الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 31، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يحذر المؤلف طالب العلم من السعي وراء العلو والشهرة، معتبراً ذلك طريقاً مهلكاً مستنداً إلى حديث الذئبين الجائعين. ويؤكد أن التواضع هو السبيل الحقيقي للرفعة وأن الدرجة الوسطى هي الأسلم.
ينصح بالالتزام بالوسطية في شؤون الحياة لتجنب الحسد والعداوة، ويحذر من طلب الإمارة لأن طالبها يُكل إليها وتكون فتنة. كما ينبه إلى أن الإكثار من المزاح يذهب الهيبة ويجلب الندم.
يوضح أن كثرة المزاح تزيل الهيبة وتقلل القدر، والمزاح جائز بشرط الاعتدال اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويختم بوصية لقمان الجامعة لخيري الدنيا والآخرة مع دعاء بالقبول.
ينسب المؤلف الصواب إلى الله ويعترف بالخطأ صادراً منه أو من الشيطان، مبرئاً الله ورسوله منه. ويختتم بالاستغفار والتوبة والدعاء، مع ذكر أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف فقهه الله رحمه الله تعالى في وصيته: البعد عن طلب الجاه. قال: «ولا يرغب أحدكما في أن يكون أرفع الناس درجة وأئمة وأتمهم جاها وأعلاهم منزلة، فإن تلك حال لا يسلم صاحبها، ودرجة لا يثبت من احتلها». أيضا البعد عن طلب الجاه: أن يكون هذا ديدن الشخص، يطلب أن يكون أرفع الناس درجة وجاهة وأعلاهم منزلة، فهذا والعياذ بالله قد يضع صاحبه، ويترفع على الناس، ويتكبر على الناس. فهذه حال كما قال رحمه الله: لا يسلم صاحبها، وأيضا لا يثبت من احتلها. هذه الدرجة قد لا يثبت صاحبها معها، فتضعه من حيث لا يعلم. ولهذا أفسد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان أرسلَا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على الشرف والمال لدينه». فحب الشرف، وحب الرفعة، وحب الظهور يقصم صاحبه، وخاصة طالب العلم. يحذر من هذا أن يكون عنده حب الظهور، وحب الرفعة، والتسلط، وأن يكون هو المقدم في كل شيء، وأن يكون كذلك الذي يرجع إليه. فهذا كم ممن طلب العلم واغتر بنفسه وبقليل علمه، فصار يطلب الشهرة والشرف والرفعة والجاه، فسقط من حيث لا يشعر. لأن هذا الطريق طريق اختبار وطريق ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. وما تواضع أحد إلا رفعه الله. فطالب العلم يطلب العلم لله سبحانه وتعالى، ولأجل أن يرفع الجهل عن نفسه، لا يطلبه ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء. فإن هذا مذموم في طلب العلم. طالب العلم يتواضع لعلمه، وكلما ازداد علما ازداد تواضعا، ومعرفة بأنه لا شيء، بأنه لا شيء. فكم من العلماء من يؤتى ويسأل فيقول: لا أدري، ويقول: لا أعلم. فكانوا يبتعدون عن الشهرة، رحمهم الله، لا يريدون الشهرة لأنفسهم. لكن إذا شاء الله عز وجل أن يشتهروا اشتهروا. لكن أنت لا تطلب هذا، لا يكون في نفسك أنك تطلب العلم لأجل أن يقال: فلان عالم، ويقال: فلان هذا مرجعية للناس يرجعون إليه. فإذا كان في نفسك ذلك والعياذ بالله سقط، فتسقط. لأن هذا العلم شريف، هذا العلم ما يهدي لهؤلاء ولا يعطى لهؤلاء، وإنما يعطى لأهل التقوى وأهل الورع، فيرفعهم الله سبحانه وتعالى. قال: «خير الأمور الوسط، وأسلم الطبقات الطبقة المتوسطة، لا تهتضم من دُعِّها، ولا تُرمق من رفعها. ومن عيب الدرجة العليا أن صاحبها لا يرجو المزيد، ولكنه يخاف النقص. والدرجة الوسطى يرجو الازدياد، وبينها وبين المخاوف حجاب. فاجعل بين أيديكما درجة يشتغل بها الحسود عنكما، ويرجوها الصديق لكما». أسلم الطبقات: هم الطبقات المتوسطة. يعني خير الأمور أوساطها. كن من أهل الوسط دائما، كن من أهل الوسط دائما، فإنك تحمد عاقبة، بحيث يشتغل عنك الحسود. لأنك إذا ارتفعت زاد حسادك، زاد حسادك، وزاد أيضا أعداءك. فكن على أمر الوسط، الزم الوسط في أمورك كلها: في معاشك، في حياتك، في علمك. كن مقتصدا، فأنت تسلم. فهذا خير الأمور. قال: «لا تطلب الإمارة، ولا يطلب أحدكما ولاية، فإن طلبها شيء وتركها لمن دُعي إليها زين. فمن امتحن بها منكما فلتكن حاله في نفسه أرفع من أن تحدث فيه بأوٍ، يعني فخرا، أو يبدي بها زهوا. وليعلم أن الولاية لا تزيده رفعة، ولكن فتنة ومحنة، وأنه معرض لأحد أمرين: إما أن يعزل فيعود إلى حالته، أو يسيء استدامة ولايته فيقبح ذكره