الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 63، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يوضح المقطع أن التشابه النسبي يخفى على بعض الناس بينما يعلمه الراسخون في العلم، مستنداً إلى أدلة قرآنية تبين أن القرآن بيان للناس. ويشير إلى وجوب الرجوع إلى أهل العلم واحتمال خطأ المجتهدين مع بقاء أجرهم.
يذكر المقطع أربعة أسباب لاشتباه آيات القرآن وأحاديث السنة: نقص العلم، التقصير في طلبه، قصور الفهم، وسوء القصد. ويؤكد أن الفهم الصحيح لا يتحقق إلا بطلب العلم الشرعي الجاد والمثابرة عليه.
يشدد المقطع على أن الإخلاص وحسن القصد شرط للتوفيق في فهم كتاب الله وسنة نبيه، بينما يؤدي سوء النية إلى الضلال والتناقض. ويبين أن القرآن تبيان لكل شيء ويجب الرجوع إلى أهل العلم فيما أشكل.
يؤكد المقطع أن القرآن نزل بياناً وهداية وموعظة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون بينوا معانيه. ويوضح أن اختلاف الفهم نسبي، والواجب على من اشتبه عليه المعنى أن يسأل الراسخين في العلم.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وأما النسبي فهما يكون متشابها على بعض الناس دون بعض، فيعلم منه الراسخون في العلم والإيمان ما يخفى على غيرهم، إما لنقص في علمهم، أو تقصير في طلبهم، أو قصور في فهمهم، أو سوء في قصدهم. وهذا النوع يسأل عن بيانه؛ لأنه يمكن الوصول إليه، إذ ليس في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس. كيف وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾، وقال: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾، وقال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ﴾، وقال: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾". ذكر المؤلف رحمه الله تعالى النوع الثاني من أنواع التشابه، وهو التشابه النسبي، بعد أن ذكر النوع الأول من أنواع التشابه وهو التشابه الحقيقي. ذكر التشابه النسبي، وبين رحمه الله أن هذا التشابه النسبي هو ما يشتبه على بعض الناس، ما يكون متشابهًا على بعض الناس، يعني يخفى علمه على بعض الناس دون بعض، لا يخفى على الجميع. التشابه الذي يخفى على الجميع هو التشابه الحقيقي، أما التشابه النسبي فإنه لا يخفى على الجميع، وإنما يخفى على بعض الناس دون بعض. فلذلك الراسخون في العلم يعلمون ما خفي على غيرهم، وما اشتبه على غيرهم. الراسخون في العلم أهل العلم والإيمان يعلمون ما خفي على غيرهم. فكم من الأمور التي اشتبهت على كثير من الناس وهي من المتشابه النسبي، خفي علمها على كثير من الناس، والراسخون في العلم علموا هذا الذي خفي على الناس. ولذلك أمر الله جل وعلا عباده بأن يرجعوا إلى الراسخين في العلم وإلى أهل العلم ليبين لهم ما اشتبه عليهم، ليبين لهم ما اشتبه عليهم؛ لأن الناس يتفاوتون في العلم، فليس كل الناس على مستوى واحد في العلم، بل يتفاوت العباد. فمن العباد الراسخون في العلم الذين يعلمون ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، سواء كان يتعلق في المسائل العلمية الخبرية أو في المسائل العملية الحكمية، ما يتعلق بالأخبار وما يتعلق بالأحكام، سواء كانت الأخبار تتعلق بالاعتقاد أو الأحكام، الأحكام العملية. والراسخون في العلم كذلك قد يخفى على بعضهم، قد يخفى على بعضهم ويشتتبه على بعضهم. ولذلك بعض العلماء يكون من الراسخين في العلم، يكون من الراسخين في العلم، لكن بعض المسائل ربما تشتبه عليه ويخفى عليه علمها. لماذا؟ لأن الراسخين في العلم ما احتووا سائر العلم، وكل العلم لا، بل يؤخذ من قولهم ويرد. لماذا؟ لأن في بعض أقوالهم ربما لا يوافق الصواب، وليس لأحد العصمة إلا النبي عليه الصلاة والسلام. وأما الراسخون في العلم فقد يخفى عليهم بعض العلم، ولذلك يفتون بغير الصواب. نعم، ولذلك يخفى عليهم بعض العلم. ولكن هل يخفى على الجميع؟ لا يمكن هذا، بفضل الله وبرحمته، أنه لا يمكن أن يخفى الحق على جميع الأمة، بحيث هناك أمر تحتاجه الأمة ويخفى على الجميع، ولا تجد راسخًا في العلم يعلمه. هذا غير موجود بفضل الله ورحمته. نعم، ربما تسأل راسخًا في العلم، نعم، ولا يجيبك في ذلك. لكن هل معنى ذلك أنك تسأل الثاني والثالث والرابع وجميع علماء الأمة، وليس عند أحد الجواب الذي فيه الحق والصواب في هذه المسألة؟ هذا لا يوجد بفضل الله ورحمته. لذلك قد يخفى بعض العلم على بعض الراسخين في العلم، أما على جميع الراسخين فلا. خفاء العلم على جميع الراسخين لا، فلابد أن يوجد عند بعض الراسخين في العلم ما خفي على البعض الآخر، ما خفي على البعض الآخر. على سبيل المثال، ربما يقول الشيخ الألباني مثلاً رحمه الله في مسألة كذا، نعم، ويقول ابن باز في مسألة كذا، ويكون مثلاً فيها الصواب مع الشيخ الألباني أو مع الشيخ ابن باز رحمة الله تعالى عليهما. فيكون ذلك القول وتلك الفتوى التي هي خلاف الراجح وخلاف الصواب من العلم الذي خفي، من العلم الذي خفي، ومن العلم الذي اشتبه. فالذي وفق للصواب في هذه المسألة هو الذي وفق للحق فيها، ففهم ما خفي على غيره، فهم الصواب في المسألة هذه التي خفيت عن ذلك العالم الذي أفتى بغير الصواب في هذه المسألة. وكلهم مجتهدون، لكن الحق يؤخذ والخطأ يرد. نعم، لو كان من إمام، ولو كان من إمام، نعم، لأن الواجب أخذ الحق وقبول الحق ممن قال به. نعم، وهكذا. فإذا التشابه النسبي هو الذي يخفى علمه على بعض الناس دون بعض، فلا يخفى على الجميع. وقال ابن عباس: "أنا ممن يعلم تأويله"، يعني هذا الذي اشتبه على الناس فهو يعلم تأويله، رضي الله تعالى عنهما. وقد يخفى عليه شيء كذلك، ولو كان ترجمان القرآن وحبر الأمة، لأن العصمة للنبي عليه الصلاة والسلام، وأما غير النبي عليه الصلاة والسلام فكل يؤخذ من قوله ويرد، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر"، وأشار إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى أن الناس والعلماء والراسخين يقع منهم الفتوى بغير الصواب، نعم، وهم مجتهدون بين الأجر والأجرين، لكن الواجب أخذ الحق وقبول الحق، والباطل يرد، والباطل يرد مع المكانة وكذلك التقدير لهذا العالم ولهذا الإمام. ومن أعظم ما أولي في هذا رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام". خلاصة هذه الرسالة أن الأئمة قد يقعون في خلاف الحق وفي الفتوى بغير الصواب، لكن يكون لهم قدرهم ومكانتهم، وترحم عليهم، وعدم التنقيص لحقهم؛ لأنهم أهل للاجتهاد، وهم إذا فاتهم الأجران لم يفتهم الأجر؛ لأنهم بين الأجر والأجرين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر». لكن بشرط أن يكون من أهل الاجتهاد الذين جاز لهم الاجتهاد، إما أهل الاجتهاد المطلق، وإما أهل الاجتهاد النسبي. لأن الاجتهاد على الصحيح يتجزأ، فمن اجتهد في مسألة ولو واحدة، اجتهد فيها وكان قد جاز له أن يجتهد فيها، فهو بين الأجر والأجرين. لكن هل يقال له: لك الاجتهاد المطلق؟ لا، الاجتهاد المطلق لمن حوى سائر العلم، ولمن كذلك كانت عندهم الملكة في العلم، فهذا صاحب اجتهاد مطلق. أما أنت، ربما تجتهد مسألة في الصلاة، ومسألة في الوضوء، ومسألة في الحج، اطلعت عليها، قرأت هذه المسألة من كلام أهل العلم، مسألة معينة، ربما تجتهد فيها وتقول فيها كذا، وترجح فيها، وأن الراجح كذا وكذا، سواء كانت تتعلق بالصلاة أو بالوضوء أو بالحج، نعم، أو بالبيوع أو بالنكاح وغير ذلك، فتجتهد فترجح بين أقواها علماً، بعد أن تطلع على كلام أهل العلم في هذه المسألة، والأدلة الواردة في هذه المسألة من الكتاب والسنة، نعم، فينشرح صدرك لأحد هذه الأقوال، فترجح وتقول: الراجح كذا. فهذا اجتهاد نسبي؛ لأنه في مسائل معينة، وفي أبواب معينة من العلم، بخلاف الاجتهاد المطلق الذي هو يكون في سائر أبواب العلم، وهذا إنما يكون لأهله. فإذن الأمر لأهل الاجتهاد بين الأجر والأجرين. ذكر رحمه الله تعالى هذا التشابه النسبي، وبين رحمه الله أن هذا الذي يخفى على الناس لأمور، الذي يشتبه على الناس علمه في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما السبب الذي يجعل بعض النصوص تشتبه على بعض الناس؟ أمور وأسباب ذكرها رحمه الله، فقال: "إما لنقص في علمهم". هذا الذي يخفى عليهم شيء من المتشابه، إما لنقص في علمهم، يعني يكون بسبب نقص العلم وضعف العلم. ولذلك يشتبه عليه نص آية أو حديث. لو كان عنده علم قوي، نعم، فربما يفهم القصد ويفهم المعنى ويفهم المراد، ولن يشتبه عليه النص. كما تقدم مثلاً في قوله: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾، وفي قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾. ضعيف العلم قد يشتبه عليه، والكيف لا تهدي وهن تهدي؟ نعم. لكن الذي هو صاحب علم لا يشكل عليه ذلك؛ لأنه يعلم من الهداية على نوعين: هداية إلهام وتوفيق، وهداية دلالة وإرشاد. فيعلم أن هذه الآية ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ هداية إلهام وتوفيق، و﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ هداية دلالة وإرشاد، فلا يشكل. لكن ذلك لا يعرف أنواع الهداية، وأن الهداية أنواع في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن منها هداية الدلالة، ومنها هداية الإلهام والتوفيق، فيتشابه عليه بسبب ما؟ بسبب نقص العلم. نعم، وقصور العلم. قال: "أو تقصير في طلبهم". يعني يكون عن تقصير وتفريط، فتجده يقصر في طلب العلم، نعم، ولا يحرص في طلب العلم. هذا لا شك أنه سيشتبه عليه، لا شك. الذي لم يتعلم كتاب الله ولم يتعلم سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا سيشتبه عليه، ستشتبه عليه آيات في كتاب الله، نعم، ربما يظن أنها متعارضة، نعم، ما يدري كيف يوفق بين هذه النصوص، أو أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. ما هو السبب؟ السبب التقصير، التقصير في طلب العلم. أنت إذا أردت أن تفهم كتاب الله وما جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الفهم الصحيح، وتحظى بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»، فاطلب العلم، واطلب العلم، واعظم العلم، علم كتاب الله جل وعلا، نعم، تقرأ القرآن وتحفظ القرآن وتتعلم أحكامه وتتعلم تفسيره، نعم، وهكذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام تتعلمها وتحفظها وتتعلم شروحها، وتفهم بعد ذلك أن هذه الآية لا تعارض تلك الآية، وهذه الآية لا يعارضها ذلك الحديث، وهذا النص لا يعارض ذلك النص. هذا احتاج طلب علم. أما أن تريد أن تكون ممن لا يشتبه عليه شيء، وأنت لم تطلب العلم وقصرت وفرطت، أبداً لا يمكن. من جد وجد، ومن زرع حصد. نعم، وللأسف الشديد تجد بعض الناس، بل كثيراً من الناس، ربما تجد كثيراً من الناس في هذا الباب لا يهولون، الكل يريد نفسه مفسراً، نعم، وفقيهاً، نعم، وهو في يعني أربع وعشرين ساعة أو ثلاثة وعشرين ساعة بين جلسة في السوق، وبين جلسة في المقهى، وبين نوم، وكذا، وبعد ذلك يريد أن يفسر، ويريد أن يقول: هذه الآية كذا وكذا وكذا. لا، إذا تريد أن تقول: هذه الآية تفسيرها كذا، وهذا الحديث تفسيره كذا، نعم، تعال، تعال، صبر نفسك في مجالس العلم، تعال اعتكف على تعلم كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعليك بثني الركب في طلب العلم. بعد ذلك يقول: تفسير هذه الآية كذا، وتفسيره كذا. أما أنك تلعب وتلهو وتمرح، نعم، وفي بيع وشراء في غالب وقتك، ثم تريد أن تكون من أهل العلم، وتريد أن تكون من أهل التفسير، هذا من التهام العظيم. لو أن الإنسان لم يدرس يعني في الهندسة، ولم يدرس في الطب، ولم يدرس كذا، لو تكلم في أمور الطب لا ضحك عليه، قال: وش عرفك أنت يا جاهل، وش عرفك بالطب، تتكلم في الطب؟ أين درست؟ ما رأيناك تعلمت الطب ولا تعلمت الهندسة. إذا جاي يتكلم: هذا كذا، وهذا كذا، وهذا كذا. لكن في باب العلم، سبحان الله، في باب الدين، سبحان الله، يعني ما يقول الناس: كان الواجب على الناس يقول: أنت سكت، أش عرفك أنت يا جاهل، تتكلم في دين الله؟ وين درست؟ وين تعلمت؟ لا ما يقولهم، في الدين: وين تعلمت؟ وين درست؟ كأن الدين سهل لكل أحد. لكن لو جاي تدخل في أمر كهرباء، ولا في أمر هندسة: وين تعرفك أنت؟ يقول: أنت تعلمت هندسة، وأنت تعلمت طب، حتى تقول: العملية كذا وكذا وكذا؟ نعم. فالشاهد، بارك الله فيكم، أن ما يشتبه على الناس فهمه، وما يخفى على الناس فهمه في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، إنما يكون بسبب التقصير، التقصير في الطلب، في طلب العلم. قال: "أو قصور في فهمهم"، أو قصور في فهمهم، يعني يشتبه على الناس شيء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام بسبب الفهم. الناس يتفاوتون في أفهامهم، نعم. بعض الناس ما شاء الله أعطاهم الله جل وعلا فهماً، نعم، يفهمون، وبعض الناس أفهامهم قاصرة، أفهامهم قاصرة. بسبب قصور الفهم يحصل ماذا؟ يحصل عدم الفهم، ويحصل التشابه عنده. ولذلك قالوا: "وكم من عائب قولاً صحيحاً، وآفته من الفهم السقيم". وكم من عائب قولاً صحيحاً، وآفته من الفهم السقيم. كم من الناس من يعيب بعض الأقوال الصحيحة، أقوال صحيحة ثابتة، نعم، إما في القرآن وإما في السنة، أدلتها، ومع هذا يعيبها، يقول: هذا القول ليس بصحيح، يعيبه ولا يقبله. ما هو السبب؟ السبب قصر الفهم، السبب قصر الفهم والفهم السقيم. وكم من عائب قولاً صحيحاً، وآفته من الفهم السقيم. وهكذا. قال: "أو سوء في قصدهم". كذلك هذا من أسباب وقوع الناس في التشابه، وسبب وقوع التشابه عندهم، بسبب سوء القصد. يعني ما عندهم نية حسنة، وما عندهم قصد حسن يريد الحق، نعم، ينظر في كتاب الله جل وعلا ويقرأ وهو يريد الحق الصواب، نعم، وإنما عنده قصد سيء، نعم. فلذلك لا يوفق لخبث النية، ولعدم الإخلاص؛ لأن التوفيق من عند الله جل وعلا، ولا يوفق العبد في فهم كتاب الله، وفي فهم سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، إلا إذا أخلص القصد، وأنه يريد بذلك العلم الصحيح، ويريد من الله جل وعلا أن يفقهه في الدين، نعم، فيوفقه الله سبحانه وتعالى. أما إذا كان سوء قصد، فهذا يحرم، وهذا من العقاب العاجل. فلابد يا من تريد الفقه في كتاب الله، في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن لا يشكل عليك شيء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعليك أن تخلص القصد والنية، فتكون عندك النية الحسنة والقصد الحسن، تتعلم كتاب الله لأجل العمل به، لا لأجل أن يقال لك: عالم، ولا لأجل أن يقال لك: قارئ، ولا إلى آخر ذلك من هذه المقاصد السيئة. فإذا كانت هذه المقاصد عندك سيئة موجودة، تقع في الضلال، وتقع في التناقضات، وتضطرب أقوالك. ولذلك تجدون العلماء الراسخين، من فضل الله جل وعلا، أن أقوالهم لا تتناقض، لا تتناقض أقوالهم. وهناك من يدعي العلم، فتجد التناقض الكثير في أقواله، مرة يفتي بكذا، ومرة يفتي بكذا، ومرة يحلل، ومرة يحرم. ما نقول لأجل رجوع إلى الحق، أو لترك الباطل، رجوع إلى الحق، لا، ولكنه الاضطراب، ولكنه الاضطراب الذي ينبئ عن سوء القصد، الذي ينبئ عن سوء القصد. فكم من فتاوى تخرج وهي فتاوى ضالة، نعم، فتاوى ضالة، وتأتي فتاوى فيها التناقض، وفيها كذلك البعد عن الموافقة، الموافقة لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذه الأسباب كثيرة، ومنها سوء القصد، وعدم الإخلاص، حسن النية. فهذا مهم جداً لحصول الفقه في كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: "هذا النوع يسأل عن بيانه؛ لأنه يمكن الوصول إليه". هذا يسأل عنه، إذا اشتبه عليك شيء تسأل عنه. اشتبهت عليك آيات في كتاب الله جل وعلا، أو حديث سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، تسأل عنها أهل العلم؛ لأن هذا يمكن الوصول إلى علمه وإلى فهمه، بخلاف التشابه الحقيقي الذي قد تقدم، لا يجهد السؤال عنه، نعم، لا يمكن أن تسأل عن كيفية صفات رب العالمين جل وعلا، ولا عن كيفية معيشة في الجنة، وغير ذلك، لأن ذلك من التشابه الحقيقي الذي لا يمكن الوصول إليه. لكن التشابه النسبي، نعم، يسأل، يسأل عنه وعن بيانه؛ لأنه يمكن الوصول إليه. فتسأل أهل العلم فيبين لك الحق في هذا الذي اشتبه عليك. قال: "إذ ليس في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس". القرآن ليس فيه شيء لا أحد يعرف معناه، يعني يخفى علمه على الجميع، لا، وإنما يخفى علمه على البعض، يخفى علمه على البعض. فما تقدم معنا كلام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه وغيره، من أن العلم يقول: القرآن ليس فيه شيء لا يعلم معناه، نعم، بل كل ما في كتاب الله جل وعلا علمه، علمه ماذا؟ معلوم معناه، معناه معلوم لأهل العلم. لابد أن يوجد في الأمة من يعلم، لا يمكن أن تكون هناك آية، نعم، هي من التشابه النسبي، لا يعلمه أحد، ولا يعلم معناها أحد في الأمة، لا، لابد من وجود من يعلمها. لكن من الذي يعلمها؟ هذا فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء. ولذلك لا يرجع لواحد من الناس، وهذا يدلنا على أن التعصب والرجوع إلى واحد، والأخذ بما جاء عنه فقط، هذا ضلال، نعم، لأن الحق يكون عند غيره، نعم. ولذلك أنت تسأل أهل العلم، تسأل أهل العلم فيما اشتبه عليك. فالقرآن ليس به شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس. لكن قد يخفى على بعض الناس، لماذا؟ ذكر رحمه الله تعالى: لأن الله جل وعلا جعله ماذا؟ تبياناً لكل شيء. فالله جل وعلا يقول: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾، فإن القرآن تبيان لكل شيء، نعم، تبيان لكل شيء، و"شيء" نكرة هنا تفيد العموم، فهو بيان لكل شيء، بيان لكل شيء. لكن أنت، أنت تسأل، أنت تسأل أهل العلم، نعم، فيبين لك، نعم، حتى ماذا؟ كيف تعمل المكرونة، نعم، وحتى كيف يعمل الرز، وكيف يطبخ، نعم، والخضروات وغير ذلك. كل شيء في كتاب الله. قد يقول قائل: وين هذا؟ نعم. وهذه من الطريف، قد ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله، قال: يعني جاء رجل من اليهود أو من النصارى، فقال: يعني كتابكم القرآن فيه بيان كل شيء، ما في شيء لو فيه مبين، بينه. قال له: نعم. قال: فقل لي أين هذه، يعني هذه الوجبة، وجبة يعني خضروات وكذا وكذا، فين هذا في كتاب الله، فين هذا في كتاب الله؟ تريد أن تفعل هذه الوجبة، يفعل كذا وكذا. فقال: فيه موجود. قال: كيف؟ قال: استدعي الطباخ الذي عمله هذه، قال: تعالي الطباخ، كيف عملت هذه؟ قال: قطعت كذا، وفعلت كذا، وفعلت كذا. قال: موجود، معاقب، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. نعم، ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. يعني الطباخ صار أهل ذكر؛ لأن هذا العمل عمله، نعم. فإذا تسأل، تريد أن تعرف كيف تبنى البيوت، سأل أهل الذكر، موجود في كتاب الله عز وجل. إذا أريد أن تعرف كيف تبنى البيوت، وكيف تصنع القوارب، نعم، وكيف تفعل المراوح، وكيف الساعات، وكيف وكيف وكيف، كلهم موجود في كتاب الله، اسأل أهل الذكر، اسأل صاحب الساعات، واسأل صاحب الكمبيوتر، واسأل صاحب كذا، واسأل صاحب كذا. وهذا البيان، نعم. لكن القرآن لا يفصل مثل هذه التفاصيل، لكن شيء عام، كلام محكم يدخل فيه كل شيء. فالشاهد أن الله جل وعلا أنزل هذا القرآن تبياناً لكل شيء. فإذا كان القرآن أنزله الله جل وعلا تبياناً لكل شيء، فكيف يخفى العلم على الجميع؟ لا يخفى العلم على الجميع، ولا يخفى ذلك البيان على أحد، بل هو هدى. وكيف يكون القرآن هدى، وهو فيه ما لا يعلم معناه أحد، ويخفى علمه على كل أحد؟ لا يكون إذن هدى، ولا يكون إذن القرآن كذلك بياناً، لماذا؟ لأن البيان والهدى هو الذي يرشد، يرشد إلى المطلوب. فالقرآن هو بيان، وهو هدى، وهو رحمة. وأعظم رحمة في القرآن أن فيه العلم، أن فيه العلم الذي يعرف فيه الإنسان كيف يتعامل مع الناس، كيف يتعامل مع والده ووالدته وجيرانه وأرحامه، حتى مع الكافر، نعم، وهو من أعظم الرحمة. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾، لأجل ما أرسل به عليه الصلاة والسلام من الهدى ودين الحق، والعلم النافع والعمل الصالح. وقال جل وعلا: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾. وهذا كذلك في بيان القرآن، هدى، وهو بيان. فإذا لا يخفى علمه على الجميع. قال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾. بيان هذا القرآن، إذن الله جل وعلا بين لنبيه عليه الصلاة والسلام هذا القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام بين للأمة هذا القرآن. ما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة القرآن كغرأة هذه الحروف، نعم، الأبجدية، نعم، أو الحروف الهجائية: آبا تاثا، لا، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم بين القرآن، وبلغ هذه الرسالة العظيمة بياناً شافياً كافياً، نعم، بين ما جاء في كتاب الله جل وعلا للأمة، وترك الأمة على البيضاء، ليلها كنهارها، والصحابة رضي الله تعالى عنهم تلقوا ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا علموا غيرهم، نعم. فمجاهد يعرض المصحف على ابن عباس، يوقفه عنده كل آية، لماذا يوقفه عنده كل آية؟ هل لأجل أن يقرأها صحيحاً؟ لا، يوقفه يسأله: ما معناها؟ ما معنى هذه الآية؟ نعم. وابن عباس رضي الله تعالى عنه ما يبين له، نعم، المعنى لهذا القرآن. فإذا مر مجاهد على المصحف وقرأه على ابن عباس، نعم، وابن عباس يبين له معنى هذا القرآن. فإذا القرآن معلوم المعنى، نعم. فإذا اشتبه، إنما هو يشتبه على من قصر وفرط في تعلمه، أو اشتبه عليه علمه وفهمه لقصور فهمه. وهذا قال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ﴾. سماه نوراً مبيناً، فالقرآن نور، نعم. فإذا كان نوراً، معنى ذلك أنه واضح، وهو هاد إلى الحق ومرشد. ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾. فإذا كان كذلك، تبين لنا أن القرآن ماذا؟ معلوم المعنى. ومعنى الناس يتفاوتون في فهمه، وأفهم الناس وأعلمهم والراسخون في العلم، مع هذا هم يتفاوتون كذلك، ومن اشتبه عليه يرجع إليهم، فيسألهم، وهكذا. قال جل وعلا: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾. فالقرآن وصف كذلك بأنه هدى، وصف بأنه بينات. وهذه أدلة تدل على أن القرآن هدى، وأن القرآن بيان، بمعنى معلوم المعنى. لكن قد يشتبه على الناس، وهم من التشابه النسبي، الذي الواجب فيه سؤال الراسخين في العلم الذين لا يخفى عليهم علم شيء في كتاب الله جل وعلا، وإن كانوا يتفاوتون في ذلك. وما تبقى إن شاء الله في الدرس اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر