الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 72، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
أكرم الله عيسى عليه السلام بحواريين وأنصار كثر نصرُوا دعوته في حياته وبعد مماته، وإن انحرف بعضهم بالغوا فيه، وتبقى كثرة الأنصار نعمة عظيمة للعلماء والدعاة لنشر العلم والدعوة. كما أثنى الله على مريم عليها السلام بالصديقية، وتصديقها بكلمات ربها وكتبه، وقنوتها، وهي منزلة رفيعة تلي النبوة.
تتميز مريم عليها السلام بمنزلة الصديقية العالية التي تلي النبوة بفضل علمها الراسخ وعبادتها الدائمة، وقد اصطفاها الله على نساء العالمين. وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بتفاصيل قصتها مطابقة للحقيقة دون معاصرتها أو نقلها من كتب أهل الكتاب يعد دليلاً قاطعاً على نبوته، وقد اعترف بذلك علماء أهل الكتاب فآمنوا.
يبيّن المقطع من قصتي مريم والنبي صلى الله عليه وسلم أن من أخلص لله في الرخاء وفّقه الله ونصره في الشدة، كما نصر مريم بمعجزة كلام عيسى في المهد، وطمأن النبيَّ خديجةُ بذكر خصاله الحسنة في حال الرخاء. فالعبرة: احفظ الله في اليسر يحفظك في العسر، وكن مع الله يكن معك.
أعلن المحاضر الانتهاء من قصة نبي الله عيسى عليه السلام، مبشراً بالبدء في قصة نبي الله يوسف ويعقوب عليهما السلام في الدرس القادم. وهذا الانتقال يفتح آفاقاً جديدة للاستفادة من دروس قصة يوسف ويعقوب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فما زلنا في كتاب قصص الأنبياء، في ذكر الفوائد المستفادة من قصة نبي الله عيسى عليه السلام، وأمه، وزكريا، ويحيى. قال: ومنها ما أكرم الله به عيسى بأن جعل له حواريين وأنصارًا في حياته وبعد مماته، في بث دعوته والنصر لدينه. ولذلك كثر تابعوه، ولكن منهم المستقيم، وهو الذي آمن به حقيقة وآمن بجميع الرسل، ومنهم المنحرف، وهم الذين أغلوا فيه، وهم جمهور من يدعي أنه من أتباعه، وهم أبعد الناس عنه. وهذا يدل على كرامة؛ لأن الأتباع والأنصار نعمة عظيمة على النبي، أو على العالم، أو على الداعي إلى الله سبحانه وتعالى، إذ بهؤلاء الأتباع تقوى دعوته وتنتشر دعوته كذلك. فذكر لنا ربنا عز وجل في كتابه أن لعيسى حواريين، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14]. وقوله كذلك: «ولذلك كثر تابعوه» بسبب انتشار دعوته، وبسبب كثرة أنصاره. وقد تقدم معنا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم نبيًا ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، ثم رفع له سواد عظيم، فظن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أمته، فقيل له: «هذا عيسى وقومه». هذا أو هؤلاء: «هذا عيسى وقومه»، أي أن أتباعه كانوا كثر، كانوا كثر. وهذا كما تقدم من نعمة الله عز وجل على النبي، وعلى الداعي إلى الله سبحانه وتعالى، حتى العالم: العالم، العالم، كلما كثر طلابه وأنصاره كثرت دعوته وانتشرت، وبقي علمه، وبقي علمه. حتى قيل: إن الليث أفقه من مالك، لكن مالكًا انتشر علمه، لماذا؟ لكثرة طلابه، لكثرة طلابه. وهكذا شيخنا الوادعي رحمه الله، انتشرت دعوته لماذا؟ لكثرة طلابه وأتباعه، لكثرة طلابه وأتباعه. وهكذا قل في غير هؤلاء العلماء، فالأتباع لا يستهان بهم، نعمة عظيمة على العالم وعلى الداعي إلى الله عز وجل، فهم نصرة لما يحمل من العلم والحق في حياته، وكذلك بعد مماته. قال: ومنها أن الله أثنى على مريم بالكمال، بالصديقية، وأنها صدقت بكلمات ربها وكتبه، وكانت من القانتين. وهذا في قوله تعالى في آخر سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12]. قال: وهذا وصف لها بالعلم الراسخ، والعبادة الدائمة، والخشوع لله. فقوله: «وصف لها بالعلم الراسخ» في قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ﴾، فإن التصديق دليل العلم والرسوخ فيه. ولذلك منزلة الصديقية منزلة رفيعة لا ينالها إلا الصفوة من عباد الله. ولذلك ذكرت بعد الأنبياء، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]. فمرتبة الصديقية ذكرت مباشرة بعد مرتبة النبوة، ليدل ذلك على رفيع هذه المنزلة، وأنها منزلة رفيعة، ومنزلة كذلك مقدمة على منزلة الشهداء، وعلى منزلة الصالحين، وعلى منزلة الصالحين. ولا تتأتى هذه المنزلة إلا بالعلم الراسخ. وقوله: «والعبادة الدائمة والخشوع لله» هذا في قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، فإن القنوت يفسر من تفسيرات القنوت أنه يفسر بـ: دوام العبادة، دوام العبادة والخشوع لله سبحانه وتعالى. قال: وأنه اصطفاها وفضلها على نساء العالمين، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42]. فمريم عليها السلام من النساء اللاتي فضلنا على كثير من نساء العالمين، وما ذاك إلا لعلو منزلتها وفضلها، رحمها الله. قال: ومنها أن إخباره صلى الله عليه وسلم بهذه