ويثقل وزره. وإن استوت عنده ولايته وعزله كان جديرا، إن استديم العمل فيبلغ الأمل، أو يعزل لإحسانه فلا يحط ذلك من مكانه». ومن الأمور المهمة أنك لا تطلب الولاية. النبي صلى الله عليه وسلم حذر: «يا كعب بن مالك، لا تطلب الإمارة، لا تطلب الإمارة، فإنك إن طلبتها وكلت إليها». يعني إن وليت وطلبتها وكلت إليها، وإن وليت ولم تطلبها أعنت عليها، أعنت عليها. فإذا جاءتك الولاية بأن صرت ممن يحظى عند ولاة الأمور، وجاءتك ولاية منصب من المناصب بدون أن تطلبها، وعلمت أنك تتقي الله سبحانه وتعالى وتقوم بحقها وتنفع المسلمين، يعينك الله عز وجل على هذه الولاية. فلا بأس أن الشخص يكون أهلا لولاية يولى فيها، ولكن لا تستشرف نفسه إلى الولاية. لأن من استشرفت نفسه إلى الولاية فولي وكل إليها، فلم يعن عليها من الله سبحانه وتعالى. ثم هو معرض للعزل، لأنك تعلم أنك لن تدوم فيها. فإما أن تعود إلى حالتك السابقة، فينقلب بعد ذلك أصدقاؤك أعداءك، الذين كانوا لك بالأمس أصدقاء ويطلبون منك المودة، ثم هم ينقلبون عليك لأنك أصبحت معزولا فقيرا ليس عندك شيء. لهذا يجتنب الإنسان طلب الإمارة. قال: «الإقلال من المزاح، وأقلّا ممازحة الإخوان وملابستهم والمتابعة في الاسترسال معهم، فإن الأعداء أكثر ممن هذه صفته، وقلّ من يعاديك ممن لا يعرفك ولا تعرفه». فهذا الذي يجب أن تمتثلاه وتلتزماه ولا تتركاه لعرض ولا لوجه طمع. فربما عرض وجه أمر يروق فيستزل عن الحقائق بغير تحقيق، وآخره يظهر من سوء العاقبة ما يوجب الندم حيث لا ينفع، ويتمنى له التلافي فلا يمكن. ومن الوصايا أيضا عدم الإكثار من المزاح، لأن المزاح يذهب بالهيبة. المزاح يذهب بالهيبة، يصير الشخص كثير المزاح عندهم شخص لعاب، يعني أنه ليس ذا هيبة، ليس ذا هيبة، فينزلون من قدره. لكن المزاح جائز، ولا تكثر منه، لا تكثر منه. يعني كما يقال: عند الحاجة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يمازح أصحابه، لكن ما كان ديدنه المزاح، ولا يكثر منه. مازح بعض الصحابة، وبعض كذلك النساء الكبيرات في السن، مازح النبي صلى الله عليه وسلم، يمازحهم، يلطف الأجواء، وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. فإذا دعت الحاجة إلى المزاح لا بأس أن تمزح، لكن أقلل منه، لا تكثر من المزاح، لا يكون دائما أنت تكثر المزاح وتكثر الضحك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا حذر من كثرة الضحك، فقال: «وإياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب»، يميت القلب، عياذا بالله. وما يأتي الضحك غالبا إلا من كثرة المزاح، لهذا يجتنب الإنسان كثرته، يجتنب كثرته، ولا بأس ببعضه إذا دعت إليه الحاجة للمؤانسة وللملاطفة. فهذا ما أراده المؤلف لولديه، حتى تكون عند الشخص هيبة، حتى تكون عندك هيبة: أقلل من المزاح، ولا تكثر منه. وصية لقمان لابنه، وهي آخر وصايا في هذا الكتاب. قال: «فإن فقدتما وصية هذه ونسيتما معناها، فعليكما بما ذكر الله تعالى في وصية لقمان لابنه، فإن فيها جماع الخير». يعني وصايا لقمان شافية كافية إذا التزمها الإنسان. قال: «وهي: يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا، إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير». وإني لأوصيكما، وأعلم أني لن أغني عنكما من الله شيئا. إن الحكم إلا لله، عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون. وهو حسبنا الله ونعم الوكيل. فنعم الوصية ما أوصى بها ولديه، سواء كانت وصية في الأمور الدينية أو وصية في الأمور الدنيوية. قال: كملت الوصية المباركة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين وصحابته المنتجبين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. وذلك في يوم الخميس السابع لشهر ذي الحجة، مختتم عام تسعة وأربعين وسبعمائة. فجزاه الله خيرا الجزاء على ما كتبه من هذه الوصية النافعة التي ينتفع بها كل مسلم ويحتاجها كل مسلم. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى. فما كان في شرح هذه الوصية من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ وزلل فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان. وأستغفر الله العظيم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر