل الطعام؟ يعني: قبل ما نأكل، هل نذهب نتوضأ، نغسل وجوهنا، نتمضمض، نستنشق، نغسل وجوهنا، نغسل أيدينا، كذلك نمسح شعورنا ونغسل أرجلنا؟ أم لا؟ أم نكتفي بغسل الأيدي قبل الطعام؟ وكذلك بعد الطعام؟ هذه مسألة مختلف فيها بين أهل العلم. يقول النووي رحمه الله تعالى: واختلف العلماء في استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده، والأظهر استحبابه. أولاً: أن يتقى نظافة اليد من النجاس والوسخ، واستحبابه بعد الفراغ، إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام، بأن كان يابسًا ولم يمسه بها. وقال مالك رحمه الله: لا يستحب غسل اليد للطعام إلا أن يكون على اليد قذر، ويبقى عليها بعد الفراغ رائحة. انتهى كلام النووي رحمه الله من شرح مسلم في المجلد الرابع. هنا استحباب غسل اليد يعني قبل الطعام، هل يستحب أم لا يستحب، أم هو أمر على الجواز ليس فيه ماذا؟ استحباب. هنا النووي رحمه الله يرجح الاستحباب، أنه يستحب غسل اليد قبل الطعام، وأن يتيقن من يده أنه ليس فيها نجاسة، وليس فيها قذارة ولا وسخ، فإن كان كذلك استحب له، وإلا فلا. واستحبابه بعد الفراغ كذلك عند النووي رحمه الله تعالى، إلا إذا كانت اليد نظيفة بعد الطعام، فإنه لا يستحب غسلها. يعني: واحد أكل بملعقة، هل يبقى في يده شيء؟ أكل بالملعقة، الجواب: لا، يده نظيفة. هل نقول له بعد الطعام: اذهب واغسل يدك؟ الجواب: لا، لا يستحب غسل اليد، لماذا؟ لأنه أكل بالملعقة، لأن يده صارت نظيفة. وأما الإمام مالك رحمه الله فيرى أنه لا يستحب غسل اليد على الطعام إلا إن كانت ماذا؟ وسخة، كان يكون فيها ترابة ونحو ذلك، فإن هنا يستحب غسل اليد، وكذلك بعد الطعام إذا بقي فيها رائحة، إذا بقي فيها رائحة، لأنه جاء بعض الأحاديث التي فيها أن بقاء الرائحة في اليد، أو كذلك بقاء شيء من الطعام في اليد، بأن يكون هذا الذي أكل الطعام ما غسلها جيدًا، فينام، فلربما تأتي بعض الهوام وبعض الحشرات على يده فتلحس يده أثناء النوم، فيحصل له بعد ذلك ضرر من مرض ونحوه. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بات وفي يده غمر، الغمر هو الوسخ، معنى أنه ما يغسل يده بعد الطعام، من بات يعني نام وفي يده وسخ، فلا يلومن إلا نفسه، فلا يلومن إلا نفسه». إذن نحن إذا كانت أيدينا متسخة سواء قبل الطعام أو بعد الطعام، علينا ماذا؟ أن نغسلها، أن نغسلها، ولا يعد ذلك ماذا؟ أن يكون مستحبًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديثين الصحيحين الذين في الباب، ذكرهم الترمذي رحمه الله تعالى، بينا أنه أتي بالوضوء، أتي بالماء، يا رسول الله ألا تتوضأ؟ قال: «إنما أتوضأ ليش؟ للصلاة». أنت تتوضأ لماذا؟ للصلاة. الصحابة الذين قربوا له الماء وقالوا له: ألا تتوضأ؟ هل كان مرادهم الوضوء اللغوي الذي هو غسل الأيدي، أم كان المراد الوضوء الشرعي الذي هو الوضوء المعروف للصلاة؟ الأظهر كما قال النووي رحمه الله تعالى أنه الوضوء الشرعي، ليس غسل الأيدي. سيأتي الآن كلام النووي رحمه الله تعالى، وبيان من قال من العلماء، وهو القاضي عياض رحمه الله تعالى، أن المراد به الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليد. قال النووي رحمه الله: والمراد بالوضوء يعني في الحديثين المذكورين، الذين ذكرناهم الآن، ما هم الحديثين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء، فقرب إليه الطعام، فقرب إليه الطعام، فقالوا: يا رسول الله ألا تتوضأ؟ ألا نأتيك بوضوء؟ ما قالوا: ألا نأتيك بما تغسل يديك؟ قالوا: ألا نأتيك بماذا؟ بوضوء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أتوضأ إيش؟ أو أمرت بالوضوء للصلاة، إنما أتوضأ للصلاة». لهذا قال النووي رحمه الله: المراد بالوضوء في الحديث هو الوضوء الشرعي، وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغوي، وجعل المراد غسل الكفين، وحكى اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام، يعني القاضي عياض، لأن النووي رحمه الله كثيرًا ما يأخذ من كلام القاضي عياض في شرحه لمسلم. قال: وحكى اختلاف العلماء في كراهة غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه، وحكى الكراهة عن مالك والثوري رحمه الله. والظاهر ما قدمناه أن المراد الوضوء الشرعي، والله أعلم. هذا كلام النووي، كلام النووي يقول: المراد في الحديث حمله على الوضوء الشرعي، لأنهم قربوا له وضوء، وقالوا: يا رسول الله ألا تتوضأ؟ فترك النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء، قال: «إنما أتوضأ ليش؟ ليه؟ الصلاة». كره مالك رحمه الله تعالى أن يتوضأ قبل الطعام، كره مالك أن يتوضأ قبل ماذا؟ قبل الطعام. وقد ذكر ابن قيم رحمه الله تعالى هذه المسألة كذلك مستوفى في تهذيب السنن، في حاشية على السنن، قال: في المسألة قولان لأهل العلم، في مسألة إيش؟ ما هي المسألة الآن التي ندور حولها؟ معنا أنتم؟ من يقول؟ نعم، ما هي المسألة التي ندور حولها الآن؟ أرفع صوتك، الإيش؟ قبل الطعام؟ الغسل الآن؟ الوضوء. الوضوء قبل الطعام، هل نتوضأ قبل الطعام أم لا نتوضأ؟ أما لو واحد قال لك: هل تغسل يديك قبل الطعام أم لا تغسلهما؟ ما هو جوابك؟ ستقول له: أغسلهما إذا كانت متسختين. واضح الآن؟ أغسلهما إذا كانت متسختين، ولا أتشدد في ذلك، يعني: إذا كانت يدي نظيفة، هل لازم أذهب أغسلهما؟ قرب إلي الطعام، هل يلزم أن أذهب؟ ما أتشدد، طيب؟ إذن ما أتشدد في هذا؟ يدي نظيفة، يدي نظيفة، ما بها شيء، لا تراب، لا وسخ، لا قذر، لا نجاسة، قرب إلي الطعام، آكل. واضح هذا أيها الأخوة؟ إذا كانت متسخة أذهب وأغسلها حتى أنعش، لا أقدر أو غيري، إذا كنا جماعي أقدر من ماذا؟ من يدي. لكن المراد في المسألة الآن، انتبهوا معنا، المراد في المسألة الآن هو الوضوء، الوضوء قبل الطعام، هل جاء فيه حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ قبل الطعام أم لا؟ المذكور هذا الحديث الثالث ضعيف، الذي فيه قيس بن الربيع، هذا الحديث ضعيف لا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ قبل الطعام، بل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرب إليه الوضوء ماذا قال لهم؟ قال: «إنما أتوضأ للصلاة، إنما أتوضأ للصلاة». إذن أنت ما تتوضأ إليش؟ للطعام. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في هذه المسألة: قولان لأهل العلم، أحدهما: يستحب غسل اليدين عند الطعام، والثاني: لا يستحب، وهما في مذهب أحمد وغيره، والصحيح أنه لا يستحب. إذن بالنسبة لغسل الأيدي كما ذكر النووي سابقًا أن عند الشافعية أنه ماذا؟ يستحب غسل اليدين. دعنا من مسألة ماذا؟ الوضوء قبل الطعام. مسألة غسل اليدين قبل الطعام، هل يستحب؟ أم لا يستحب؟ الجواب: يقول ابن القيم فيها قولان لأهل العلم، أحمد يرى عدم الاستحباب، وهذا الذي رجحه ابن القيم رحمه الله تعالى. ثم ذكر ابن القيم كلام النسائي وتبويبه لحديث ابن عباس، فيه ترك الوضوء من أكل الطعام، وعقبه بباب غسل الجنب يده إذا طعم، وساق فيه حديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه. قال: وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب. إذن ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث التي ذكرها المؤلف في سنن أبي داود، ذكر كلام النسائي وتبويبه لحديث ابن عباس، وفيه ترك الوضوء من أكل الطعام، إذن لا يتوضأ عند ماذا؟ عند الطعام. كما بوب النسائي، وهنا أيضًا في الشمائل الحديثين لابن عباس. أما إن كان جنبًا الشخص، على الجنابة، فماذا يفعل إذا كان جنبًا؟ إذا كان جنبًا، إن شاء أن يغتسل قبل أن ينام، وإن شاء توضأ وضوءه للصلاة، لأن هذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، توضأ وضوءه للصلاة وينام، ولو كان على جنابته. وأما إذا أراد أن يأكل، فإنه يغسل يديه. وهذا الذي ذكره أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قال: هو التفصيل في هذه المسألة وهو الصواب. وذكر الترمذي أن يحيى بن سعيد قال: كان سفيان يكره غسل اليد قبل الطعام، وسئل الإمام أحمد عن ذلك، فقال: لأنه من ذي الأعاجم، لأنه من ذي الأعاجم، يعني أن الأعاجم كانوا ماذا؟ يغسلون أيديهم قبل الطعام ويتشددون في ذلك، ولهذا كره سفيان رحمه الله تعالى غسل اليد قبل الطعام. وإنما فسر الإمام أحمد رحمه الله تعالى فعل سفيان، لماذا كان سفيان يكره ذلك؟ قال: لأنه كان من ذي الأعاجم. مع أنه ذكر أيضًا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان يغسل يديه قبل الطعام مع تضعيفه، لماذا؟ لحديث قيس بن الربيع، مع تضعيفه لحديث قيس بن الربيع. إلا أن الإمام أحمد، كما ذكره الخلال رحمه الله تعالى، قال الخلال: وأنبأ أبو بكر المروزي، قال: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وإن كان على وضوء، أي: وإن كان متوضئًا، لكنه كان يغسل يديه قبل الطعام، وكان يغسل يديه بعد الطعام، كان يغسل يديه كذلك بعد الطعام. بالنسبة للحديث المذكور، وهو حديث سلمان، أنه قرأ في التوراة أن اليهود كانوا يتوضؤون قبل الطعام، ويقولون: هو بركة الطعام. يقول القاري: وهذا يحتمل منه صلى الله عليه وسلم أن يكون إشارة إلى تحريف ما في التوراة، وأن يكون إيمانيًا، لأن شريعته زادت الوضوء قبله أيضًا، استقبالًا للنعمة، المشعرة للتعظيم، على ما ورد: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وبهذا يندفع ما قاله الطيبي من أن الجواب من أسلوب الحكيم. قيل: والحكمة في الوضوء أولاً أيضًا أن الأكل بعد غسل اليدين يكون أهنى وأمر، ولأن اليد لا تخلو عن التلوث في تعاطي الأعمال، فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة، ولأن الأكل يقصد به الاستعانة على العبادة، فهو جدير بأن يجري مجرى الطهارة من الصلاة، فيبدأ بغسل اليدين. والمراد من الوضوء الثاني غسل اليدين والفم من الدسومات. قال صلى الله عليه وسلم: «من بات في يده غمر فلم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه». خرجه الترمذي. قيل: ومعنى بركة الطعام من الوضوء قبله النمو والزيادة فيه نفسه، وبعده النمو والزيادة في فوائده وآثاره، بأن يكون سببًا لسكون النفس وقرارها، وسببًا للطاعات، وتقوي للعبادات، وجعله نفس البركة للمبالغة، وإلا فالمراد أنها تنشأ عنه. انتهى كلام الملا القاري كما في تحفة الأحوذي. خلاصة هذا الباب، وهو باب ما جاء في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند الطعام: إن ثبت حديث سلمان، إن ثبت حديث سلمان، فمعنى أنه يستحب الوضوء قبل الطعام، ويستحب الوضوء بعد الطعام. لكن كما علمتم، حديث سلمان ضعيف لا يثبت، وضعفه جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أحمد رحمه الله، كما ذكر ذلك العلامة الألباني، وضعفه أيضًا. فإذا لا يثبت حديث الوضوء، بل ثبت خلافه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس، لما خرج من الخلاء وقرب إليه الطعام، وأتي بطعام أيضًا، قيل له: يا رسول الله ألا تتوضأ؟ فقال: «إنما أتوضأ إذا قمت إلى الصلاة». فدل على أنه لا يشرع الوضوء قبل الأكل، لا يشرع الوضوء قبل الأكل. بالنسبة لغسل الأيدي، هل يستحب أم لا يستحب؟ للعلماء فيه ماذا؟ قولان. وهذه الآن للعلماء فيها قولان: قول الشافعية، ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى، أنه يستحب أن تغسل يديك قبل الطعام، ومالك رحمه الله تعالى كره ذلك، والإمام أحمد أيضًا قال: لا يستحب، ورده، ورده هو الإمام النووي رحمه الله تعالى. فالمسألة خلاصة ومبنية على على الإباحة وعلى إيش؟ الجواز، لا الاستحباب، لأنه لم يرد حديث نصًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ماذا؟ أو قال عليه الصلاة والسلام، أو أمر بغسل الأيدي قبل الطعام. وإنما نغسلها إذا كان فيها ماذا؟ إذا كان فيها قذارة أو وسخ أو نجاسة، يجب إذا كان فيها نجاسة يجب إزالة النجاسة. أما غير ذلك، أي غير النجاسة، فأنت تغسلها من باب النظافة، تغسلها من باب النظافة حتى لا تتأذى أنت عندما تأكل الطعام. وهكذا بعد الطعام، بعد الطعام تغسل يديك، لماذا تغسل يديك؟ لأن فيها الدسومات، فيها ربما شيء من عوالق الطعام التي قد إذا تركتها تتضرر أنت بعد ذلك، وخاصة عند ماذا؟ عند النوم. انتبهوا، خاصة عند النوم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بات وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه». معنى أن ذلك قد، أنت تتضرر إذا تركت يديك بعد الطعام دون دون غسل، فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى غسل الأيدي حتى لا يصيبك شيء من هذه ماذا؟ الأمراض التي تدخل مع ماذا؟ مع اليد عندما ماذا؟ عندما تتمضمض ونحو ذلك، فيصيبك شيء من ماذا؟ من الأذى. فإذا هذا خلاصة هذا الباب، أنه ليس هناك حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء قبل الطعام أو الوضوء بعد ماذا؟ بعد الطعام. وبالنسبة لغسل اليد، فمن العلماء من قال يستحب، ومنهم من قال لا يستحب، ورجح هذا ابن القيم رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. وإن شاء الله تعالى الدرس القادم في الباب الذي بعده. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.