القصة وغيرها مفصلة، مطابقة للحقيقة، من أدلة رسالته وآيات نبوته، لقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 44]. ومعنى هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه بخبر هذه القصة، وهو لم يعاصر أحداثها، ولم يخبر بهذه القصة عن طريق كتب أهل الكتاب، فدل ذلك على أن الذي أخبره بأحداث هذه القصة هو الله سبحانه وتعالى، فهو نبي مرسل، أوحى الله عز وجل إليه وأطلعه على شيء من الغيب، ومنه هذه القصة، كما قال الله عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: 26-27]. فالله عز وجل يوحي إلى أنبيائه بأمور لا يعلمها كثير من الناس، لا يعلمها كثير من الناس. ولذلك من أراد الله عز وجل به الهداية من أهل الكتاب، علم وأيقن أن ما جاء به هذا الرسول هو حق وصدق، وهو مطابق لما في كتب النصارى، لما في كتب النصارى. ولذلك لما هاجر الصحابة إلى الحبشة عند النجاشي، وسمع منهم شيئًا من القرآن، ومن ذكاء الصحابة أنهم قرؤوا عليه ما أوحى الله عز وجل إلى نبيه من قصة عيسى عليه السلام مع قومه، فقرؤوا عليه آيات في قصة هذا النبي، فدمعت عيناه، وخشع، وعلم أن هذا الكلام لا يأتي به شخص ليس بنبي. فلذلك، فلذلك آمن النجاشي، آمن النجاشي. وفي مثله نزل قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سُمِعُوا﴾، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107-109]. وفي قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83]، مما عرفوا من الحق. هذه الآيات نزلت في من وفقه الله عز وجل من أهل الكتاب، ومنهم النصارى. فهذه القصة فيها دلالة ظاهرة وواضحة على صدق رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا ما ذكره المؤلف في قصة هذا النبي. ومن تلك الفوائد التي تضاف أيضًا: أن من كان مع الله كان الله عز وجل معه. فمريم عليها السلام لما تفرغت لعبادة الله، وقامت، وقامت بما أوجب الله عز وجل عليها، فإن الله سبحانه وتعالى لم يخذلها ولم يتركها، بل أعطاها تلك المعجزة العظيمة، حيث أن هذا المولود الذي في المهد تكلم بإذن الله سبحانه وتعالى. فكل من كان مع الله فالله عز وجل معه. فتعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى وسلم ذلك لابن عمه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، الحديث المعروف: «احفظ الله يحفظك». وفي لفظ أو بعض ألفاظ هذا الحديث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، يعرفك في الشدة». في يفرج الله عز وجل عن أوليائه الذين كانوا معه في الرخاء، بالإقبال عليه، وبكذلك طاعته، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، فإن الله عز وجل لا يخذلهم، ولا كذلك يتركهم أحوج ما يحتاجون إلى نصرة ربهم سبحانه وتعالى. ولذلك خديجة رضي الله تعالى عنها، لما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم ما وقع، لما كان يتحنث ويتعبد في غار حراء، فجاءه جبريل فضمه ضمة شديدة، وهو يقول له: «اقرأ»، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «ما أنا بقارئ». ثم تركه، ثم ضمه مرة ثانية وثالثة، وهو يقول: «ما أنا بقارئ». ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. فخاف النبي عليه الصلاة والسلام خوفًا شديدًا. تصور هذا الموقف: وحده، ما عنده أحد، في غار بعيد من مساكن الناس. تعرفون غار حراء خارج مكة، يعني خارج... عفوًا، خارج يعني مساكن الناس، خارج يعني موضع الكعبة والبيت الحرام. في هذا المقام يأتيه هذا الملك ويضمه هذه الضمة الشديدة، ويقول له: «اقرأ». موقف رهيب، موقف عظيم، فحق له أن يخاف. فخاف عليه الصلاة والسلام، فأتى إلى خديجة وهو يقول من الخوف: «زملوني، زملوني»، أي: غطوني، غطوني. فتقول له خديجة رضي الله تعالى عنها: «والله لا يخزيك الله أبدًا، هذا ما فيه ذلك، وما فيه خزي عليك، والله لا يخزيك الله أبدًا». ثم ذكرت شيئًا من الأعمال التي كان يعملها عليه الصلاة والسلام حال رخائه، وقالت: «إنك لتصل الرحم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق». ذكرت له خصالًا عظيمة كان النبي صلى الله عليه وسلم يتصف بها، فطمأنته وهدأته، رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فهكذا من كان مع الله كان الله معه. إن كنت فقيرًا أغناك الله، وإن كنت مريضًا شفاك الله، وإن كنت ذليلًا أعزك الله، وإن كنت أعزبًا زوجك الله، وإن كنت كذلك ضعيفًا قواك الله. فكن مع الله عز وجل في الرخاء يعرفك في الشدة، ويؤيدك وينصرك ويكون معك. هذا من أعظم الفوائد التي ينبغي أن نستفيدها من مثل هذا القصص القرآني. طيب، بهذا نكون قد انتهينا من قصة نبي الله عيسى وما يتعلق بها، وإن شاء الله في الدرس القادم نشرع في قصة نبي الله يوسف ويعقوب عليهما الصلاة والسلام. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. شكرًا.