الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 214، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يهديه ويمنحه التقوى. الهداية بيد الله وحده، والعبد مطالب بأن يسأل الله الهداية والتوفيق.
التعفف عن الحرام أمر عظيم في الإسلام، والغنى الحقيقي هو غنى النفس والقناعة. هذه الصفات سبب لدخول الجنة ورضا الله تعالى.
دعاء النبي بالهدى والتقى والعفاف والغنى يدل على أهمية هذه الصفات في حياة المسلم. هذه الدعوات تشمل جوانب الإصلاح الداخلي والتوفيق الإلهي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري، رحمه الله، في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا عمر بن مرزوق، قال: أخبرنا شعبة، وابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، عن أبي إسحاق، وهو عمر بن عبد الله السبيعي، عن أبي الأحوص، وهو عوف بن مالك، أبو الأحوص الجشمي، عن عبد الله بن مسعود، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم إني أسألك الهدى، والعفاف، والغنى». وقال أصحابنا عن عمر: والتقى. هذا الحديث صحيح، وقد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه بلفظ: «اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى». في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك الهدى، والعفاف، والغنى، والتقى». فكان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل من الله عز وجل الهدى، والهدى أي الاهتداء إلى الصراط المستقيم، وكذلك الاهتداء إلى الحق والأخذ به والتمسك به. فالهداية من الله سبحانه وتعالى لا يملكها أحد من الخلق، أي هداية التوفيق. وأما هداية الدلالة فهي للأنبياء والصالحين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني تدل وترشد إلى الصراط المستقيم، لكن من الذي يهدي ويوفق العبد إلى الصراط المستقيم وسلوكه هو الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. فهداية التوفيق بيد الله عز وجل، ولذلك ينبغي للعبد أن يسأل من الله سبحانه وتعالى الهداية، يسأل الله عز وجل أن يوفقه للهدى. وكان كثيرا ما يدعو النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء: «اللهم اهدني، ويسر الهدى إلي». وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني». وكثير من الأدعية التي كان يدعو بها النبي عليه الصلاة والسلام كان يسأل من الله عز وجل الهدى. وهكذا ينبغي للمسلم أن يسأل الله عز وجل الهداية. فإذا وفقك الله سبحانه وتعالى إلى الهدى، فإنك تعلم أنه لن يستطيع أحد أن يضلك، ولا كذلك أن يزيغك عن الهداية، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ﴾، ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾، ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾. فإذا هداك الله سبحانه وتعالى، فليس يستطيع أحد أن يضلك مهما فعل ومهما اتخذ من طرق ووسائل يريد أن يضلك وأن يزيغك، ما يستطيع إذا أراد الله سبحانه وتعالى لك الهداية ووفقك لها. وهكذا العكس، إذا أضلك الله سبحانه وتعالى وعلي ما في قلبك من زيغ وعدم قبول للحق، فليس يستطيع أحدا أن يهديك، لا يستطيع أحد أن يهديك: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾. إذن فالهدى بيد الله سبحانه وتعالى: «اللهم إني أسألك الهدى». وهكذا التقى كان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام يا الله عز وجل التقى، يعني أن يوفقك للتقوى، أن تكون تقيا لله سبحانه وتعالى، وذلك بأن تفعل ما أمرك الله سبحانه وتعالى، وأن تترك معصية الله عز وجل. وكما قال بعض السلف: التقوى أن تعبد الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخاف عقاب الله. هذه هي تقوى الله عز وجل، أنك تحقق العبودية لله عز وجل، فتعبد الله عز وجل كما أمرك، وهذه العبادة على نور، على علم وبصيرة، لا بجهل وتخبط فتقع في البدع. وهكذا أيضا تؤدي هذه العبادة على وجه ربما غير صحيح أو ناقص. وهكذا ترجو ثواب الله، وبذلك تسلم من الشرك الذي هو ناقض للعبادة ومبطل لها، فتكون عبادتك خالصة لله سبحانه وتعالى. وهكذا تترك ما نهى الله عز وجل، لأن الله عز وجل أمرك بذلك ونهاك عن نواهي ومحرمات، أمرك الله سبحانه وتعالى بتركها واجتنابها، فتتركها على نور من الله كذلك، على علم تعلم أن هذا حلال وهذا حرام، فيكون تركك للشيء بعلم وبصيرة. وهكذا ترجو أو تخاف عقاب الله، وهذا كذلك يحقق كمال العبودية لله سبحانه وتعالى، أنك تترك الأمور المحرمة لله عز وجل، لا تتركها لأجل الخلق، رياءا، كون فلان من الناس يراك، أو تتركها عجزا في نيتك تريد أن تفعلها لكن ما استطعت، عجزت عن فعلها، فهذا يعاقب، يعاقب على هذه النية وهذا الهم الذي هم به وإن لم يفعله، لأنه تركها لم يتركها لله سبحانه وتعالى وخوفا من عقاب الله، وإنما تركها عجزا عن فعلها مع همه على فعلها. وكذلك العزم على الوقوع بها، فهذا يؤاخذ ويأثم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكر في الصحيحين: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «كان حريصا على قتل صاحبه». إذا التقى المسلمان بسيفيهما، يعني تقاتل المسلمان، التقى المسلم مع أخيه المسلم فتقاتلا، فقتل أحدهما الآخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القاتل والمقتول في النار»، كلاهما في النار. قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، يعني القاتل قتل فاستحق النار، فما بال هذا المقتول أذن؟ قد قتل وسفك دمه. قال عليه الصلاة والسلام: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه»، يعني كان عازما على أن يقتله، لكنه عجز، عجز بماذا؟ بالقتل قتل، فعجز أن يقتله فأخذ بذلك. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه في النار. فالتقوى أمر عظيم، وعبادة عظيمة ينبغي أن يحققها المسلم، وأن يسأل من الله سبحانه وتعالى أن يعينه عليها، وأن يوفقه للتقى. والله عز وجل قد أمر بها في آيات كثيرة في كتابه، وأخبر أنها وصية الأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. قال: والعفاف كذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل في هذا الدعاء من الله عز وجل العفاف. والعفاف هو التنزه عن فعل ما لا يباح، التنزه عن فعل ما لا يباح والكف عنه. فكذلك أمر التعفف أمر عظيم، التعفف عن الحرام، سواء كان في باب الأموال أو في باب النساء، أو كذلك أيضا في باب الجوارح، كالنطق باللسان أو غير ذلك من الأبواب. فأمر التعفف أمر عظيم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ومن يستعفف يعفه الله». من يستعفف عن الحرام يعفه الله سبحانه وتعالى ويعينه على ذلك. فتسأل من الله عز وجل العفاف أن يجعلك عفيفا، تاركا مبتعدا عن الأمور المحرمة، وذلك سبب عظيم لدخول الجنة، سبب عظيم لدخول الجنة. جاء في الصحيحين حديث أبي هريرة في ذكر السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله». أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا رجل ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ما هو فعله؟ التعفف، تعفف عن فعل الحرام. دعته امرأة ذات منصب وجمال، لها منصب وجاه، وكذلك الجمال، وهي الداعية إليه، تدعوه إلى نفسها، ومع ذلك يتعفف عن فعل الفاحشة خوفا من الله سبحانه وتعالى، فقال: «إني أخاف الله». وجاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم القلب لكل ذي قرب ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال». عفيف متعفف ذو عيال، يعني أنه من أهل الجنة رجل ذو عيال، يعني أولاد، وتعلمون أن الشاص إذا كثر أولاده كثرت حاجته، ومع ذلك فهو يتعفف، لا يذهب إلى الحرام، لا يسرق ولا يرتشي ولا يغش ويخادع، بل يستعفف. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه بسبب عفته هذه أنه من أهل الجنة. وعفيف متعفف ذو عيال، فينبغي على المسلم أن يحرص على العفة، لا يدنس نفسه بالحرام، بل يستعفف، والله جل وعلا يعفه. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. أمر الله سبحانه وتعالى بالتعفف عن الحرام، ووعظ الله سبحانه وتعالى بإغناء العبد إذا فعل ذلك. والله جل وعلا لا يخلف الميعاد. قال: والغنى كذلك كان يسأل النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء الغنى. وهل المراد بالغنى غنى الأموال، أن يكون غنيا ذا مال وذا تجارة وكثرة متاع من أمتعة الدنيا؟ الجواب: لا، المراد بالغنى غنى النفس، أن يكون قانعا بما أتاه الله سبحانه وتعالى. فإن الإنسان إذا أوتي من متاع الدنيا ومن الأموال الشيء الكثير ولم يكن قانعا فهو فقير، فهو فقير ومحتاج. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن لابن آدم واد من ذهب، لأحب أن يكون له ثانيا، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». والحديث في الصحيح، حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. فهو طماع، لو أعطي واد من ذهب، واديا كاملا من ذهب، لا أحب أن يكون له ثانيا، ولو أعطي ثانيا لا أحب أن يكون له ثالثا، حتى يملأ فاه التراب، يعني الموت إذا مات ودخل القبر ودخل التراب في فمه، هنا تحصل له القناعة لأنه قد ترك الدنيا بما فيها. فلذلك كان الغنى حقيقة هو غنى النفس. جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى عن كثرة العرض»، يعني عن كثرة متاع الدنيا، «ولكن الغنى غنى النفس». هذا هو الغنى الحقيقي، هو غنى النفس، أن تكون نفسك غنية، قانعة بما آتاه الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آته». جعل النبي عليه الصلاة والسلام له الفلاح، قد أفلح من أسلم، أي هدي للإسلام، ورزق كفافا، يعني رزق ما يكفيه ويسد حاجته، وقنعه الله بما آته، فوق ذلك القناعة، أنه قانع بما آتاه الله سبحانه وتعالى. فهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد حازت له الدنيا بحذافيرها». من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. فالقناعة كنز عظيم، كنز عظيم، من وفق لها فقد وفق لحقيقة الغنى، وفق لحقيقة الغنى. ولذلك لا ينبغي للمسلم أن ينظر إلى من هو أفضل منه ممن فضله الله سبحانه وتعالى عليه بالمال وغيره، ولكن ينظر إلى من هو دونه، ينظر إلى من هو دونه. فإن ذلك سبب يجعلك تعترف بنعمة الله سبحانه وتعالى وتقنع بما أتاك الله عز وجل. جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو دونه، فذلك أجدر أن لا يزدري نعمة الله عليه». إذا نظرت إلى من أوتي من الأموال ما أوتي، فلا تنظر إلى من هو أفضل منك، لكن انظر إلى من هو دونك. انظر إلى من هو دونك، أنت عندك مسكن تسكنه الحمد لله، انظر إلى من ليس له مسكن، تعرف قدر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك. عندك ما آتاك الله سبحانه وتعالى من نعم، انظر إلى من حرمها، فإنك حينئذ تعرف قدر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك وتقنع بما آتاك الله. لكن إذا نظرت إلى من هو أفضل منك، فلان عنده بيت أحسن من بيتك، تقول: أنا مسكين ما عندي شيء، هذا فلان بيته أحسن من بيتي، فتزدري هذه النعمة التي أنت فيها. وهكذا يقول في سائر النعم. فالغنى أمر عظيم، استغني بما أغناك ربك. والغنى إذا أصابك خصاصة فتجملي، إذا أصابك شدة فاصبر وتحمل ولا تذل نفسك للناس. فمن الغنى أنك تستغني عن الناس وعما في أيدي الناس، وتلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا لن يضيع عبده إذا علم صدقه وإخلاصه، وكذلك تضرع العبد لربه سبحانه وتعالى وتذل له، فالله جل وعلا يعين عبده ويوفقه ويسدده. فهذا الحديث العظيم كان من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام التي كان يدعو بها: «اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى». إلى هنا والله تعالى أعلم.